|
|
شيخ النقّاد والتحرر من السياسة
فهد المضحكي
الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 14:03
المحور:
سيرة ذاتية
لم يكن الناقد شكري عياد المولود في عام 1921 سياسيًا، ولم يتعين أن يكون كذلك يومًا ما.
هذا ما كتبه الكاتب والمؤرخ المصري د. عاصم الدسوقي، في ذكرى رحيل شيخ النقاد الدكتور شكري عياد، في الرابع والعشرين من يوليو 1999، والذي أثرى حياتنا بآرائه وفكره المستنير.
وبعبارة أكثر وضوحًا، يقول الدسوقي، لم يكن محبًا للسياسة فقد نأى بنفسه عنها اختيارًا واحترامًا لذاته. وظل، ناقدًا أدبيًا أكثر منه أديبًا مجازفًا يبحر بأفكاره الخاصة وسط أنواء الإبداع، تتلقى شراعه سهام النقد من كل حدب وصوب. وآثر أن يكون ناقدًا للآخرين لا منتقدًا منهم. ولم يكن مؤمنًا بالتاريخ كما يكتب، وهو حجر الزاوية في الوعي بالسياسة، ولكن كانت له رؤاه الخاصة فيما عاصر من أحداث حينما كان تلميذًا بالمرحلة الثانوية، ثم طالبًا بالجامعة يدرس الأدب ويرى السياسة من خلال شخصيات ما يقرأ من روايات تقوم على وقائع في التاريخ.
وبحسب رأي الدسوقي، فإن القارئ لبعض ذكرياته في «العيش على الحافة» (نشرها عام 1998)، يخرج بهذا الانطباع العام بعد جهد مضني في اكتشاف ما وراء السطور، حيث الغموض يكتنف ما يتعلق بالتاريخ السياسي، في مقابل الوضوح التام والصراحة الصارخة في موضوعات الحياة العامة والشخصية على وجه الخصوص، وحتى لا يقع عليه باب النقد فيما يتعلق برؤاه السياسية، فإنه يكرر عبارة «أنه يتناول تاريخ ما أهمله التاريخ أو أن التاريخ ليس صناعته» وقد كان قلقًا وحائرًا بين أن يتمثل بالشعراء، والأدباء الذين يقرأ عنهم ولهم ليكون واحدًا منهم، وبين أن يتمثل بالزعامات السياسية التي قلبت أوضاع بلادها أسمعت الدنيا، حائرًا بين «فرديته الفظيعة» وأحلامها، وبين الحلم الجماعي الذي مثلته حركات كبيرة في التاريخ مثل ثورة كرومويل في إنجلترا، والثورة الفرنسية، ومبادئ الاشتراكية كما بشر بها الرعيل الأول من الماركسيين في مصر، ثم أحمد عرابي في مصر، وموسوليني في إيطاليا، وهتلر في ألمانيا.
غير أن قراءاته لأعمال محمد حسين هيكل حولته في النهاية من البحث وراء قادة الجيوش ومؤسسي الدول إلى قراءة تراجم الأدباء من الشعراء والمفكرين. وبعد أن كان يتمثل كرومويل، أصبح يحلم بأن يكون شاعرًا. أما أفكار الثورة الاجتماعية والسياسية فقد اكتفى بأن يعيشها «في الأحلام» لتداعب خيالة الخصب اليقظ.
كانت الثلاثينيات في فترة تكوينه الفكري واستقراره الوجداني، حيث مرحلة الدراسة الثانوية والجامعية. وكانت الثلاثينيات في مصر في فترة المفاوضات السياسية بين الحكومة المصرية المتعاقبة والحكومة البريطانية حول المسائل المعلقة من تصريح فبراير 1922 الخاص باستقلال مصر. وهي مفاوضات كانت تنتهي مع كل حكومة بالإخفاق، ومن ثم بالاستقالة لتدور الدائرة على الوزراء وهكذا.. وهي الفترة التي شهدت قيام إسماعيل صدقي بإلغاء دستور 1923 وفرض دستور 1930 يعطي الملك سلطة مطلقة أكثر مما كانت له في دستور 1923، وهي الفترة أيضًا التي شهدت نشاط جماعة الإخوان المسلمين، وجمعية مصر الفتاة، وإحياء النشاط الشيوعي بعد فترة قصيرة في أعقاب ضرب وزارة سعد زغلول للحزب الشيوعي في 1924.
وعلى هذا كانت ساحة العمل السياسي الوطني آنذاك تشهد أمواجًا متلاطمة دون استقرار، وتشهد صراعات حادة بين قوى سياسية مختلفة بعضها أصيل وبعضها واجهة لقوى أخرى. وتشهد ملاحقة السلطات لعناصر المعارضة من كل نوع ومطاردتها حيثما تكون. ومثل هذه التنويعات بتناقضاتها تزيد من حيرة الإنسان في تبين الصواب لاختيار الأنتماء.
وقد أدى تدافع أحداث الفترة وزخمها واختلال المعايير التي تقاس بها الحركة، إلى أن يعتقد شكري عياد ونفر من زملائه أن مستقبلهم يتحدد بين اختيارين لا ثالث لهما.. إما أن يصبح الواحد منهم ضابطًا، وإما أن يكون معتقلًا. ولعل الضابط هنا إشارة إلى السلطة السياسية، و «المعتقل» كناية عن المعارضة السياسية التي تفضي إلى السجون.
إن فضيلة الاعتزاز بالوطن الذي امتلاء به شكري عياد مع أقرانه من دروس التاريخ والجغرافيا، يعود إلى مؤثر آخر كما نلمسه من ذكرياته، ويتمثل في بعض أساتذة المدرسة في سنة خامسة ثانوي من الإنجليز ذوي الأصول الاسكتلندية والإيرلندية الذين كانوا يكرهون الإنجليز بل ويحاربونهم، ولم يكن الدرس يخلو من إسقاطات سياسية هنا وهناك على الوجود الإنجليزي في مصر.
وإذا كانت مشروعات مصر الفتاة عند شكري عياد تمثل «طفولة في التفكير»، فإن العنف عنده أيضًا أمر «يصاحب تحولات المراهقة» وأكثر من هذا «يصبح الدافع الوطني أو ما يشبهه مجرد مبرر لظهور نزعة العنف»، حتى أن شكري عياد لم يقتل في حياته دجاجة، كان يضع تحت مخدته خنجرًا، وكان ذلك أثناء الحرب العالمية الثانية عندما تكونت «عصابات» لاغتيال الجنود الإنجليز، هل يريد أن يقول لنا إن العمل الوطني المصحوب بالعنف نوع من المرهقة ؟!تكشف الذكريات أن الوعي بعدم جدوى العنف أو عدم بصيرته، نشأ عند عياد مبكرًا، إذ أنه لم يشترك طوال حياته إلا في مظاهرة واحدة عندما كان تلميذًا في مدرسة أشمون الابتدائية ضد وزارة محمد محمود عام 1928-1929، المعروفة في تاريخ مصر بحكومة اليد الحديدية حين تعطل البرلمان، وعاد إلى منزله بعد المظاهرة وقد انحبس صوته لا يستطيع أن يخرج حرفًا سليمًا.
وعندما كان في التوجيهية كان زملاؤه في فصل خامس أدبي يتزعمون المظاهرات ليس في مدرسة «شبين الكوم» فقط، وإنما في مدرسة شبين كلها. ولكنه حتى لا يبدو شاذًا بين أقرانه في الفصل حدد لنفسه دورًا محدودًا بيحث يبدو مشاركًا أصيلًا أمام الغير، وغير متورط فعليًا أمام نفسه. إذ كان يلتقي عصر كل يوم مع زملائه عند مكتب البريد قرب السوق لترتيب ما سيفعلونه في الصباح، وبعد أن يقوم بدوره المحدود وتنطلق المظاهرة يذهب عائدًا إلى بيته.
هكذا كان موقف شكري عياد مبكرًا من السياسة والعمل السياسي، فهو لا يمكنه، كما يقول، أن يفخر بأنه خرج في مظاهرة، أو حجز يومًا في قسم البوليس، أو استدعى لتحقيق سياسي أو سجن أو اعتقل.
وفي مقابل هذا، يقول الدسوقى، ومنذ البداية نراه غير مقتنع بدور البطل في التاريخ وأنه محور حركة الحوادث. ففي المدرسة كان يردد درس التاريخ وراء المدرس، ويحفظه عن ظهر قلب، ويعيده على نفسه في الليل وقت المذاكرة، ولكن دون اقتناع حقيقي ببطولة رمسيس في موقعة «مجدو» ويعلق على ترديده للدرس قائلًا: «ولا يخطر ببالي أن الحكاية نخع (أي مبالغات شديدة)، وأن أبطال هذه المعركة الحقيقيين كانوا أناسًا بسطاء من شعب مصر، وكان يضجره تقديم وقائع التاريخ بوجهة نظر راويها.. فالثورة الفرنسية في رواية إنجليزية مقررة للروائية الإنجليزية» البارونس أوركزي «، وكانت شخصية معادية للثورة الفرنسية» قصة جميلة لم تتعقد إلا حين تعقدت الأمور بين مارا وروبسبير، ودخل فيها الزنبقة الحمراء «وهو نبيل إنجليزي يمثل دور الأبلة أدخلته الكاتبة في الرواية لكي ينقذ الأرستقراطية الفرنسية المعذبة»، تعقدت المشكلة أكثر أمام التلميذ شكري عياد على يد كاربيلو أستاذ اللغة الإنجليزية الذي يشرح الرواية؛ لأنه من أصل إيطالي ويحقد على الأرستقراطية الإنجليزية والفرنسية، ويبغض تلك الرواية ويسخر من خيالها السقيم الذي يجعل نبيل إنجليزي ينقذ أرستقراطية فرنسية. ولكن هذه الرواية ذاتها أعجبت جمال عبدالناصر.
ولكن التلميذ شكري عياد يستحسن رواية «قصة مدينتين» لتشارلز ديكنز، وهي رواية كانت مقررة أيضًا عليه في التوجيهية.. لماذا؟ لأن الروائي لم يتحيز لفريق دون آخر، فقد كان فيها شيء من وصف الباستيل (إشارة لفرنسا قبل الثورة)، وكثير من وصف حفلات الجيلوتين (إشارة إلى فرنسا الثورة).
أما بالنسبة لتاريخ مصر المعاصر فقد توقف شكري عياد كثيرًا أمام الفترة بين عامي 1935- 1942، وهي سنوات الجبهة الوطنية وعقد معاهدة 1936، وإقصاء الوفد من الحكم وتربع حكومات القصر، واندلاع الحرب العالمية الثانية، وهي أيضًا سنوات دراسته بالجامعة شابًا يافعًا. لكننا نراه امتنع عن المشاركة السياسية، وأخذ دور المراقب.
ثمة تساؤلات يطرحها الكاتب الدسوقى من بينها: لماذا لم يتورط شكري عياد في السياسة شأن أغلب شباب جيله، وينتمي إلى أي تيار سياسي يمينًا أو يسارًا؟ هل هذا يعود إلى توبيخ والده أمام ناظر المدرسة وهو في التوجيهية وصفعه بشدة على وجهه بسبب الفوضى التي عمت المدرسة وإحراق معمل الطبيعة والكيمياء ومسؤولية فصل خامس أدبي عن هذا العمل وهو أحد طلابه واستدعاء الناظر لأولياء أمور الطلاب؟ أم أنه يعود إلى كراهيه شكري عياد للنمطية في أي صورة من صورها، وعدم حبه لأن يكون نسخة من آلاف نسخة أو مئاتها أو حتى عشراتها. ومن هنا كان لا يهتف إذا هتف الناس، ولا يصفق إذا صفقوا إلا رعاية للمظهر غير أن هذه الفردية أو هذا التفرد لم يكن يرمي من ورائه إلى حب الظهور على طريقة خالف تعرف، ولكنه «الحياء الشديد حتى لقد كان يشعر بتفاهة شخصه». وكان شكري عياد في هذا غاية القسوة على نفسه والشدة معها. مع أنه فعل الكثير الذي يجعله في موضع الفخر بنفسه، ومحل التقدير من الآخرين.
#فهد_المضحكي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
«الدولة المدنية» مصطلح سياسي مستحدث
-
سياسات تهدّد التفوق العلمي
-
وفاة الروائية السورية كوليت خوري.. أيقونة الأدب والحرية
-
الصين ودبلوماسية التوازن
-
أوروبا وسرقة أملاك وأصول الدول الأخرى
-
الإصلاح الديني من منظور الباحث الأكاديمي هاشم صالح
-
إثيوبيا الشريك الاستراتيجي الأهم لإسرائيل في أفريقيا
-
منيرة ثابت.. أول صحافية نقابية في مصر
-
من سيدافع عن أوروبا؟
-
لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرّة مختلفة بالنسبة لإيران؟
-
لبنان والتعددية
-
غفور غلام.. الأديب الذي لعب دورًا كبيرًا في تطوير الأدب الأو
...
-
باتريس لومومبا إضاءة في تاريخ أفريقيا
-
المفكر برهان غليون: سورية محور الصراع على السيطرة الإقليمية
-
وداعًا مراد وهبة فيلسوف التنوير والعقلانية
-
حرب ترامب على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذجًا
-
عن البيروقراطيات العربية
-
حديث عن المشروع القومي للترجمة
-
جيفري ساكس ( 2 )
-
جيفري ساكس (1)
المزيد.....
-
برعاية أممية.. اتفاق بين الحوثيين والحكومة اليمنية لإطلاق سر
...
-
البرلمان العراقي يمنح الثقة للزيدي وواشنطن وطهران ترحبان
-
-بأشد الإجراءات-.. نتنياهو يعلن الحرب على نيويورك تايمز
-
4 شهداء بقصف إسرائيلي على شمال غزة
-
حرب إيران مباشر.. استهداف كريات شمونة بالصواريخ وإسرائيل تتأ
...
-
إسرائيل تتوعد لبنان وتلجأ للأسلاك الشائكة لمواجهة مسيّرات حز
...
-
لعبة الوقت والمصالح.. 3 مسارات تتنبأ بمستقبل الملاحة في مضيق
...
-
أزمة مضيق هرمز.. صراع الإرادات بين الجمود الدبلوماسي وخيار ا
...
-
زخم متزايد لإزاحة ستارمر.. ماذا يحدث في بريطانيا؟
-
قصة مونيكا ويت.. عميلة أميركية سابقا و-جاسوسة لإيران- حاليا
...
المزيد.....
-
رسالة الى اخي المعدوم
/ صادق العلي
-
كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة
/ تاج السر عثمان
-
سيرة القيد والقلم
/ نبهان خريشة
-
سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن
/ خطاب عمران الضامن
-
على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم
/ سعيد العليمى
-
الجاسوسية بنكهة مغربية
/ جدو جبريل
-
رواية سيدي قنصل بابل
/ نبيل نوري لگزار موحان
-
الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة
/ أيمن زهري
المزيد.....
|