فهد المضحكي
الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 16:14
المحور:
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
ثمّة تقرير أعدّته لي ياون، الصحفية المختصة بالشأن الصيني في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، وترجمته صحيفة الاتحاد الفلسطينية، يذكر: عندما زار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الصين في أواخر عام 2017، استقبله الرئيس الصيني شي جينبينغ بعرض احتفالي للتاريخ والثقافة الصينيين: جولة خاصة استمرت أربع ساعات في المدينة المحرّمة، بلغت ذروتها في عرض لأوبرا بكين.
بعد ثمانية أعوام، وجائحة واحدة، وحربين تجاريتين، يعود ترامب إلى بكين. لكن عناوين الصحف في الصين والعالم هذه المرة لا تتناول عظمة الماضي، بل تفوق المستقبل، مع تقارير عن روبوتات راقصة، وأسراب من الطائرات المسيّرة، والطنين الخافت للمركبات الكهربائية.
وتعرض الصين نفسها على نحو متزايد لا بوصفها حضارة في الأفول تحاول اللحاق بالغرب، بل كقوة عظمى على وشك تجاوزه. ويقول قوميون صينيون ومعلقون مقرّبون من السلطات في البلاد إن لديهم ما يدعوهم إلى شكر ترامب عليه. فهم يرون أن الولايات المتحدة في ظل حكمه تؤكد رؤية الرئيس شي للعالم، التي تتمحور حول «صعود الشرق وأفول الغرب».
وعلى مدى عقود، نظر كثير من الصينيين إلى الولايات المتحدة بمزيج من الإعجاب والغيرة. فقد كانت أمريكا تمثل الثراء، والتفوق التكنولوجي، والثقة المؤسسية. وحتى منتقدو واشنطن، الذين كانوا يمقتون النظام الأمريكي، افترضوا في كثير من الأحيان أنه نظام فعّال.
غير أن صعود ترامب وولايته الثانية الصاخبة في البيت الأبيض حطّما هذه الصورة.
نشر معهد أبحاث قومي في بكين، مرتبط بجامعة رنمين، في يناير الماضي تقريرًا يلخّص السنة الأولى من ولاية ترامب الثانية. وبحسب التقرير، فإن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، وهجماته على حلفاء الولايات المتحدة، وسياسته المناهضة للهجرة، وهجماته على المؤسسة السياسية الأمريكية، عززت الصين من دون قصد، في الوقت الذي أضعفت فيه الولايات المتحدة. وجاء عنوان التقرير:«شكرًا لك، ترامب».
ووصف ترامب بأنه «مسرّع التدهور السياسي لأمريكا»، واعتبر أن الولايات المتحدة تنزلق نحو الاستقطاب، والشلل المؤسسي، بل وحتى «عدم الاستقرار على الطريقة اللاتينية». وذهب معدّو التقرير إلى أن عداء ترامب للصين كان بمثابة «مسرّع معكوس» وحّد البلاد وساعدها على تحقيق استقلال استراتيجي.
وقال معدّو التقرير إنه «عند هذه النقطة التاريخية المفصلية»، فإن ما يُسمع في الحقيقة هو قرع الجرس الذي يبشّر بأفول إمبراطورية، أي إشارة إلى أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة تراجع تاريخي.
وهذه اللغة، التي كانت في السابق محصورة إلى حد كبير في الزوايا القومية على الإنترنت الصيني، باتت تتسلل أكثر فأكثر إلى الخطاب السياسي السائد. أما الأدلة على هذا التحوّل، فهي قابلة للقياس: إذ إن استخدام المصطلحات المرتبطة بـ«أفول أمريكا» في المصادر الصينية الرسمية تضاعفت تقريبًا لبحث أجراه باحثان من معهد بروكينغز في واشنطن العاصمة.
ولم تبدأ سردية أفول أمريكا مع ترامب. فقد عرضت وسائل الإعلام الرسمية الصينية ومعلقون قوميون في البلاد، لتسع، حوادث إطلاق النار الجماعي، والتشرّد، والاستقطاب السياسي، وعدم المساواة الاقتصادية في الولايات المتحدة، بوصفها أدلة على إخفاقات الديمقراطية الغربية.
ويشير تقرير الصحفية لي ياون إلى أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، والطابع الفوضوي لقرارات إدارته السياسية الداخلية والخارجية، وفّرا لآلة الدعاية الصينية مادة جديدة وفيرة. فتُتداول على نطاق واسع في شبكات التواصل الاجتماعي الصينية صور مداهمات عملاء الهجرة، وإطلاق النار في مينيابوليس، والمعارك السياسية المريرة، إلى جانب تعليقات تزعم الانتصار على اختلال الأداء الأمريكي. وما كان يبدو في السابق لكثير من الصينيين المتعلمين دعاية مبالغًا فيها، بدأ يبدو لبعضهم وصفًا للواقع.
قال مستشار تعليمي من شمال الصين، ويقدّم المشورة للعائلات بشأن الدراسة في الخارج، لصحيفة نيويورك تايمز، إن الآباء كانوا يطمحون سابقًا إلى أن يدرس أبناؤهم في جامعات النخبة الأمريكية، ينظرون اليوم إلى أمريكا على أنها «فوضوية أكثر من اللازم». وقال المستشار، الذي عرّف عن نفسه باسم عائلته فقط، وانغ، إن أكثر من 80% من طلابه كانوا قبل عقد يفكرون في الدراسة في الولايات المتحدة، لكنه يقدّر أن هذه السنة انخفضت إلى 45%.
وفي أوساط المحللين الصينيين في السياسة الخارجية، انتقل النقاش إلى مسألة ما الذي تستطيع بكين استخلاصه من العلاقات الثنائية، التي أصبحت في عهد ترامب أكثر تجارية مما كانت عليه في عهد الرئيس الديمقراطي جو بايدن.
وقال هوانغ جينغ، وهو محاضر في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، خلال فعالية إعلامية نُقلت مباشرة في أواخر عام 2022:«فقط الصين تستطيع إنقاذ ترامب».
وبحسب قوله، فإن ترامب، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة في نوفمبر، يحتاج إلى إنجازات ملموسة مثل مشتريات صينية من فول، والذرة، والغاز الطبيعي الأمريكي. وقال إن خطوات من هذا النوع قد تساعده في الولايات المتأرجحة. وأضاف هوانغ خلال الفعالية:«منذ ترامب، أصبحت الولايات المتحدة تميل أكثر فأكثر إلى التسويات».
وقدّم وو شينبو، الباحث البارز في شؤون الولايات المتحدة بجامعة فودان، تقديرًا مشابهًا. وقال في المناسبة نفسها إنه إذا خسر الجمهوريون السيطرة على مجلس النواب في الخريف المقبل، فمن المتوقع أن يركز ترامب على إرثه في السياسة الخارجية، ما سيفتح المجال أمام تسوية أوسع مع بكين. وأضاف: «ينبغي على الصين أن تستغل هذه الفرصة جيدًا».
وتعزز الحرب في إيران التصور القائل إن الصين في مواجهة ترامب. ففي مؤتمر عُقد في أواخر أبريل، قال وو شينبو:«إن الحرب قلّصت قوة المساومة لدى واشنطن في مواجهة الصين، لأنها تستنزف الاهتمام العسكري والدبلوماسي الأمريكي نحو الشرق الأوسط».
ومع ذلك، فإن الإيمان بأفول الولايات المتحدة كإمبراطورية لم يتحول بعد إلى سياسة خارجية صينية عدوانية، على الأقل ليس من النوع الذي ينطوي على مقامرة جيوسياسية مكشوفة كالتي أقدمت عليها روسيا قبل حرب أوكرانيا.
فالصين باتت بالفعل أكثر حزمًا، وتمارس ضغوطًا على حلفاء الولايات المتحدة، وتوسع نشاطها العسكري حول تايوان، وتقيّد صادرات المعادن النادرة ردًا على رسوم ترامب الجمركية. لكن حتى وهي تروّج لفكرة تراجع القوة الأمريكية، يبدو أنها حذرة من مواجهة مباشرة مع ما لا يزال كثير من المحللين الصينيين يصفون بأنه قوة عظمى خطيرة.
ويقف عاملان وراء هذا الحذر. أولاً، يعتقد كثير من الاستراتيجيين الصينيين أن بكين يمكن أن تربح أكثر إذا جلست ببساطة على الهامش فيما تتخبط إدارة ترامب. ثانيًا، إن الولايات المتحدة غير المستقرة والمنشغلة قد تكون أيضًا أكثر تقلبًا.
فالاقتصاد الصيني، الذي يعتمد على التصدير، يحتاج إلى نظام دولي مستقر كي يعمل، والولايات المتحدة المتقلبة تهدد هذا الاستقرار بطرق لم تهدد قط الولايات المتحدة الواثقة والمتوقعة، على ما قالت لي درونغيوان زوي ليو، وهي اقتصادية في مجلس العلاقات الخارجية. وبحسب قولها، فإن شي «يحصل على الولايات المتحدة التي أرادها دائمًا، وفي الوقت نفسه على أمريكا التي خشيها أكثر من أي شيء آخر». في حديثه عن أفول الهيمنة الأمريكية، يقول الكاتب الصحفي المصري عبدالسلام فاروق، إن أمريكا تواجه أزمة هوية مجتمعية. التعدد الثقافي الذي شكل مصدر غني في الماضي، صار اليوم مادة للانقسام. الصراعات حول الهجرة، حقوق الأقليات، والعلاقات العرقية تعكس أن المجتمع لم يتجاوز إرثه التاريخي من التمييز والاستغلال.
هذا التنافر الاجتماعي لا يضعف الداخل فحسب، بل يضر صورة الولايات المتحدة عالميًا. فكيف تقنع واشنطن العالم بالديمقراطية وحقوق الإنسان بينما تعجز عن حل أزماتها العرقية والسياسية في الداخل؟
قد يضن أن التراجع الأمريكي مؤقت، وأن واشنطن قادرة على استعادة زمام القيادة متى شاءت. لكن التاريخ يعلمنا أن الإمبراطورية لا تنهار بين ليلة وضحاها، بل تبدأ بالتهاوي تدريجيًا شيئًا فشيئًا حتى يكتمل المشهد.
الولايات المتحدة اليوم تواجه تحديات كبرى: اقتصاد مثقل بالديون، تحالفات تتداعى، مجتمع ممزق، وسياسة داخلية عاجزة عن إنتاج توافق.
هل تظل واشنطن قوة كبرى لعقود مقبلة؟ البعض يقول بهذا، لكن، وبحسب رأي عبدالسلام، أن تراجعها أسرع من المتوقع، وأن أي صدام حقيقي بينها وبين أعدائها الذين صنعتهم بيدها سيعجل بأفولها. لاسيما وإن هيمنتها التي عرفها القرن العشرون قد ولت إلى غير رجعة.
وإذا تعالت على الاعتراف بما تعانيه من ضعف داخلي وتفكك في دائرة حلفائها، وإذا لم تنتبه أن نفوذها يتآكل، فتعيد تعريف دورها في العالم، فإن أفولها وتراجع مكانتها السريع لن يكون مجرد احتمال، بل حتمية تاريخية.
#فهد_المضحكي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟