أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فهد المضحكي - التوفيق بين تراث الماضي وثقافة الحاضر















المزيد.....

التوفيق بين تراث الماضي وثقافة الحاضر


فهد المضحكي

الحوار المتمدن-العدد: 8541 - 2025 / 11 / 29 - 12:05
المحور: الادب والفن
    


في حديثه عن «معارك العرب الفلسفية»، يقول المفكر والفيلسوف زكي نجيب محمود إن أم المشكلات في حياتنا الفكرية هي محاولة التوفيق بين تراث الماضي وثقافة الحاضر، فمن التراث تتكون الشخصية الفريدة التي تتميز بها أمة من سائر الأمم، ومن ثقافة الحاضر تستمد عناصر البقاء والدوام في معترك الدول، فالأمة العربية، بما قد ورثته عن الأسلاف من عوامل، أهمها العقيدة واللغة ومواصفات العُرف والتقاليد، وكذلك يقول إن الأمة العربية ما استطاعت الصمود في دوامات هذا العصر الجارفة العنيفة،

بمقدار ما استطاعت أن تساير حضارة هذا العصر في أفكاره ووسائله وتصوراته، وإنها لتقعُ بين ماضيها وحاضرها في مأزق حرِج. فأذا هي اقتصرت - من جهة - على فكر الماضي وطرائق عيشه ووجهة نظره، جرفها الحاضر في تياره؛ لأن له من الوسائل المادية ما لا قبل لها بدفعه، وإذا هي اقتصرت - من جهة أخرى - من الحاضر على علمه وفنه وصناعته وسائر معالمه، ضاعت

ملامح شخصيتها، وانطمست فرديتها، ولم يعد لها وجود متميز خاص، فهل من سبيل إلى التقاء الطرفين في مركب واحد، يزيل ما بينهما من تباين وتضاد، ويؤلف بينهما في نسيج ثقافي متسق منسجم، يكون هو عندئذ ما نطلق عليه اسم الثقافة الغربية المعاصرة؟ ذلك هو السؤال الذي أُلقِيَ في حياتنا الفكرية منذ قرنٍ أو يزيد، والذي كانت محاولة الإجابة عنه، إجابة مُقنعة، ميدان الصراع بين االمُفكرين بعامة، ورجال الفلسفة من هؤلاء المُفكرين بخاصة.
هذا ما ذكرناه في مقالٍ سابقٍ نُشر في صحيفة «الأيام»، 2024، العدد 12936.


وفي تناوله لهذه القضية، أوضح أن محاولة التوفيق بين تراث الماضي وثقافة الحاضر - أو قل بين تراث الماضي وثقافة الغرب في حاضرها وماضيها على السواء - مشكلة بالنسبة إلى كل مجتمع مُتطوِّر، فقد شهدناها عند العرب الأقدمين في محاولتهم التوفيق بين العقل والنقل - والعقل عندئذ هو رمز لفلسفة اليونان، والنقل رمز لأحكام الشرع -، وشهدناها عند مفكري الغرب إبان العصور الوسطى في قيامهم بالمحاولة نفسها التي حاولها فلاسفة المسلمون. وشهدناها في النهضة الأوروبية حين حاول أعلامها الجمع

بين النهضة العلمية عصرهم التراث الكلاسيكي الذي ابتعثوه عن أسلافهم الرومان واليونان، كما شهدناها في روسيا القرن التاسع عشر، بين الثقافة السلافية الخالصة وثقافة غربي أوروبا، لكن محاولة التوفيق هذه إنما تكون أشد إشكالًا وتعقيدًا بالنسبة إلى الشعوب الأسيوية والأفريقية - بما في ذلك الأمة العربية - التي ظفرت بحريتها حديثًا من براثن الاستعمار؛ وذلك لأن المشكلة قد أضيفت إليها من عناصر ما زادها عسرًا، فمن هذه العناصر المضافة أن ثقافة العصر التي يُراد التوفيق بينها وبين تراث الماضي، هي نفسها ثقافة المستعمر.


هنا يتضح أن أهم ما استنتجه أنه لعسير على النفس أن تقبل على ثقافةٍ ارتبطت عندها بمن استغلها واستذلها، واستهان بثقافتها وعقائدها، فإذا كان المستعمر كريهًا ممقوتًا، فكذلك كانت - عند معظم الناس - ثقافته المرتبطة به؛ إذ ليس من اليسير على الكثرة الغالبة من الناس أن تقوم بعملية التجريد العقلية التي تفصل المستعمر وثقافته، بحيث ترفض الأول وتقبل الثانية؛ ولهذا سرعان ما ارتبطت النزعة القومية في جانبها السياسي الذي حاول الفكاك من قيود المستعمر، ليظفر بالحرية والاستقلال، سرعان ما ارتبط هذا الجانب السياسي من الحركة القومية بالجانب الثقافي الذي حاول أصحابه تثبيت الجذور المحلية في تربة الأرض،

لتعود إلى الأمة شخصيتها التي أوشكت على الضياع فرأينا حركة إحياء شامل لما كان قد اندثر - أو أوشك - من مقومات الحياة الماضية إبان قوتها، وفي مقدمة هذه المقومات العقيدة الدينية، لا لأن هذه العقيدة هي في حقيقتها من أهم أركان البناء الثقافي - إن لم تكن أهمها جميعًا - فحسب، بل لأنه قد تصادف أن عقيدة المستعمر في معظم البلاد الأسيوية والأفريقية مخالفة لعقيدة الشعب في هذه الأمة أو تلك، كالإسلام في الشرق العربي والهند أو البوذية في الهند وبلاد الشرق الأقصى، فكان من الطبيعي - إذن - أن تقترن الحركات الوطنية بالدعوة إلى إحياء العقيدة الدينية وتنقيتها مما قد علق بها من شوائب الخرافة في فترات الضعف السياسي والتدهور الفكري.


إن الروح السائدة في البلاد المتحررة حديثًا من قبضة المستعمر يمكن تلخيصها في هذا السؤال: كيف نرد لأنفسنا كرامتها، بإحياء ثقافتنا التقليدية والرفع من شأنها، مع إقامة البرهان العملي - في الوقت نفسه - على كفاءتنا في ميدان التنافس مع من كانت لهم السيادة علينا ظلمًا وعُدوانًا؟ فهذه السيادة المُعتدية الظالمة كانت ترتكز أولًا وقبل كل شيء على ركيزة العلم والصناعة، وإذن لا بد لنا من هذه الركيزة بكل ملحقاتها، لنستطيع الصمود في ميدان التنافس. وها هنا يعود السؤال من جديد: هل في

ثقافتنا التقليدية التي نُريد إحياءها وتقويتها ما يتعارض مع هذه الركيزة التي نحن في أشد الحاجة إليها، ركيزة العلم والصناعة؟
وفي هذا الصدد، تقول وجهة نظره: كثُر بيننا الخلاف وتشعب الرأي، فكان مِنا فريق يُعِلي من شأن الطابع القومي الأصيل، على

حساب الجوانب الأخرى جميعًا إذا اقتضى الأمر ذلك؛ أي إنه يلوذ بالثقافة الموروثة ليضمن لنفسه مقومات الشخصية المميزة التي هي في ظنه درع واقية من المعتدين. وفريق آخر كان همه الأول هو أن نلحق بركب الحضارة العصرية؛ لأنه لو كان المستعِمر قد وجد فينا ثغرةً ينفذ منها، فتلك الثغرة هي ما أعوزنا من العلم والصناعة، ولم نكن لنُفلِح في صدّه - بغير هذين العاملين - حتى لو وإن تجمعت لدينا كل ثقافات الغابرين. لكن، أيكون الصواب إما مع أنصار التراث وحدهم، وإما مع أنصار الثقافة العصرية

وحدهم؟ ألا يجوز أن يكون بين الطرفين وسط يجمعهما في تركيبة جديدة؟ تلك وقفات ثلاث، طرفان ووسط بينهما، وهي الوقفات التي على أساسها تَفَرق رجال الفلسفي عندنا منذ منتصف القرن الماضي، وإلى يومنا هذا، حتى لنوشك أن نتعقب سير الحركة الفكرية خلال الفترة في مراحل ثُلاثية الجوانب، فمن طرف إلى نقيضه إلى وسط يُولف بينهما، على أن النقيض والوسط كانا دائمًا يتخذان موقف المدافع عن الدِّين مما يُطَن أنه في خطر عليه، سواء كان هذا الخطر حقيقيًا أو موهومًا، وسواء كان آتيًا من مُفكر غربي يتحدث عن الإسلام مُباشرة، أو مفكر غربي ينهج نهج الغربيين في تفكيره، فيُنظر إليه بعين الريبة والحذر.


فأولى المعارك الفكرية معركة كان أحد طرفيها أنصار التطور والمذهب المادي في القرن التاسع عشر، والطرف النقيض هو الرد على هؤلاء تفنيدًا لدعواهم، ويتوسط بين الطرفين وسط يُحاول أن يُبين ألا خوف على عقائدنا الموروثة من الفكر الجديد الوافد.


وكانت المعركه الثانية أحلى وأوضح؛ لأن أحد طرفيها هجوم صريح على الإسلام من مُفكر غربي، وطرفها الثاني دفاع صريح، لكنه دفاع مَن يبدأ بالتسليم بصحة عقيدته، فيقع إقناعه على المؤمن بها قبل المُنكر لها. وأما الوسط فهو دفاع صريح كذلك عن الإسلام، ولكنه هذه المرة دفاع الفيلسوف الذي يُوجه نحو المُنكرين قبل أن يوجهه نحو المؤمنين؛ لأنه اختار نقطة ابتداءٍ مُحايدة ثم أخرج منها النتائج.


وكانت الثالثة أوغل في الفلسفة بمعناها الاحترافي؛ لأنها معركة حول وسيلة المعرفة ماذا تكون؟ أتكون هي الحواس والتجربة بحيث نُغفل في ميدان العلم ما لم نُدركه عن طريق المشاهدة الحسية والتجارب المعملية، أم تكون وسيلة المعرفة هي الحدْس، أي العيان الوجداني المباشر؟ وإنا لنُلاخظ أن الفريق الأول يصب اهتمامه على العلم، وأن الفريق الثاني يصب اهتمامه على الدين. الفريق الأول يُوجه بصره نحو ثقافة العصر، والفريق الثاني يُوجه انتباهه نحو صيانة الثراث. فهل يمكن أن نوفق إلى موقفٍ وسيطٍ يُعطينا عِلم الغرب دون أن يكون ذلك على حساب العقيدة الموروث؟


وكانت المعاركة الرابعة بين فريقين: أولهما يجعل للوجود الفردي في المكان والزمان الأصالة والأولوية، وثانيهما يجعل الأصالة والأولوية للفكرة التي تسبق خلْق الأفراد. وذلك هي نفسها المعركة بين أنصار الفكر الحديث الذي يُصاحب التفكير العلمي المُعاصر وأنصار الفكر الموروث. ومرة أخرى كذلك ينشأ السؤال: أليس هناك موقف وسط يصون فردية الأفراد لكنه كذلك لا يُضحي بالفكرة المُطلقة السابقة على هؤلاء الأفراد؟


وهنا يسوق أمثلة من الفكر الإسلامي الحديث (جمال الدين الأفغاني، والإمام محمد عبده، وطه حسين)، نشهد خلالها كيف يجيء فكرًا قويًا حينًا، وفكرًا ضعيفًا حينًا آخر، وفكرًا اختلطت فيه القوة والضعف.



#فهد_المضحكي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مظاهر فساد مجلس الأمن الدولي
- سلامة موسى وأزمة الضمير العربي
- من دون الحقيقة والعدالة، لن تنتهي الحرب
- أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد
- حديث عن صراع ترامب مع أوروبا وتفكيك المنظومة الدولية الليبرا ...
- المفكر التونسي عبدالمجيد الشرفي.. أحد أبرز مؤسسي التيار النق ...
- عن تدهور العلاقات بين الهند والولايات المتحدة
- التنوير.. نقلة نوعية ثقافية واجتماعية وسياسية
- فؤاد محمود دوّارة.. علامة بارزة من علامات النقد المسرحي
- نواجه أزمة حقيقية.. والإمبراطورية الأمريكية في حالة تراجع
- عن قمة منظمة «شنغهاي» للتعاون 2025
- تراجع المساعدات الإنسانية
- صنع الله إبراهيم.. أحد أبرز رموز النقد السياسي والاجتماعي
- تقرير صيني حول انتهاكات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة في ...
- عبدالمعين الملوحي.. أديبًا ومترجمًا
- تهجير الفلسطينيين يعني تصفية القضية الفلسطينية
- غزّة بين التجويع والإبادة
- المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات
- الاتحاد الأوروبي وحلم الجيش الموحّد
- ترامب وسياسة «الغموض الاستراتيجي»


المزيد.....




- الكِتاب السوري بين زمنين.. كيف تغيّر المشهد الثقافي وواقع ال ...
- انطلاق الدورة الثانية والعشرين لمهرجان مراكش الدولي للسينما ...
- وقائع واحداث منبجسة من نسيج الواقع.. وممضاة بدماء شهداء فلسط ...
- آراء متباينة حول الإعلان الترويجي لفيلم -الست- المرصع بالنجو ...
- -أفلام ميوز-.. ميلانيا ترامب تطلق شركة إنتاج قبل إصدار فيلم ...
- -الزمن تحت الخرسانة- المخيم كعدسة لقراءة المشروع الاستيطاني ...
- الاحتلال يخسر -الفضاء الأزرق-.. وصعود الرواية الفلسطينية يثي ...
- الثقافة: الفيلم المرشح للأوسكار
- إسبانيا: اعتقال الراهبة لورا غارسيا بتهمة تهريب الأعمال الفن ...
- الأمير مولاي رشيد: مهرجان الفيلم بمراكش منصة للحوار وإبراز ا ...


المزيد.....

- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية
- الذين باركوا القتل رواية ... / رانية مرجية
- المسرواية عند توفيق الحكيم والسيد حافظ. دراسة في نقاء الفنون ... / د. محمود محمد حمزة
- مداخل أوليّة إلى عوالم السيد حافظ السرديّة. الطبعة الثانية / د. أمل درويش
- مشروع مسرحيات مونودراما للسيد حافظ. اكسبريو.الخادمة والعجوز. ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فهد المضحكي - التوفيق بين تراث الماضي وثقافة الحاضر