|
|
«الدولة المدنية» مصطلح سياسي مستحدث
فهد المضحكي
الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 16:13
المحور:
العولمة وتطورات العالم المعاصر
«الدولة المدنية» مصطلح سياسي مستحدث لم يكن، كما كتبت الباحثة اللبنانية المتخصصة في الشؤون السياسية د. غريس إلياس، موجودًا في علم السياسة قبل ثورات الربيع العربي. أول من طرحها الإخوان المسلمون، وتم التوافق على أنها: الدولة ذات المرجعية المدنية بعيدًا عن المرجعية الدينية والعسكرية، يعني دولة لا تحكم من قبل رجال الدين والعسكريين، فهم يرفضون الدولة العلمانية لأنها تصر على فصل الدين عن الدولة، لأنهم يريدون أن يقولوا إن الدولة المدنية لا تلغي العلاقة بين الدين والدولة، لأن المجتمع المدني حرٌّ بإمكانه أن يقرر طريقة الحُكم، كي يجدوا طريقًا عبرها إلى الدولة التي تحكم، يمكن أن تكون فكرة «حاكمية الله» فكرة من أفكار الدولة المدنية. والمصطلح غير دقيق فيه مدخل أيديولوجي من أجل التغطية على الدولة الدينية.
قبل عدة سنوات نَشرت مجلة «الهلال» المصرية مقالًا للكاتب والناشط السياسي المصري أحمد بهاء الدين شعبان، عنوانه «دفاعًا عن الدولة المدنية» قد نختلف معه في بعض تفاصليه، أو بالأحرى في بعض محاوره، حيث يذكر فيه: لقد دار جدل عظيم، ويدور، وسيدور، حول أفضلية الدولة المدنية للنوع البشري عما عداها من أشكال الدولة وأنماطها، غير أن الإنسانية - بالتجربة العملية - وبعد صراع طويل، امتد لقرون، في مواجهة الاستبداد والتسلط، وضد الجور والعسف والخرافة، توصلت - وبثمن باهظ - إلى اكتشاف مؤكد يشير إلى أن هذا الصنف من نظم إدارة شئون الدول هو الأفق، والأنسب والأكثر جدوى، قد لا يكون هو النوع المثالي الكامل، الذي لا يأتيه الباطل من أمام أو من خلف، لكنه - في كل الأحوال - الأقل سوءًا، والأكثر صلاحية لأحوال البشر، وبحيث يصح أن يقال فيه ما قيل في «الديمقراطية»: «إن أسوأ ديمقراطية هي أفضل من أي استبداد»، فبالمثال، يمكننا الجهر بالقول إن أي دولة مدنية، هي بالقطع، أفضل من كل ما عداها من أشكال الدول الأخرى، التي لم تقد البشرية سوى إلى المجاهل والمتاهات. ومن المؤكد أن الدولة المدنية مشروع دائم التطور، لا يكتمل ولا ينتهي، لأنه يتقدم بتقدم الزمن، ويزداد غنى، ويصحح أخطاءه بنفسه، يومًا بعد آخر، وعبر مسار حلزوني، لكنه متقدم باستمرار، يتعرض أحيانًا لنكبات وانتكاسات، لكنه يتجاوز نفسه بسرعة، ويعدل من أي اعوجاج في مساره بيسر ومرونة، ومن هنا التلازم بين هذا النوع من الدول وبين الشوط الكبير الذي قطعته حركة الناس للأمام في شتى المجالات وبالذات في العقود الأخيرة، فالدولة المدنية الحديثة هي التي دفعت بالحضارة الإنسانية خطوات هائلة على مدارج التقدم، ولا يمكن المجادلة في أن التطبيقات المجسدة أمامنا، على امتداد المعمورة، تعكس بوضوح حقيقة بسيطة تقول إن الدولة المدنية هي الحامل الطبيعي لما حصلته البشرية من إنجازات على كل المستويات، وضعتها على تخوم كواكب أخرى، ونقلت حياتها من ظلام العصور الوسطى، حيث الجوع والمرض والجهل والقهر، إلى أفق مفتوح بلا نهاية، تطور فيه إدراك الإنسان لنفسه ولنواميس الطبيعة وللوجود.
ويعمد خصوم الدولة المدنية، في معرض التشهير، والنيل من فكرتها التي وضعتها في مواجهة الدين، وكأنها تتناقض مع مقوماته وركائزه، فهذا المشكك في «الدولة المدنية» ودعاتها، يحشرها في ركن ضيق، ويسهّل من مهمة إضعافها ويمهد القضاء عليها، وليس هناك أساس ولا ضرورة لوضع الدولة المدنية والدين في تعارض أو عداء مادام الإسلام، كما يقول، لا يعترف بسلطة دينية قائمة والحقيقة أنه لا يوجد أدنى ارتباط بين الدعوة لتبني نمط الدولة المدنية الحديثة، وإنكار الأديان أو النيل من البعد الروحي للوجود، ولا يشترط تحقيق الدولة المدنية إلحاد مواطنيها أو الالتزام بمعاداة العقائد، أو ما شابه من تصورات غير واقعية، ولا ممكنة. لكن الدولة المدنية بتحديد «المجال الحيوي» للدين، وبحيث لا يطغى على كل مجالات الحياة، وحتى يصبح قوة دافعة، لا معطلة، هو مجال الشد والجذب بين الطرفين، وهو أمر لا بد من تجاوزه، حيث يجمد مثل هذا النوع من الجدل طاقة المجتمعات، ويشتت إرادتها على الفعل، ويدفعها دفعًا نحو تخوم الهاوية!
يرى بعض المفكرين أن سبب تعثر مشاريع الدولة المدنية في العديد من دول «العالم الثالث» أو المتخلف يرجع إلى افتقاد هذه الدول لبناء طبقي حديث، يحمل مشروعها، ويمهد الأسس الاجتماعية والثقافية لانتصاره، مثلما حدث في أوروبا والغرب، مع صعود الطبقة البرجوازية الصناعية الحديثة، وإبان صراعها مع الطبقة الإقطاعية، في القرون الوسطى.
وهذا الأمر صحيح بالفعل، لكنه مردود عليه، إذ ليس من المتاح أمام الدول «المتخلفة» فوائض زمنية كافية في ظل الظروف الراهنة، حتى تنتظر اكتمال بنيانها الطبقي، وتوافر الفئات، أو الطبقات الاجتماعية المهيئة لتبني مشروع «الدولة المدنية» وتوفير أسباب نجاحه، ففي مجال الدولة المدنية - ومثلها في ذلك مثل التقدم العلمي والتكنولوجي - يمكن «حرق المراحل»، وتجاوز نظرية التتابع التاريخي التقليدية. فالمشاهد أن دولًا عديدة نهضت من مواقع شديدة التخلف والتردي.. على كل المستويات إلى مصاف الدول الرائدة والمتقدمة عمليًا وتكنولوجيًا، في عقود بسيطة، ونموذجنا في ذلك جميع دول آسيا الصناعية، وبعضها يدين بدين الإسلام مثل ماليزيا، لكن شروط تحقيق هذا الأمر مرهونًا، ومرتبطًا ارتباطًا جازمًا لا مهرب منه، بتحقيق «الدولة المدنية» الحديثة وفق شروط ومعايير موضوعية، من دونها كان من المستحيل تحقيق ما حققه في سنوات محدودة.
ينهض بنيان الدولة المدنية الحديثة على ركيزة مثلثة الأضلاع، الضلع الأول منها هو مبدأ الحرية والثاني مبدأ العقلانية، أما الضلع الثالث فهو مبدأ المواطنة، ونقصان أي ضلع من هذه الأضلاع الثلاثة يزعزع من استقرار هذا البنيان ويجعله عرضة للتقلبات، ضعيف المناعة، قابلًا للانتكاس في مواجهة أي رياح عكسية.
العقلانية: هي المنهج الفكري الرئيس الذي تأسست على أعماله كافة مظاهر الحضارة الإنسانية الراهنة، فالاحتكام إلى العقل وتطويع قوانين الطبيعة عن طريقه كان هو المسار الأساسي الذي قطعته البشرية، ومن مجاهل التخلف إلى تخوم الحضارة المعاصرة، ودون سيادة هذا المبدأ تفقد المجتمعات الإنسانية القدرة على انتزاع مكانتها في ظل المنافسة الشرسة، وحدودية الموارد، وازدياد المشكلات.
وقد طورت المجتمعات الغربية، بعد أن غادرت عصور الظلمة، مناهج علمية ساهمت فيها الحضارات القديمة «الفرعونية - البابلية - الآشورية - الصينية - الهندية... إلخ» والحضارة العربية الزاهرة بنصيب وافر في فترة صعودها، ثم إن هذه المناهج أصبحت، فيما بعد، ملكًا للإنسانية جمعاء، يضيف إليها كل طرف بقدر، ولم يعد من المجدي تجاهل هذا التراث الإنساني الذي يعود جانب منه إلى إسهاماتنا فيه، وبحجة أنه تراث «مستورد» أو «منقول»، فلا معنى لبذل الجهد من أجل «إعادة اختراع العجلة» من نقطة الصفر، حتى ننتج علمًا خاصًا بنا، أو نؤلف مناهج علمية خالصة، منا وإلينا.
أما الحرية، فقد استطال الحديث عنها وتناولتها الألسن والأقلام. منذ فجر الوعي الإنساني، وحتى الآن، وثبت قطعيًا أن الخسارة والتقدم صنوان للحرية، ولا بديل عنها لأي جماعة بشرية تستهدف النهوض.
والحرية نقيض القهر والعبودية والاستبداد، وهي ضرورة من ضرورات الوجود. لا تتم إنسانية الإنسان من غير توافرها، ولا يشعر المواطن بقيمته في غيابها وهي سر قوة الأمم، في السلم والحرب، ودونها يستحيل أن ينهض وطن من عثرته، أو يعاد المواطن اعتباره، وأن يتحول من مجرد كائن بلا هوية، إلى اللبنة الأساسية في بناء الأمم، أي من «رعية» إلى «مواطن» منه تنبع الشرعية، وإليه تعود.
والحرية بذلك، وثيقة الصلة بمسألة المدنية الحديثة، فدون هذه لا إمكانية لتحقيق تلك، وقد عبر د. محمد خلف الله بتعبير محدود بليغ عن هذا الارتباط، فقال: «الدولة المدنية جاءت يوم أن أصبحت الأمة مصدر السلطات».
مبدأ «المواطنة» بجهود مفكري عصر التنوير وعلى رأسهم «جان جاك روسو» استند مفهوم المواطنة على قاعدتين رئيستين، الأولى «المشاركة الإيجابية من جانب الناس في عملية الحكم»، والثانية «المساواة الكاملة بين أبناء المجتمع الواحد كلهم، الذي لا يميز بينهم على أساس الدين أو الجنس أو العرق أو اللون أو مستوى الملكية».. واعتبر «روسو» أن مجرد انصراف الناس عن الاهتمام الإيجابي بشؤون الدولة، أو إذا حيل بينهم وبين هذه المشاركة الإيجابية، يكون الوقت قد حان لاعتبار الدولة في حكم المفقود.
وتعتبر دراسة سياسية مهمة حول قضية «المشاركة الإيجابية» للمواطنين، وأبرز مظاهرها مشاركتهم في الانتخابات، أن الإحجام عن الاقتراع هو وسيلة لتسجيل عدم الموافقة على النظام السياسي، فبالنسبة إلى البعض، الإحجام عن الاعتراض إنما هو «فعل اعتراض». إن عدم الاقتراع هو اقتراع بحد ذاته، أو على حد تعبير السياسي البريطاني الليبرالي ديفيد ماثيوز (1960 - 1868)، فإن الناس تنمو لديهم عادة النظر إلى النظام السياسي على أنه غير مبالٍ ولا مستجيب، الأمر الذي يجعلهم أكثر من محبطين، فينعزلون ويعتزلون، ويتوقفون عن العمل الذي يدعى إليه المواطنون ويشجعون عليه، أي الاقتراع، فواحدهم يقول للآخر إنه لا فرق إن اقترع أو لم يقترع، وهكذا يصبح الشعور بالعجز نبوءة تحقق نفسها بنفسها.
إن الدولة المدنية الحديثة، كما يقول شعبان، ضرورة وجود بالنسبة لبلد كمصر، تحيط بها التحديات الخطرة من كل جانب.
ومن هنا يصح القول إن الدفاع عن الدولة المدنية المصرية، والعمل من أجل تخليصها مما يعوق حركتها وتحديث صورتها وآلياتها وتوجهاتها، هي مهمة المهام بالنسبة للشعب المصري، وقواه الحية ومثقفيه.
يقول الأديب والأكاديمي الفلسطيني الدكتور أحمد برقاوي إنه «لا يوجد في علم السياسة وفي الفلسفة السياسية مُصطلح «الدولة المدنية»، فإن المفهوم يُشرح بالصفات نفسها التي يُشرح فيها مُصطلح الدولة العلمانية».
#فهد_المضحكي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سياسات تهدّد التفوق العلمي
-
وفاة الروائية السورية كوليت خوري.. أيقونة الأدب والحرية
-
الصين ودبلوماسية التوازن
-
أوروبا وسرقة أملاك وأصول الدول الأخرى
-
الإصلاح الديني من منظور الباحث الأكاديمي هاشم صالح
-
إثيوبيا الشريك الاستراتيجي الأهم لإسرائيل في أفريقيا
-
منيرة ثابت.. أول صحافية نقابية في مصر
-
من سيدافع عن أوروبا؟
-
لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرّة مختلفة بالنسبة لإيران؟
-
لبنان والتعددية
-
غفور غلام.. الأديب الذي لعب دورًا كبيرًا في تطوير الأدب الأو
...
-
باتريس لومومبا إضاءة في تاريخ أفريقيا
-
المفكر برهان غليون: سورية محور الصراع على السيطرة الإقليمية
-
وداعًا مراد وهبة فيلسوف التنوير والعقلانية
-
حرب ترامب على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذجًا
-
عن البيروقراطيات العربية
-
حديث عن المشروع القومي للترجمة
-
جيفري ساكس ( 2 )
-
جيفري ساكس (1)
-
آرام خاتشاتوريان.. الموسيقي الذي كتب هوية أرمينيا
المزيد.....
-
شاهد.. ترامب يشير إلى ما تقوله ميلانيا عن أداءه حركات رقص في
...
-
أمريكا تهدد بمعاقبة شركات الشحن إن دفعت رسوما لإيران لعبور م
...
-
دراسة: خوارزميات -ميتا- تفضل الدعاية الانتخابية لحزب -البديل
...
-
تطبيقات الأحزاب الألمانية.. خدمة أم أداة شعبوية للتعبئة الان
...
-
-في بي إن-.. تقنية اتصال تحمي الهوية وتهدد الخصوصية
-
مسؤول إيراني لا يستبعد تجدد الحرب مع أمريكا
-
سباق الغزو.. هل تسبق أطماع موسكو استعدادات الناتو لعام 2029؟
...
-
هل نعيش في محاكاة حاسوبية؟.. بعض مليارديرات وادي السيليكون ي
...
-
-مونارك: إرث الوحوش-.. حين يصبح الإنسان هو البطل في عالم الو
...
-
أميركا تسحب قواتها من ألمانيا.. ماذا يعني ذلك؟
المزيد.....
-
ألمانيا..الحياة والمجهول
/ ملهم الملائكة
-
كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي
/ غازي الصوراني
-
نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي
...
/ زهير الخويلدي
-
Express To Impress عبر لتؤثر
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف
...
/ زهير الخويلدي
-
قضايا جيوستراتيجية
/ مرزوق الحلالي
-
ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال
...
/ حسين عجيب
-
الكتاب السادس _ المخطوط الكامل ( جاهز للنشر )
/ حسين عجيب
المزيد.....
|