أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فهد المضحكي - لبنان والتعددية















المزيد.....

لبنان والتعددية


فهد المضحكي

الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 12:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا اعتقد أن هناك مجالًا للقبول أو الرفض. فلبنان كان ولا يزال مجتمعًا تعدديًا في ثقافته ونظامه السياسي. فالتركيب الاجتماعي واضح للجميع وتعدد الأطراف فيه ليس أمرًا عارضًا، بل ظاهرة تاريخية عريقة، كما أن تعامل اللبنانيين مع بعضهم بعضًا كفئات قائم منذ قرون على أساس هذا المفهوم. وهذه الخبرة التاريخية هي التي منحت اللبنانيين المرونة والتفهم لعلاقاتهم كجماعات تعيش في حيز اجتماعي وسياسي واحد، هكذا قال الكاتب والباحث اللبناني ايليا حريق في مقالٍ قديمٍ كتبه بعد عشر سنوات من الحرب الأهلية، والمقال نُشر في أحد أعداد مجلة «مواقف» اللبنانية تحت عنوان «التعددية ظاهرة تاريخية عريقة».

ولإيضاح ذلك، تقول وجهة نظره: لنقف عند تعبير «مفهوم التعددية»، فإن كان المقصود به الإطار الفكري أو المدْركة التي نستعين بها على تنظيم أفكارنا في محاولة فهم مجتمع ما، يكون هذا المفهوم واحدًا من مفهومات نظرية عديدة يمكن اللجوء إليها حسب اهتمامات الباحث. مثلًا، لو اتجه باحث لتبني مفهوم طبقي، فإنّ ذلك الإطار الفكري يقوده إلى التركيز على المواصفات التي تتميز بها فئات اجتماعية من حيث مستواها الاقتصادي وأسلوبها في الحياة، وعلاقة كل فئة بالأخرى. أما الباحث الذي يرغب في أن ينظر إلى المجتمع من حيث مجمل التكتلات التي يتصف بها، لا يقتصر على الطبقات، بل ينظر إلى مختلف أنواع الفئات. فليس هناك من مجتمع يخلو من تعدد الفئات المركب منها. وإنّ السؤال المطروح هنا لا يتعلّق بالإطار النظري الذي يعتمده الباحث، بل بمسألة تصميم أو هندسة اجتماعية وحضارية وثقافية للمجتمع اللبناني. وعندما نتكلم عن التخطيط الاجتماعي، لا بد أن يكون من منطلق نظري وأخلاقي قيمي نصمم على أساسه، والذي يثير العجب أن يصبح هذا الموضوع بالذات مكان بحث مجددًا. فلبنان كما هو معروف وواضح قائم على التعددية في مؤسساته السياسية والثقافية والحضارية، ولا يرى من فائدة في توضيح أمر هو من تحصيل حاصل. إنّما أهمية السؤال تكمن في أن الموضوع قد أثير من جديد في لبنان، فقد ظهرت اتجاهات جديدة نحو السير إلى أبعد ما يمكن في نهج التعددية لا إلى تأكيدها فحسب، وبخلاف ذلك أكد آخرون ضرورة التصدي للتمادي في النزاعات التعددية.

إذن الموضوع ليس اعتناق التعددية أو رفضها في لبنان، بل هو: إلى أي مدى نتمادى في نهج التعددية؟

وفي مقابل ذلك، يقول: من يقترح أن تُلغى التعددية في لبنان عليه أن يرينا أولًا، ما الرسائل المتوافرة لإعادة صياغة المجتمع اللبناني وتحويله إلى مجتمع وحدوي متجانس. ثانيًا، عليه أن يرينا المسوّغ الذي يحمله على سلب جماعات عديدة من معتقداتهم الخاصة وطرق حياتهم المفضلة، من أجل صيغة جديدة يفضلها هو ولا يشاركونه بها. ثالثًا، هل يمكن تغيير الواقع اللبناني بواسطة العنف؟ وهل يمكن العنف فعلًا أن يحوّل لبنان إلى مجتمع وحدوي؟ أخيرًا، إنّ التعددية السياسية في لبنان فعلًا ليست سوى مظهر من مظاهر التعددية الاجتماعية، فهل يرغب اللبنانيون في التخلّي عن النظام السياسي الديمقراطي الذي نهجوا عليه؟ الجواب: ليس هناك من صوت واحد، رغم معاناة الحرب، يقول ذلك أو يرضى به. إذن المسألة هي إلى أي حد نتمادى في التعددية؟ إنّ الحد في التمادي هو دون شك الانفصال والتمييز، وكلاهما مرفوض. الانفصال قد يكون اجتماعيًا، أي أن ترسم كل فئة حدودًا تحول دون التعامل مع الفئة الأخرى أو التكامل التلقائي الذي يحصل بعوامل قوى متعددة في المجتمع. وقد يكون سياسيًا، أي الخروج عن السيادة اللبنانية واعتناق سيادة أخرى مستقلة أو تابعة لدولة أخرى. وهذا أيضًا مرفوض من الأغلبية الساحقة من اللبنانيين. والتمييز أيضًا مرفوض من حيث إنّه يضفي على فئة حقوقًا يُضمن بها على غيرهم في المجتمع الواحد، فمبدأ المساواة والحقوق الإنسانية وحقوق المواطنة تنفي أن يحصل تمييز لفئة على فئة أخرى.

وهنا يجب أن نعود إلى التعددية المتطرفة التي تؤدي إلى الانفصال. إنّ الحركات الاستقلالية مع الاستعمار كانت تقف مواقف عدائية من مسألة التعددية وقد شاهدنا القوى الفوقية الضاغطة من أجل إزالة مظاهر التعددية ليس في العالم العربي فحسب، بل في كثير من دول آسيا وأفريقيا. والخوف الرئيس الذي كان يعتري زعماء العالم الثالث هو انفراط عقد المجتمع بسبب تعدد الفئات الطائفية والإثنية داخل إطار الدولة الواحدة. وهذا تخوف يمكن تفهمه، إنّما الذي لا يمكن فهمه هو الاعتقاد أن الحفاظ على وحدة الدولة يقتضي إزالة التعددية. ولبنان في صلب هذه المسألة بالضبط. فكثيرون هم الذين ينظرون إلى لبنان ويوجهون أصابع الاتهام للتعددية بمظهرها الطائفي ومظهرها السياسي، أي اطلاق الحريات، ويؤكدون أن تفكك المجتمع السياسي اللبناني هو نتيجة حتمية للتعددية. وهذا يضع موضوع التعددية الثقافية والاجتماعية في مأزق حرج ويحمل الكثيرين على الدعوة لإزالتها، عن صدق وإيمان.

لذلك يجب أن يفهم أولئك المتخوّفون والمتهمون أن الذي حدث في لبنان من الحرب والتفكك السياسي والاجتماعي لا يعود إلى التعددية اللبنانية، بل إلى ظروف الصراع الإقليمي في المنطقة، وبصورة أدق، الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على الأرض اللبنانية، وأن معطيات ذلك الصراع تحملنا على الاعتقاد الراسخ أن التفكك الذي حصل تحت النظام التعددي كان سيحصل تحت ظروف نظام وحدوي كذلك، لأنّ العبء الواقع آنذاك على لبنان الصغير أكبر بكثير من أن يتحمله أي نظام مهما كانت طبيعته. نعم إن الحرية في لبنان، وهي مظهر رئيس من مظاهر التعددية الحضارية، سهّلت التدخل الخارجي في لبنان وجردت السلطة المركزية من القدرة على ضبط العوامل الدخيلة، وذلك أمر يفهمه جيدًا زعماء المنطقة وهم يعملون، وقد اشتد بعد الأحداث اللبنانية، لمنع حصوله في بلدانهم.

إنّ التعددية اللبنانية في ظروف إقليمية معتدلة لاتشكل أي خطر على المجتمع اللبناني وغيره، إنّما في الوضع الحالي قد أصبحت التعددية مشبوهة، بسبب أحداث لبنان ولكون إسرائيل أصبحت تنظر إليها من وجهة سيئة القصد، أي من وجهة الرغبة في استخدامها كأداة لتمزيق المجتمعات العربية، وإنّ من الحماقة أن نحدد موقفنا من هذه المسألة المصيرية من خلال الانفعال والتخوّف من الإسرائيليين كما درجنا في معظم تصرفاتنا سابقًا. ثانيًا، إنّ أحداث لبنان قد أحدثت اتساعًا في الشرخ القائم بين فئات متعددة، ولا يمكن تجاهل ذلك. فإن سعينا، كما يقول، إلى فرض الوحدة الانسجامية على أوضاع مخالفة فإنّنا سنفشل حتمًا. وتقتضي الواقعية أن نرعى التعددية إلى الحدود الطبيعية لقواها، وأن نضع الحدود التي لا يمكن تخطيها عند الانفصال والتمييز.

إنّ التعددية السياسية هي الحرية، حرية الرأي والعمل والاجتماع، وهي فاعلة في إطار الدولة الواحدة المستقلة. والحرية السياسية هي التي تفسح في المجال للتعددية الاجتماعية أن تظل مصونة، وهي الضمانة التي لا تعلو عليها أي ضمانة.

ما سبق ذكره يقودنا إلى رأي واضح للأكاديمي اللبناني أديب صعب، وملخصه: ما يحتاج إليه لبنان لتحقيق الوحدة في التعدد على الصعيد السياسي هي دولة مركزية قوية تجسّد مفاهيم الوطن والمواطنة. الإيمان الديني لا يشكل قضية على هذا الصعيد. المطلوب، لحسن عمل الجسم الاجتماعي، قوانين تضمن الحرية والعدالة والمساواة وتردع تعديات الناس بعضهم على بعض، بصرف النظر تمامًا عن تنوعات إيمانهم وتجاربهم الدينية. إنّ مفهوم المواطنة في لبنان لا يمكن أن يتعزز وسط تطلع بعض فئاته الطائفية خارج حدود بلدهم لاستلهام مواقف قد تعرقل سياسة الدولة المركزية، وإن باسم الدين أحيانًا، كما لا يمكن لهذا المفهوم أن يتعزز وسط دعاوى قومية مختلفة يشد منها بما لا يمكن أن يتنج عنه سوى تمزيق الجسم الاجتماعي. لذلك، كان من أشد أمور الإصلاح السياسي إلحاحًا إصدار قانون جديد للأحزاب، يقام على القضايا الاجتماعية الإصلاحية، ويؤخذ فيه أن الكيان اللبناني أمر مفروغ منه، وتُمنع تلك الأحزاب «الجغرافية» التي تقوم دعواها الأساسية على رسم حدود لبنان، وتلك التي تشكلت في شرعية الكيان اللبناني، كما تُمنع الأحزاب «الطائفية» التي تقتصر عضوية أفرادها على دين واحد أو مذهب واحد. إنّ الوطن المنشود لا يمكن له أن يتحقق قبل إلغاء الأحزاب والتجمعات الفئوية والطائفية، مع كل امتيازاتها وحساباتها ومحسوبياتها.



#فهد_المضحكي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غفور غلام.. الأديب الذي لعب دورًا كبيرًا في تطوير الأدب الأو ...
- باتريس لومومبا إضاءة في تاريخ أفريقيا
- المفكر برهان غليون: سورية محور الصراع على السيطرة الإقليمية
- وداعًا مراد وهبة فيلسوف التنوير والعقلانية
- حرب ترامب على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذجًا
- عن البيروقراطيات العربية
- حديث عن المشروع القومي للترجمة
- جيفري ساكس ( 2 )
- جيفري ساكس (1)
- آرام خاتشاتوريان.. الموسيقي الذي كتب هوية أرمينيا
- التوفيق بين تراث الماضي وثقافة الحاضر
- مظاهر فساد مجلس الأمن الدولي
- سلامة موسى وأزمة الضمير العربي
- من دون الحقيقة والعدالة، لن تنتهي الحرب
- أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد
- حديث عن صراع ترامب مع أوروبا وتفكيك المنظومة الدولية الليبرا ...
- المفكر التونسي عبدالمجيد الشرفي.. أحد أبرز مؤسسي التيار النق ...
- عن تدهور العلاقات بين الهند والولايات المتحدة
- التنوير.. نقلة نوعية ثقافية واجتماعية وسياسية
- فؤاد محمود دوّارة.. علامة بارزة من علامات النقد المسرحي


المزيد.....




- فيديو منسوب إلى -ضربات سعودية على حضرموت مؤخرًا-.. ما حقيقته ...
- جولة جديدة من المحادثات بين أمريكا وإيران وسط تصريحات متشائم ...
- بعد ورود اسمه في وثائق إبستين.. موانئ دبي العالمية تستبدل ر ...
- نبرة واشنطن التصالحية مع أوروبا .. بين الترحيب الحذر والتشكي ...
- عيد الحب .. ما قصته وأصل تسميته ؟
- افريقيا : نزاعات وصراعات وتدخل خارجي يُغذي انعدام الإستقرار ...
- فرنسا: النيابة العامة تشكل فريقا خاصا للنظر في وثائق إبستين ...
- فتح وحماس: الاحتلال يعرقل لجنة إدارة غزة وتنفيذ خطة ترمب
- التوتر بين أمريكا وإيران هل يمنح إسرائيل غطاء لإعادة رسم الض ...
- غزة والضفة الغربية في مرمى التصعيد الأمريكي الإيراني


المزيد.....

- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فهد المضحكي - لبنان والتعددية