فهد المضحكي
الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 13:32
المحور:
الثورات والانتفاضات الجماهيرية
هذا السؤال يطرحه المحلل السياسي الأكاديمي الإيراني الأمريكي «ولي نصر»، في مقالٍ نُشر على شبكة «بروجكت سنديكيت» العالمية، وترجمته صحفية «الاتحاد» الفلسطينية إلى العربية.
يذكر نصر، وهو يُعد من أبرز المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط، وإيران، والسياسة الإقليمية: خرج الإيرانيون إلى الشوارع احتجاجًا على انهيار العملة الوطنية وتصاعد معدلات التضخم، فيما ذهب كثيرون منهم إلى المطالبة بإنهاء حكم الجمهورية الإسلامية. غير أن ردّ فعل الحكومة هذه المرة اختلف عن تعاملها مع موجات الاحتجاج السابقة.
ففي حين سارع قادة إيران إلى قمع الحركة الخضراء عام 2009، وانتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022، بدا أن الأجهزة الأمنية الإيرانية هذه المرة بطيئة في الاستجابة مع تصاعد الاحتجاجات. وبدل اللجوء الفوري إلى القمع العنيف، اختار الرئيس مسعود بزشكيان في البداية الردّ عبر إصلاحات تقشفية تهدف إلى تحرر موارد مالية تُستخدم لتقديم دعم للفئات الفقيرة.
غير أن هذا الحل لم يصمد طويلًا. فبينما قد تكون هذه الإجراءات قد خففت من غضب الشرائح الأشد فقرًا، فإنها ألقت بأعبائها على الطبقات الوسطى، التي تحمّلت الكلفة وانضمت إلى الاحتجاجات بأعداد متزايدة. وما بدأ كتعبير عن سخط اقتصادي سرعان ما تحوّل إلى انتفاضة ذات طابع سياسي. ولم يُقدم النظام على تشديد القمع بشكل جدي إلا بعد اندلاع الاحتجاجات في مختلف أنحاء البلاد في الثامن من يناير.
فما الذي يفسر هذا الاختلاف في طريقة التعامل مع المعارضة السياسية هذه المرة؟
بحسب وجهة نظره، فإن الاحتجاجات جرت في ظل تداعيات حرب إيران التي استمرت اثني عشر يومًا مع إسرائيل في يونيو الماضي. ولا يزال المسؤولون الإيرانيون متأثرين بآثار ذلك الصراع، ويتصرفون على أساس افتراض أن المواجهة قد تتجدد في أي لحظة. ويبدو هذا التهديد الخارجي أكثر إلحاحًا من الاضطرابات السياسية الداخلية، لا سيما في ظل الضربات التي وجّهتها إسرائيل لحزب الله، وانهيار نظام بشار الأسد في سوريا، ما ترك إيران بقدرة ردع محدودة في مواجهة أي تدخل خارجي محتمل.
وفوق ذلك، وجدت إيران نفسها عاجزة عن منع أطراف خارجية من استثمار السخط الشعبي في الداخل، ما زاد الطين بلّة. فخلال حرب يونيو 2025، اصطف الإيرانيون إلى حد كبير خلف الدولة، وردّ النظام حينها بتخفيف تطبيق القواعد الدينية، ولا سيما تلك المتعلقة بالحجاب. غير أن الاحتجاجات الأخيرة وضعت السلطة أمام معضلة حقيقية: فالقمع المفرط قد ينسف التفاهم الهش الذي سعى النظام إلى ترسيخه مع المجتمع عقب الحرب، في حين أن السماح للاحتجاجات بالتوسع قد يفتح الباب أمام تدخل خارجي.
كما لعب التدهور المتواصل للاقتصاد الإيراني دورًا حاسمًا في تفجير الأزمة. فقد أدى تداخل سوء الإدارة والفساد والعقوبات الخانقة إلى تفاقم معدلات التضخم والبطالة، ما أضعف الطبقة الوسطى تدريجًا ووسّع قاعدة الفئات الفقيرة المتعثرة. وجاءت حرب يونيو لتسرّع هذه الاتجاهات: ففي الأشهر الستة التي تلتها، فقد الريال الإيراني أكثر من 40 في المئة من قيمته، فيما قفزت معدلات التضخم إلى ما يقارب 60 في المئة. ومع شيوع الاعتقاد بأن إضعاف البرنامج النووي الإيراني قلّص قدرة طهران على التفاوض لرفع العقوبات، سرعان ما أعقب ذلك هروب واسع لرؤوس الأموال.
ومن ثمّ، وبحسب رؤية صنّاع القرار في إيران، فإن الأزمة الاقتصادية التي دفعت المحتجين إلى الشوارع متداخلة بعمق مع التهديد الخارجي الذي يواجه البلاد. فهم يتذكرون أن إسرائيل دعت، خلال حرب العام الماضي، الإيرانيين العاديين إلى الانتفاض. وقد راهنت إسرائيل آنذاك على أن القضاء على عشرات من كبار القادة العسكريين وتوجيه ضربات قاسية للمؤسسات العسكرية والأمنية سيحفّز مجتمعًا قلقًا ومضطربًا على الانتفاض وإغراق الدولة المنهكة. وعندما لم يتحقق ذلك السيناريو، كان قادة إيران أول من أقرّ بأن بقاءهم خلال الحرب كان بفضل شعبهم. غير أن ما اتضح لهم من الاستراتيجية الحربية الإسرائيلية، وهو إدراك ينعكس اليوم بوضوح في نظرتهم إلى الاحتجاجات.
وقد تعزّزت هذه الشكوك عندما لجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرًا إلى وسائل التواصل الاجتماعي ليعلن أن الولايات المتحدة «في وضعية الجاهزية الكاملة»، ومستعدة للتدخل من أجل «إنقاذ» المحتجين الإيرانيين من قمع عنيف. ومن هذا المنظور، لا يمكن التهديد الحقيقي الذي تمثله الاحتجاجات في ما يمكن أن ينجزه الإيرانيون بقدراتهم الذاتية، بل في ما إذا كان يمكن توظيفها لتوفير مسوّغ لتدخل أمريكي ضد إيران.
وتبدو المفارقات هنا جلية مع حالتي ليبيا وسوريا خلال موجة «الربيع العربي»، حين استندت الولايات المتحدة وبعض الحكومات الأوروبية إلى مبدأ «مسؤولية الحماية» لتبرير التدخل العسكري. فقد تحوّلت تلك الانتفاضات الشعبية سريعًا إلى مشاريع تغيير أنظمة تقودها قوى خارجية، وانتهت في نهاية المطاف إلى حروب أهلية وانهيار مؤسسات الدولة. ولا يخفى أن صفوف الحرس الثوري الإيراني تضم عددًا كبيرًا من قدامى المحاربين في النزاع السوري، الذين شهدوا من كثب كيف يمكن لاحتجاجات سلمية، حين تحظى بدعم خارجي، أن تنزلق بسرعة نحو حرب أهلية. ومن ثمّ، فإن السعي إلى تجنّب مصير ليبيا وسوريا يشكًل دافعًا أساسيًا يوجّه عملية صنع القرار في إيران اليوم.
ويضاف إلى ذلك عامل آخر يؤثر في حسابات القادة الإيرانيين، هو إقدام الولايات المتحدة على اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. فكما هي الحال لدى كثيرين حول العالم، شكّل هذا التطور صدمة للحكم في طهران. ولم يكن هذا النمط من «تغيير الأنظمة» شبيهًا بما قامت به الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق مطلع الألفية، أو بما سعت إليه لا حقًا في ليبيا وسوريا بعد عقد من الزمن. فبدلًا من نشر قوات أو الترويج لمشاريع «بناء الدولة»، أبقت إدارة ترامب على بنية السلطة التشافيزية القائمة، مع مطالبتها بالخضوع للهيمنة الأمريكية أو مواجهة خنق اقتصادي قاس ٍ.
فهل يمكن للولايات المتحدة أن تنتهج استراتيجية مماثلة ضد الجمهورية الإسلامية؟ إذا كان الأمر كذلك، فقد تسعى إلى تنفيذ ضربة عسكرية دقيقة تستهدف اغتيال المرشد الأعلى لإيران وعددًا من القيادات العسكرية والسياسية البارزة، والاستيلاء على ناقلات النفط الإيرانية في أعالي البحار، ثم مطالبة ما تبقى من بنية النظام بالرضوخ لشروطها، والتي من شأنها أن تشمل التخلي عن البرنامجين النووي والصاروخي، وتسليم السيطرة على الموارد الطبيعية للبلاد. وحتى من دون الوصول إلى حد اغتيال القادة الإيرانيين، فإن استراتيجية أمريكية تقوم على القصف العسكري وعرقلة صادرات النفط يمكن أن تُخضع النظام إلى حافة الانهيار.
وأمام هذه السيناريوهات تمثّل الردّ الفوري في التلويح بالتكاليف المحتملة لأي عدوان أمريكي. ففي السادس من يناير، قام مجلس الدفاع الإيراني بتعديل وضعه الاستراتيجي، معلنًا أن إيران قد تلجأ إلى «إجراءات استباقية» إذا واجهت «مؤشرات موضوعية على وجود تهديد». ورغم أن توجيه ضربة استباقية لأهداف أمريكية في الشرق الأوسط من شأنه، بلا شك، أن يستجلب حربًا لا ترغب بها إيران، وقد يفضي إلى نهاية النظام ذاته، فإن الجمهورية الإسلامية لا تستطيع تحمّل إعطاء الانطباع بأن هزيمتها ستكون بلا ثمن.
ومع ذلك، وحتى إذا نجحت إيران في تفادي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وحتى لو انحسرت موجة الاحتجاجات، فإن اقتصاد البلاد يواصل انحداره في مسار تنازلي. وهذا يعني أن الغضب الشعبي مرشح للتفاقم على المديين المتوسط والطويل، وتهديد داخلي يتمثل في احتمال اندلاع انتفاضة جماهيرية واسعة. ولا يبدو أن هناك مخرجًا سهلًا من هذا المأزق. فرغم أن الانهيار الكامل للنظام ليس وشيكًا بالضرورة، فإن الثورة الإسلامية الإيرانية تبدو قد اقتربت من نهايتها.
هناك من المحللين من يرى أن الحالة الصعبة التي وصل إليها النظام الإيراني لا تفسح المجال لكثير من السيناريوهات، فقد يسقط النظام حقًا بفعل نفاد شروط تماسك النظام الذي استقر عليها بعد الثورة بسيناريوهات غير متوقعة كانقلاب عسكري أو غيرها، وقد ينجو أيضًا.
ولكن لو بقي النظام، وهذا وارد جدًا، فإن نفاد شروطه تعني أن هذه المرة هي احتواء للأزمة وتأجيل حلها حتى الموجة القادمة، أي أن النظام بحلته الحالية انتهى حقًا، والسؤال إذا بقي: كيف هل سيعيد ترتيب نفسه أم سيحاول البقاء على هنا الشكل؟ وإذا صحت الأخبار من الداخل الإيراني عن تصفية الشبكات الموالية لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، فهذا يعني انخفاض فرص إحداث فراغ سلطوي جراء ضربات عسكرية، وقد يعني هذا اتحاد الإيرانيين ضد العدوان العسكري إطار وطني دستوري إيراني.
#فهد_المضحكي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟