|
|
الإصلاح الديني من منظور الباحث الأكاديمي هاشم صالح
فهد المضحكي
الحوار المتمدن-العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 12:01
المحور:
سيرة ذاتية
في بحثه «هل أزف عصر الإصلاح الديني في العالم العربي؟» المنشور قبل نحو عقدٍ من الزمن في مجلة «يتفكرون»، التي تصدر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، يقول المفكر السوري هاشم صالح: كل الدلائل تشير إلى أن العالم العربي والإسلامي كله لا يمكن أن يبقى على حاله إلى أبد الآبدين. عاجلًا أو آجلًا، سوف يتغير، سوف يتحلل، سوف يخرج عن حالة الجمود والعطالة التاريخية التي سقط فيها قبل ألف سنة تقريبًا. لاريب في أنه حصلت محاولات للإصلاح منذ القرن التاسع عشر، وحتى اليوم، ولكنها أجهضت بدليل أن الموجة الأصولية التي تلتها غمرتها وغطت عليها. ويقصد بالموجة الأصولية هنا ظهور حركة الإخوان المسلمين عام 1928 وتراجعها عن مواقف الإمام محمد عبده الإصلاحية، وتبنيها لمواقف تلميذة رشيد رضا الانغلاقية، ويقصد أيضًا انتشار السلفية بشكل هائل، حتى في بلدان ما كانت تعرف معنى السلفية، وكل ذلك بفضل قوة البترودولار. ويقصد بها أيضًا انتصار الثورة الخمينية التي هي سلفية أيضا، ولم تجدد شيئًا يذكر على المستوى اللاهوتي.
بهذا المعنى، فالإسلام كله، بحسب رأيه، سنيًا أم شيعيًا، غطس في السلفية والعودة إلى الوراء. وهنا يتساءل: هل تستمر الموجة الأصولية إلى ما لا نهاية، أم أنها ككل موجة، سوف تشهد حالة صعود، فوصول إلى القمة، فانحدار؟ والسؤال المطروح هو: هل ابتدأ عصر الانحدار أم أنها لا تزال في القمة؟ يعتقد أن لحظة الانحدار اقتربت أو بدأت.
ضمن هذا الجو، يقول: على كاهل المثقفين كأفراد أو كمؤسسات فكرية مسؤولية تشخيص الوضع القائم وإيجاد الحلول، تقع على كاهلهم مسؤولية مواكبة المتغيرات المتسارعة التي تحصل في العالم العربي.
يرى صالح أن العرب على أبواب حيرة كبرى أنه ويعني بذلك، أصبح واضحًا أن العرب والمسلمين جميعًا، لا يمكن أن يظلوا متعلقين بتراثهم بشكل عاطفي محض. أي عاجلًا أو آجلًا، سوف تفرض العقلانية نفسها عليهم كما فرضت ذاتها على الشعوب المتقدمة. سوف يجدون أنفسهم مدعوين للتخلي عن الفهم المتزمت لتراثهم، وتبني الفهم المستنير المتصالح مع العصر، والسبب هو أن الفهم القديم المنغلق أصبح عالة علينا. وبالتالي، فنحن على أبواب حيرة كبرى أو طفرة كبرى لا نعرف كيف ستحصل بالضبط. لقد أنتهى عهد الأصولية الكارهة للآخرين أو المكفرة لهم. فقد حان أوان التغيير الجذري على مستوى الفكر العربي الإسلامي ذاته. السياسة تأتي لاحقًا. التغيير الفكري يسبق التغيير السياسي ويمهد له الطريق. فالتغيير السياسي بدون تغيير فكري قد يعود بنا إلى الوراء.
ولإيضاح كل ذلك، يطرح هذا السؤال: هل ينبغي علينا نحن العرب أن نقوم بالإصلاح الديني أم بالتنوير الفلسفي؟ يعتقد أنه ينبغي القيام بهما معًا دفعة واحدة. لماذا؟ لأن جماهير الشعب متدينة في غالبيتها، ولا تستطيع فهم التنوير الفلسفي. ولكنها تستطيع فهم الإصلاح الديني إذا ما شرح لها بشكل تبسيطي معقول. أما التنوير الفلسفي، فسيظل محصورًا بالنخب العربية المثقفة والمتعلمة جدًا، حتى يكون الشعب قد تثقف وتعلم أيضًا. وهكذا نكون قد أشبعنا حاجيات كلتا الشريحتين الكبيرتين للمجتمع العربي: أي الشريحة الشعبية، والشريحة النخبوية.
وفي حديثه عن المفكرين الإسلاميين المستنيرين، يشير إلى المفكر الإسلامي المصري، جمال البنا (1920-2013) الذي أشتهر بفكره التجديدي وآرائه الجدلية المخالفة لجماعة الإخوان والفقهاء التقليديين. جمال البنا، بحسب هاشم، صدم رجل الدين، لأنه أتى بأفكار جديدة غير معهودة ولا مثالية. ولذلك هاجموه بعنف. ومن بين الأفكار الإصلاحية التي ناقشها البنا يذكر منها: الحجاب ليس فرضًا على المرأة، بل وليس قرآنيًا على عكس ما نتوهم. أنظر كتابه «المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء. ثانيًا، لا يجوز للرجل تطليق المرأة بشكل منفرد أو أحادي الجانب، فكون تزوج منها بالتراضي، فإن الطلاق ينبغي أن يكون أيضًا بالمعروف، بمعنى أن رأي المرأة ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار لا أن يتم الأمر بشكل تعسفي من طرف واحد: اذهبي فأنت طالق!
ثالثًا، حد الردة ليس شرعيًا في رأي الأستاذ البنا: وهو يخالف بذلك إجماع الفقهاء المعاصرين كلهم تقريبًا. لماذا ليس شرعيًا؟ لأن الكثيرين ارتدوا عن الإسلام في عهد الرسول، فلم يعاقبهم ولم يستتبهم. وذلك انطلاقًا من الآية الكريمة: (لا إكراه في الدين). رابعًا، من الآراء الإصلاحية الجريئة للأستاذ البنا موقفه من الأديان الأخرى، فهو لا يكفر اتباعها أبدًا. خامسًا، يعتبر الجهاد الحق في هذا العصر هو جهاد التنمية، أي محاربة التخلف والجهل والأمية وانتشال الفئات الشعبية من حمأة الفقر المدقع والتهميش الاجتماعي. سادسًا، قوله بأن الشريعة ليست الحدود. الشريعة في حقيقتها وجوهرها هي العدل، حيثما يكون العدل فتم شرع الله.
وعن الردة الفكرية، يقول البنا: «إن سببها هو تحوّل رجال الدين إلى أوصياء على الدين، فما أن يموت الأنبياء، حتى يسعى القيمون على المؤسسات الدينية إلى الوصاية على الدين والمتدينين. ولهذا لم تتخلص أوروبا من تلك الردة الفكرية إلا بعد انتفاضتها على المؤسسة الدينية وظهور عصر النهضة».
ومن خلال تناوله الإصلاح الديني في أوروبا، رأى أن الإصلاح الديني هناك سبق التنوير الفلسفي بقرن على الأقل أو حتى قرنين، فمارتن لوثر ظهر في القرن السادس عشر، وزعماء التنوير الفلسفي من أمثال فولتير وروسو وكانط وسواهم ظهروا في القرن الثامن عشر، لوثر نظف المسيحية من الشوائب والأخطاء والمفاسد بما فيها جشع رجال الدين وانحرافاتهم عن السراط المستقيم. وقد تجلى ذلك بشكل فاقع من خلال متاجرتهم بالإيمان وبيع صكوك الغفران للشعب البسيط الجاهل، فإذا كان الإيمان الذي هو قدس الأقداس قد أصبح سلعة تباع وتشترى بالمال فما بالك بما تبقى؟ هذا يعني أن الفساد عم المجتمع كله، فإذا ما فسد الدين، أو فسد فهم الدين فسد كل شيء. ضد هذا الواقع الفاسد للمسيحية الأوروبية ثار مارتن لوثر وانتفض انتفاضة عارمة سجلتها كتب التاريخ بأحرف من نور. وطهر المسيحية من شوائبها وتراكماتها وأسس دينًا جديدا تقريبًا، هو: البروتستانتية. ولهذا السبب يعتبره الألمان أعظم شخصية في تاريخهم كله. ثم انتشرت أفكاره الإصلاحية في كل أنحاء أوروبا. وهذا أكبر دليل على أن المسيحية كانت عطشى للتغيير، وتنتظر قائدها المنقذ الذي يشعل الشرارة الأولى. فكان أن ظهر لوثر هذا، حيث لا يتوقع أحد ظهوره، لأن المسيحية في الشمال الألماني كانت الأقل فسادًا.
لكن لوثر الذي أصلح المسيحية وعالجها من أمراضها الداخلية، ظل مسيحيًا ولم يخرج على المنظور الديني للوجود. أما فلاسفة التنوير الذين جاؤوا بعده بمائتي سنة، فقد خرجوا على الدين المسيحي عن طريق تحقيق خطوة إضافية بالقياس إليه. لماذا؟ لأن الدين كان قد وقع مرة أخرى في غياهب الفساد والظلام، وأصبح قمعيًا من جديد. ثم بشكل أخص لأن الصراع المذهبي الذي جرى بين المذهب الذي أسسه لوثر (أي المذهب البروتستانيتي) والمذهب الكاثوليكي البابوي الروماني دمر أوروبا تقريبًا. لقد أدى إلى حصول مجازر مرعبة ذهبت بمئات الألوف، بل وحتى بالملايين في شتى أنحاء أوروبا. ولهذا السبب فلم تعد دعوات الإصلاح الديني كافية. وإنما أصبح ملحًا وعاجلًا نقد العقيدة الدينية ذاتها. لهذا السبب خرج فلاسفة التنوير على المسيحية كلها بعد أن نقدوا عقائدها تقدًا جذريًا راديكاليًا لا هوادة فيه. فإذا كانت هذه العقائد تؤدي إلى كل هذه المجازر والمذابح والحروب الأهلية، فهذا يعني أنه يوجد خطأ أو خلل في العقيدة المقدسة ذاتها. هذا الشيء لم يتجرأ عليه لوثر في عصره على الرغم من صدقه وراديكاليته الثورية التغييرية. لماذا؟ لأن الخروج على الدين في عصره كان من رابع المستحيلات. يقول بعضهم بأن فلسفة كانط ما هي إلا علمنة للإصلاح اللوثري، بمعنى أنها تشكل قفزة جديدة في اتجاه التحرر من أغلال الدين وعقائد القرون الوسطى المسيحية. لهذا السبب ألف كانط كتابه الشهير: الدين ضمن حدود العقل فقط. بمعنى أن الدين أصبح يخضع للعقل وليس العقل للدين، أو قل إنه يحق للعقل البشري أن يغربل العقائد الدينية غربلة صارمة فما توافق منها مع العقل والعلم أبقيناه، وما تناقض معهما تخلينا عنه.
#فهد_المضحكي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
إثيوبيا الشريك الاستراتيجي الأهم لإسرائيل في أفريقيا
-
منيرة ثابت.. أول صحافية نقابية في مصر
-
من سيدافع عن أوروبا؟
-
لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرّة مختلفة بالنسبة لإيران؟
-
لبنان والتعددية
-
غفور غلام.. الأديب الذي لعب دورًا كبيرًا في تطوير الأدب الأو
...
-
باتريس لومومبا إضاءة في تاريخ أفريقيا
-
المفكر برهان غليون: سورية محور الصراع على السيطرة الإقليمية
-
وداعًا مراد وهبة فيلسوف التنوير والعقلانية
-
حرب ترامب على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذجًا
-
عن البيروقراطيات العربية
-
حديث عن المشروع القومي للترجمة
-
جيفري ساكس ( 2 )
-
جيفري ساكس (1)
-
آرام خاتشاتوريان.. الموسيقي الذي كتب هوية أرمينيا
-
التوفيق بين تراث الماضي وثقافة الحاضر
-
مظاهر فساد مجلس الأمن الدولي
-
سلامة موسى وأزمة الضمير العربي
-
من دون الحقيقة والعدالة، لن تنتهي الحرب
-
أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد
المزيد.....
-
كاتب في الإندبندنت: هذا سبب القلق الواضح في تصريحات ترمب
-
مبعوث أمريكي سابق: ترمب محبط ويغير أهداف الحرب كل يوم
-
البنتاغون يستعد لأسابيع من العمليات البرية في إيران
-
وفاة رئيس الجزائر الأسبق اليامين زروال
-
6 قتلى في غارتين إسرائيليتين على غزة
-
يحمل سلاحه.. القسام تنشر لقطات جديدة للناطق الراحل أبو عبيدة
...
-
إستراتيجية قديمة.. لماذا تستهدف إسرائيل مصانع الحديد والصلب
...
-
إعلام إيراني: طهران تدرس الانسحاب من معاهدة حظر الأسلحة النو
...
-
عاجل | واشنطن بوست عن مسؤول أمريكي: المدة الزمنية المحتملة ل
...
-
مصر.. مدبولي يحذر من قرارات -أكثر شدة- إذا طالت الحرب بالشرق
...
المزيد.....
-
رسالة الى اخي المعدوم
/ صادق العلي
-
كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة
/ تاج السر عثمان
-
سيرة القيد والقلم
/ نبهان خريشة
-
سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن
/ خطاب عمران الضامن
-
على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم
/ سعيد العليمى
-
الجاسوسية بنكهة مغربية
/ جدو جبريل
-
رواية سيدي قنصل بابل
/ نبيل نوري لگزار موحان
-
الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة
/ أيمن زهري
المزيد.....
|