أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فهد المضحكي - باحث أمريكي: مع تآكل الثقة يجيء انخفاض درجة الاندماج في المجتمع















المزيد.....

باحث أمريكي: مع تآكل الثقة يجيء انخفاض درجة الاندماج في المجتمع


فهد المضحكي

الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 16:15
المحور: الادب والفن
    


في كتابه «من يزدهر؟ كيف تصوغ القيم الثقافية، الاقتصاد، والنجاح السياسي»، الذي نشرته مجلة «الثقافة العالمية» قبل نحو عقدين من الزمن، وفي واحد من أهم فصوله «نشوء الثقافة الأمريكية»، يقول الكاتب لورنس هاريسون (1932-2015)، وهو باحث في العلوم السياسية:«خرج الأمريكيون من الحرب العالمية الثانية واثقين إلى أبعد الحدود في أنفسهم وفي بلدهم، أقوى بلدان العالم قاطبة. وعلى النقيض تمامًا من أوآخر الأربعينيات، تبدو الولايات المتحدة غير واثقة، بل مشككة، في نفسها. ويعتقد الكثيرون أن هذا التآكل الخطير في الثقة، والوحدة والأهداف الوطنية قد حدث في العقود الماضية. ولعبت الأحداث الجسام، خاصة حرب فيتنام وفضيحة ووترجيت، دورًا مهمًا في هذا».

ويعتقد أن جذور تآكل الثقة والوحدة والأهداف الوطنية تكمن في تآكل القيم التقليدية التي تحققت للشعب الأمريكي كل هذا التقدم والنجاح: الاعتقاد بأن العمل هو العنصر الجوهري للحياة الرغدة هذا أولًا. وثانيًا، الاعتقاد بأن التعليم شرط حاسم للتقدم. وثالثًا، الالتزام بالإبداع، والإنجاز والتفوق. رابعًا، الاعتقاد بأن التباهي قيمة خاطئة. خامسًا، الإحساس القوي بالمجتمع.

وأخذت هذه العلة تضرب أعمق بكثير من السياسات والأحداث والأزمات. وشمل هذا المشاعر الوطنية، والإحساس بالثقة ووحدة الهدف. وهنا يتساءل: هل نحن نسير على الدرب نفسه الذي سارت عليه من قبل اليونان القديمة، وروما القديمة، وإسبانيا القرن السادس عشر، وبريطانيا المعاصرة؟
وفي هذا الصدد يذكر: من واجبنا أن ننقب أكثر في ماضينا - عبر سديم الرومانسية والحنين - لكي نعثر على أمريكا المثلى. فنحن نشعر بما أصاب القيم الأمريكية التقليدية.

وفي تصوره أن الجرح الذي لحق بأخلاق العمل الأمريكية وقيم التعليم والتفوق والاقتصاد في الإنفاق يعود أساسًا إلى الوفرة. فطوال الجزء الأعظم من التاريخ الأمريكي، كان هناك قلة من شبكات التأمين الحكومية، وكان العمل ضروريًا لتلبية الحاجات الأساسية، فضلًا عن إمكان الانتقال إلى أعلى.

لكن ترافق زيادة الدخل الفردي الحقيقي (على الأقل في العقود الأخيرة) مع برامج الرفاه الاجتماعي التي أصبحت ممكنة بسبب الوفرة، أدى إلى الطلاق بين العمل وبين ضمان الحاجات الأساسية، وأتاح إمكان استهلاك السلع والخدمات التي كانت متوافرة فقط للطبقات العليا في المراحل التاريخية المبكرة، وكل هذه أمور جيدة إذا أخذناها بمعايير التقدم، والقضاء على الفقر -وهي بالتأكيد أولوية أساسية لأي مجتمع رشيد- والعدالة. لكن عواقبها كانت وخيمة بمعايير الأداء والحوافز.

إن نقطة التحوّل، كما يراها، كانت في الحرب العالمية الثانية، فقد خرجت منها الولايات المتحدة، بفضل الجغرافيا، ليست فقط سالمة بل باقتصاد مزدهر وتكنولوجيا شديدة التقدم أيضًا.

وبالنسبة للأجيال السابقة، حيث كان الرهان هو تأمين الحاجات الأساسية، كان العمل هدفًا في ذاته. وبالنسبة لأجيال ما بعد الحرب، أصبح العمل، بفضل تكنولوجيا توفير العمالة، على نحو متزايد، وسيلة لاقتناء الأشياء: سيارات، مساكن، يخوت، ملابس، استجمام. ويبدو أن أعلى درجات الشبع تأتي من الاقتناء والتمتع بأوقات الفراغ والاستجمام. وتراجع الأفق الزمني من المستقبل إلى الحاضر، وتم التضحية بالتقشف، والتوفير والاستثمار بعيد المدى. وأصبحت بؤرة الحياة على نحو متزايد هي الدولار السريع (the Fast buck). وكان من المحتم أن يدفع الثمن كيفيًا. وتَرك هذا تأثيرًا كبيرًا في مستويات التوفير والاستثمار المنخفض على المستوى القومي، وأدى إلى فضائح التوفير والقروض.

جاءت سنوات ما بعد الحرب بمستوى رفاهية أدي، بحسب رأيه، إلى طلاق بين العمل وبين الكفاح من أجل البقاء، وتزامن هذا مع اختراع التلفزيون. وأصبح التلفزيون هو وسيط الاقتناء وصياغة طباع الشعب. وأدى التلفزيون، الذي كان جزئيًا انعكاسًا لتآكل القيم في فترة ما بعد الحرب، إلى تسريع هذا التآكل أيضًا. ويعتبر التلفزيون، بعد علاقة الآباء بالأطفال، هو أكثر وسائل صياغة القيم في أمريكا تأثيرًا -قبل المدرسة والكنيسة- بل وفي كثير من الحالات قبل العلاقة بين الآباء والأطفال.

ربما يكون التلفزيون وقتذاك قد لعب دور الأب الحقيقي للجيل كما لعب دورًا رئيسيًا في النفور من الادخار على المستوى الوطني. والتلفزيون أيضًا مسهم رئيسي في تدهور الإنجاز التعليمي.

وعلى صعيد انعدام الثقة، تقول وجهة نظره، تتبدى اليوم في كل مكان مستويات عالية من انعدام الثقة في الحكومة وفي رجال السياسة، وفي دوائر رجال الأعمال والمهنيين أيضًا. ففظاظة الحوار داخل الكونغرس، وبين الكونغرس والفرع التنفيذي، وبين وسائل الإعلام والسياسة، وداخل الدوائر الأكاديمية، وصلت إلى مستوى من الكثافة، بل والعداء ليس له مثيل.

إضافة لذلك، أن الوسط السياسي المتسامح، حيث يمكن أن يجري حوار بناء، قد تقلص إلى حد بعيد خلال هذه العقود، مع اتجاه المزيد من الناس نحو التيارات المتعصبة. وهي الظاهرة نفسها التي تتجلى في الجامعات الأمريكية اليوم. ومع تآكل الثقة يجيء انخفاض الاندماج في المجتمع، وهي حركة تؤدي لا محالة إلى الفردية غير المسؤولة التي اتسمت بها البلدان الليبرالية ومستعمراتها السابقة. وينعكس انعدام الثقة في انسحاب الجماعات العنصرية والعرقية إلى ذاتها في عملية مثيرة للقلق وصفت بأنها بلقنة لأمريكا، وهي عملية تذكر بمجتمعات - مسالمة وتقدمية حقيقية - تحكمها العصابات وقد تؤدي إلى تقويض البلد.

ما الذي يمكن القيام به لتشجيع الانبعاث الثقافي في الولايات المتحدة؟ ويظهر الجواب بوضوح حين يقول، يجب أن نعرف في المقام الأول أن البانوراما الحالية ليست ظلامًا دامسًا. فاندماج أعداد كبيرة من السود في التيار الثقافي الرئيسي يطلق العنان لقدرات الخلق والإبداع المقموعة لأقلية مهمة في المجتمع الأمريكي. وأدت ثورة الوظيفة الجنسية، بغض النظر عن تكاليفها، بالمثل إلى تحرير القدرات الخلاقة والإنتاجية الابتدائية والثانوية الكثير مقارنة بالمعايير الأوروبية واليابانية، لكن تظل الجامعات الأمريكية المتميزة هي الأفضل في العالم أجمع. وتتمتع الولايات المتحدة بأعلى نسبة في العالم لطلاب المراحل ما بعد الثانوية. وأن أحد أفضل مزايا الثقافة الأمريكية تتمثل في الانفتاح الذي يستدعي النقد، والاندماج وتعرف المشاكل وتشخيصها.

أما قوله بأن لا يجب أن يكون الهدف من إصلاح التلف الذي لحق بالثقافة الأمريكية -هدف الانبعاث الحقيقي- هو استعادة الهيمنة الأمريكية المطلقة في سنوات ما بعد الحرب. فهذا الهدف غير متصور وغير مرغوب فيه. بل ينبغي أن يكون هو ضمان التطور التقدمي لرفاهية الإنسان، وللإبداع، والعدالة والتفوق في المجتمع الأمريكي، كأهداف في ذاتها وكإسهام يقدم للتطور التقدمي للجنس البشري.

وفي المقابل، يقول: «لكننا إذا لم نفهم أسباب التدهور النسبي في العقود الأخيرة، ونتحرك على أساس هذا الفهم، فيستمر هذا التدهور. صحيح أننا أدركنا الأعراض منذ بضع سنوات، إلا أننا لم نتحرك. ويكمن الخوف في أننا متمسكون إلى أبعد الحدود بالقيم الأنانية واللحظية التي أفرزها عصر ما بعد الصناعة لدرجة أننا نتحرك دون وقوع حدث جسيم مثل ركود طويل».

وينقل لنا ما قاله، هنري روفوسكي، عميد كلية هارفارد، منذ عدة سنوات: «قد نستغرق الكثير من الوقت لكي نستوعب الانحدار. وعلى حين يتفق معظم المؤرخين على أن نقطة التحوّل لأفول بريطانيا قد حدثت قبل مائة عام مضت، فإن هذه الحقيقة لم تصبح فعلًا محل اهتمام عام حتى الحرب العالمية الأولى... وفي رأيي، أن الأسباب الرئيسية كانت داخلية وإنسانية، وبالتالي كان من الممكن تجنبها: فقد أصبحت أساليب الإدارة البريطانية مترهلة، ولم يتواصل نمو الصناعات والتكنولوجيا الجديدة بالقوة الكافية، وعانى التعليم الصناعي والعلوم من التخلف، كما كانت العلاقة بين الحكومة والنشاطات التجارية لا تقوم على الدعم المتبادل. وعندما ننظر إلى بلادنا اليوم من منظور التاريخ، تبدو مؤشرات الخطر واضحة».

ولا تتضح هنا مؤشرات الخطر فقط، فدروس نجاح اليابان وتايوان وكوريا واضحة أيضًا. لقد فقدت بريطانيا قيادتها؛ لأنها فقدت حسها نحو العمل والادخار والإبداع والمجازفة. وأصبح الشرق آسيويون موضع اهتمام العالم أجمع الآن؛ لأنهم ربطوا بدقة بين القيم السامية وبين الصفات السابقة.
فمن يزدهر؟ إنها المجتمعات المتمسكة بالمستقبل، والتعليم، والإنجاز، وبحياة أفضل للجميع، وبالمجتمع، وكذلك بالحرية والعدالة. وقد كانت الولايات المتحدة يومًا ما على رأس هذه المجتمعات. فهل هناك متسع من الوقت لاستعادة هذه القيادة؟ هذا ما يود معرفته الباحث هاريسون.



#فهد_المضحكي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سباق واشنطن وبكين على معادن أفريقيا
- شيخ النقّاد والتحرر من السياسة
- «الدولة المدنية» مصطلح سياسي مستحدث
- سياسات تهدّد التفوق العلمي
- وفاة الروائية السورية كوليت خوري.. أيقونة الأدب والحرية
- الصين ودبلوماسية التوازن
- أوروبا وسرقة أملاك وأصول الدول الأخرى
- الإصلاح الديني من منظور الباحث الأكاديمي هاشم صالح
- إثيوبيا الشريك الاستراتيجي الأهم لإسرائيل في أفريقيا
- منيرة ثابت.. أول صحافية نقابية في مصر
- من سيدافع عن أوروبا؟
- لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرّة مختلفة بالنسبة لإيران؟
- لبنان والتعددية
- غفور غلام.. الأديب الذي لعب دورًا كبيرًا في تطوير الأدب الأو ...
- باتريس لومومبا إضاءة في تاريخ أفريقيا
- المفكر برهان غليون: سورية محور الصراع على السيطرة الإقليمية
- وداعًا مراد وهبة فيلسوف التنوير والعقلانية
- حرب ترامب على أمريكا اللاتينية وفنزويلا نموذجًا
- عن البيروقراطيات العربية
- حديث عن المشروع القومي للترجمة


المزيد.....




- بنسق روائي يبدأ من الموت لينتهي بالولادة.. رامي طعامنة يفوز ...
- من سيتوج بالسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي لعام 2026؟ ...
- آلاف القطع المنهوبة تعود.. دمشق تعرض آثارها المستردة
- الشاب خالد.. حين يغيب الصوت ويحضر الصدى في ذاكرة -الرأي-
- الأمن الفكري يبدأ من المدرسة.. ورشة بمعرض الدوحة للكتاب ترسم ...
- مهرجان كان السينمائي- اليوم الأخير للمسابقة الرسمية قبل ليلة ...
- الولايات المتحدة: مهرجان موموكون في أتلانتا يجمع 65 ألف معجب ...
- بقرار قضائي.. السلطات المصرية تحجب حسابات فنانين وإعلاميين و ...
- رواية -الجوع والعطش-: حين يتحول الرعب الأدبي إلى مرآة لهشاشة ...
- فنان فرنسي يحوّل أقدم جسور باريس فوق نهر السين إلى عمل فني ض ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فهد المضحكي - باحث أمريكي: مع تآكل الثقة يجيء انخفاض درجة الاندماج في المجتمع