فهد المضحكي
الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 14:11
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
من السيارات الفاخرة مرورًا بالهواتف المحمولة وصولًا إلى أحدث الطائرات الشبحية، باتت المجتمعات، والاقتصادات، والجيوش تعتمد على ما يُعرف باسم «المعادن الحرجة»، والتي تتركز بشكل كبير في القارة الأفريقية، خاصة ما يُعرف باسم حزام التعدين في جنوب القارة وهي المرشحة للتحول لأشد مناطق النزاع الصيني الأمريكي ضراوة.
في تقريرٍ نشره موقع «arabicpost» نقلًا عن منصة «أسباب» للدراسات السياسية والاستراتيجية، يستعرض تفاصيل الصراع الصيني - الأمريكي على المعادن الحرجة بالقارة السمراء حيث يذكر: تعدّ أفريقيا موطنًا لـ30 % من إجمالي المعادن الحرجة المعروفة في العالم، وبينما تريد الولايات المتحدة استغلال تلك السوق، تكمُن المشكلة أمام واشنطن في أن الصين سبقت الجميع، إذ توقع بكين على الصفقات هنا وهناك منذ عقود، وتُشيِّد البنية التحتية اللازمة لاستخراج تلك الثروات المعدنية، واليوم تهيمن بكين على أنشطة استخراج وتكرير ومعالجة الموارد المعدنية عالميًا.
لقد وضعت أمريكا استراتيجية للعودة والاستحواذ على حصةٍ في سوق المعادن الحرجة في أفريقيا من جديد، إذ خصّصوا مئات الملايين من الدولارات لإحياء مشروع سكة حديد ضخمة تمتد من الأطلسي وصولًا إلى قلب أفريقيا، فيما تتفاوض الصين للاستحواذ على عمليات على خط سكة حديد «تزرار» الذي يمتد في الاتجاه المقابل من أفريقيا بين زامبيا إلى تنزانيا وصولًا إلى آسيا والمحيط الهادئ.
ويتمحور الخلاف حول موارد المعادن الحرجة المدفونة. ويعتمد كل شيء في حياتنا المعاصرة تقريبًا على تلك الموارد الحرجة، بداية بمقاتلات إف-35 وصولًا إلى بطاريات السيارات الكهربائية وعنفات محطات استخراج الطاقة من الرياح، وتشمل هذه المعادن أو العناصر الأرضية النادرة، البوكسيت، الكروم، الليثيوم، المانغنيز، والبلاتين وغيرها.
تمتلك أفريقيا كميات وفيرة للغاية من تلك المعادن، إذ يمتلئ النصف الجنوبي من القارة بالمعادن التي ترسم شكل الحياة المعاصرة، وتتركّز مواقع التعدين بكثافة في المنطقة الممتدة من الكنغو الديمقراطية إلى جنوب أفريقيا والتي تُعرف باسم حزام التعدين.
ولا يتعلق الأمر بكثافة الموارد المعدنية فحسب، بل بالجودة العالية والبنية التحتية التي تحمل الموارد إلى المحيطات للتصدير أيضًا.
لكن الغابات تملأ المشهد لدرجة أن البنية التحتية للطرق والسكك الحديدية تُعد نادرة. وحتى عند ربط مواقع التعدين وتجهيزها للتصدير، سنجد أنها نادرًا ما تكون متصلة بالعاصمة الفيدرالية لهذه البلدان.
ولا عجب في أن وسطاء السلطة المحلية يعيشون بمعزلٍ عن الحكومة الفيدرالية ويتصرفون من تلقاء أنفسهم عادة.
وتتطلع أمريكا الآن إلى إدارة أعمالٍ تجارية في منطقة كاتانغا بالكونغو الديمقراطية، التي تحتوي على أكبر إمدادات الكوبالت في العالم.
وتشير التقديرات إلى أن احتياطيات إقليم كاتانغا تتراوح بين 70 % و80 % من إجمالي الإنتاج العالمي للكوبالت.
وتُعد زامبيا المجاورة موردًا رئيسيًا للنحاس؛ إذ تمتلك 6 % من احتياطيات النحاس المعروفة عالميًا، ولكن الميزة أن لديها الاحتياطيات الأعلى جودةً على الإطلاق. وهذا يعني أن جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا تحتلان محور السباق من أجل المعادن الحرجة.
ومن أجل الاستفادة بالموارد الكونغولية والزامبية تعهّد الرئيس الأمريكي السابق بايدن بتخفيض 360 مليون دولار لإحياء ممر لوبيتو. وهذا الممر يضم مجموعة من البنيات التحتية للسكك الحديدية والموانئ والمطارات والطرق التي تربط الجزء الجنوبي من جمهورية الكونغو الديمقراطية، والجزء الشمالي الغربي من زامبيا، بأسواق التجارة الإقليمية والعالمية عبر ميناء لوبيتو في أنغولا على ساحل المحيط الأطلسي.
وتستهدف الولايات المتحدة اليوم ترميم وتجديد السكة الحديد، وسيسمح هذا للشركات الأمريكية متعددة الجنسيات بنقل المعادن الحرجة إلى ميناء لوبيتو في أنغولا، ثم شحن المعادن من هناك عبر المحيط الأطلسي.
تُقدر الوكالة الدولية للطاقة أن الطلب على النيكل والكوبالت سيزداد بـ20 ضعفًا بين عامي 2020 و2040، وسيزداد الطلب على الغرافيت بـ25 ضعفًا، وسيزداد الطلب على الليثيوم بأكثر من 40 ضعفًا.
ولهذا تريد الولايات المتحدة ترقية خط السكة الحديد وتحويله إلى سلسلة قيمة بحيث لا يقتصر دوره على تصدير المعادن الحرجة، بل سيرعى تنمية الأعمال والأنشطة التجارية أيضًا، وتأكيدًا على هذه النقطة، خصص البنك الدولي 300 مليون دولار لتمويل خطة تنويع اقتصادي في أنغولا. ربما يستغرق حدوث ذلك عدة عقود، لكن الحياة الحضرية تتطور بهذه الطريقة، بحسب التقرير ذاته.
ثمة تقرير صادر عن مركز ستيمون، وهو مركز أبحاث معني بتحليل القضايا المتعلقة بالسلم العالمي، ملخصه: على الرغم من أن كل من الولايات المتحدة والصين تستخدمان التمويل المدعوم من الحكومة، فإن مؤسسة تمويل التنمية الصينية تقرض في المقام الأول القطاع الخاص، في حين أن بنوك التنمية الصينية غالبًا ما تمول الحكومات الأفريقية أو البنوك الحكومية أو الشركات المملوكة للدولة العاملة في الخارج، بحسب CNBC عربية.
ووفقًا لما ذكره التقرير، فإن أحد الاختلافات الرئيسية بين نهج الصين والولايات المتحدة تجاه الاستثمار المعدني الحاسم في أفريقيا هو دور الحكومة. ويعني ذلك، إن استثمار الصين في أفريقيا مدفوع بشكل كبير من قبل الدولة، حيث تستفيد الشركات الصينية المملوكة للدولة من شروط تمويل مواتية من البنوك الصينية والدعم السياسي من الحكومة الصينية.
وعلى النقيض من ذلك، فإن النهج الأمريكي مدفوع أكثر بالسوق، حيث تتولى الشركات الخاصة زمام المبادرة في الاستثمار.
وفي السياق ذاته، كتبت الصحافية انتصار عنتر مقالًا نشرته صحيفة «INDEPENDENT» عربية، جاء فيه: في الخلفية، هناك في المقام الأول حرب النفوذ بين دول «بريكس» والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وأثبتت بكين نفسها على مر الأعوام كشريك مفضل لأفريقيا. وإذا كان الاتحاد الأوروبي لا يزال الشريك التجاري الرائد للقارة الأفريقية، فقد نجحت الصين في غضون 20 عامًا في ترسيخ مكانتها باعتبارها المورد الرئيس للسلع لأكثر من 30 دولة أفريقية، فضلًا عن كونها المستثمر الأجنبي الرائد في أفريقيا.
ويتبين من تحليل المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2011 أن النخب الجديدة في القارة الأفريقية ستكون مترددة بصورة متزايدة في تعزيز التعاون مع الشمال والتركيز بدلًا من ذلك على التنمية بين بلدان الجنوب.
وبحسب كاتبة المقال، جرى تأكيد أن الصين ستسهم بلا شك في تجديد وتطوير البنية التحتية في المنطقة، وستكون الشركات ورجال الأعمال في شمال أفريقيا، مدفوعين جزئيًا بالاستثمارات الضخمة والطلب المتزايد من دول «بريكس» ودول مجلس التعاون الخليجي، في مركز تطوير العلاقات الإقليمية الجديدة.
وفي ظل هذه الديناميكية الجديدة، يحاول الاتحاد الأوروبي المقاومة، وبالفعل، في ديسمبر عام 2022، كشفت «أورسولا فون لاين» عن مشروع «البوابة العالمية»، الذي يحشد 300 مليار يورو (312 مليار دولار) من التمويل العام والخاص في البلدان الناشئة لتطوير البنية التحتية من المعادن النادرة التي نادرًا ما تستغل وتمتلكها دول عدة مثل الجزائر وبوروندي والجابون وتنزانيا وغيرها.
وتحاول أوروبا الهرب من اعتمادها على الصين في هذه المعادن الأرضية النادرة والوصول إلى الموارد المعدنية الضرورية لانتقال الطاقة مثل الكوبالت والنحاس والليثيوم.
توجد راوسب أرضية نادرة في بلدان أخرى، لكن نادرًا ما تُطور بسبب الصعوبات الفنية وارتفاع كلفة الإنتاج والتأثيرات البيئية، ولكل هذه الأسباب قررت الدول الغربية وقف استغلال مناجم المعادن النادرة لديها في الثمانينيات لتسليم الإنتاج إلى الصين.
وفي تحليل ذات صلة، يقول رئيس مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار في مصر د. أسامة الجواهري، إن العالم يدخل مرحلة تتجاوز فيها المعادن دورها التقليدي كمُدخلات صناعية لتصبح أداة لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي، وصياغة التحالفات الدولية.
فالولايات المتحدة وأوروبا تدركان أن التحكم في الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة والنحاس والنيكل سيحدد سرعة تحولات الطاقة، ومستقبل الصناعات التكنولوجية، وموقع كل قوة كبرى في خريطة القرن الحادي والعشرين. وفي ظل منافسة لا تهدأ مع الصين، تتقدم المعادن لتصبح معيارًا جديدًا للأمن القومي، وعنصرًا حاكمًا في رسم مسارات التصنيع والتجارة والاستثمار.
وهكذا ينفتح فصل جديد في الاقتصاد العالمي، عنوانه أن الدول التي تنجح في تأمين مواردها وتعزيز قدراتها التصنيعية وبناء شراكات موثوق بها ستكون الأقدر على الاحتفاظ بمكانتها، أما من يتأخر اليوم فلن يجد موضع قدم في اقتصاد الغد.
#فهد_المضحكي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟