فهد المضحكي
الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 14:07
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
أصبحت مراكز الأبحاث والفكر العربية أمام متطلبات ومضمون جديد فرضته الثورة العلمية والتقنية، وطبيعة المتغيرات الدولية والإقليمية المتسارعة، والتي تفرض حالة اللايقين على مستوى الأفكار والقيم وهندسة النظام الدولي والإقليمي، وما تعكسه مسارات التحول المجتمعية.
ما سبق ذكره وجهة نظر الدكتور أيمن السيد عبدالوهاب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.
وكما يقول، يبقى التساؤل عن دور مراكز الفكر العربية، تفرضه جملة التحولات المتسارعة وتقاطعها الفكرية والقيمية وتأثيراتها على منظور الفكر الإستراتيجي وتحقيق الأمن القومي والمحافظة على الهوية والخصوصية، دون أن يعني ذلك الانعزال أو الانكماش أو محاولات التحصين السلبية أو الإغراق في مسارات المستقبل دون بوصلة وطنية. الأمر الذي يثير التساؤل عن مضمون الأجندة البحثية واتجاهات البوصلة الوطنية وعلاقتها بالقدرة على إنتاج الأفكار والاشتباك بدرجات أكبر مع المداخل الفلسفية والمعرفية التي تفرضها الثورة التكنولوجية الخامسة، وما تطرحه الدرجات المتزايدة من التماهي بين الإنسان والآلة وتداعياتها على الذات الإنسانية وتفاعلاتها الحياتية تجاه المجتمع والدولة، بل علاقاتها بفلسفة الحياة وكون الإنسان كيانًا اجتماعيًا، فمخاطر هذه التحولات الفكرية والثقافية التقليدية وقوة البنية الاجتماعية التقليدية التي تشهدها المجتمعات العربية (بدرجات متفاوتة) تضعها أمام جملة من التحديات المرتبطة ببناء الإنسان في البلدان العربية، وفرض نجاح مشروعات النهوض، وفي ظل تنامي حركة المجتمعات التي لم تعد النخب (السياسية والثقافية) هي من تقودها وتوجهها فقط.
فنحن، وفق تصوره، أمام مرحلة جديدة من الدورة الحضارية الغربية تتراجع فيها القيم الإنسانية، أو سنكون أمام دورة حضارية تشهد صعود المنظور الصيني/ الآسيوي إلى جانب المنظور الغربي، وهو ما يفرض واقعًا عولميًا جديدًا بتداعيات كبرى على مجتمعاتنا العربية التقليدية، ويلقي بظلالٍ كثيفة على مراكز الفكر العربية ودورها المستقبلي في ظل تنامي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، وفي ظل الحاجة لإعادة تغذية العقل العربي بروافد معرفية يتجاوز بها مرحلة الركود والاستقطاب التي شغلته وأخرجته عن مسار التقدم والهوية. فمخاطر اللحظة الراهنة أعمق من مجرد كونها تغيير نظام دولي عالمي، فهناك واقع فلسفي يأخذ دورته بعيدًا عن القيم الحضارية والثقافية التي ارتكزت عليها الحضارة الغربية أمام عجلة التغيير التي أخذت سبيلها للعلاقات الدولية والتحولات المجتمعية.
فحركة الأفكار التي تجاوزت الجغرافيا في زمن العولمة تفرض واقعًا جديدًا، أكثر شراسة وخطورة على بنية الإنسان ومرجعيته وسبل النهوض به، وهو ما يتطلب تحويل التحديات لفرص، لا سيما في منطقتنا العربية، والبحث عن البدائل الأكثر قدرة على الحد من المخاطر وتعظيم الفرص بما يتوافق مع حيوية المجتمعات وحركتها وحسابات المصالح الإستراتيجية والأمن القومي.
وفي ظل ما تطرحه هذه القضية من إشكاليات كبرى تتعلق بمسار التحولات الاجتماعية والثقافية في منطقتنا العربية، لا سيما تلك المتعلقة بالهوية والوعي والتطرف والإرهاب وغلبة الثقافة التقليدية والصراعات العرقية والطائفية والضغوط الاقتصادية والتنموية، فإن هناك مسئولية كبرى تقع على عاتق مراكز الفكر العربية من خلال دورها وأجندتها البحثية بإعطاء الاهتمام الكافي لدراسة العلاقات الارتباطية بين مخرجات الثورة التكنولوجية الرابعة (والخامسة المتوقعة) وتأثير ذلك في حركة المجتمعات، وخاصة مع تنامي الرؤية الجيلية الرقمية في ظل ما أصبح متوافرًا من قدرات كبيرة في جمع وتحليل المعلومات والقدرة على توظيف المعلومات وقراءتها.
ومن هنا يرى أنه من الضروري أن تكتسب مراكز الفكر مساحات أكبر في علاقاتها بالدولة ومؤسساتها، والاستناد على المزيد من الدراسات الميدانية واستطلاعات الرأي للوقوف على عمق وتجذر التحولات المجتمعية جنبًا إلى جنب مع رصد التحولات الجيواستراتيجية. ومن هنا يمكن التأكيد على عددٍ من النقاط المرتبطة بطبيعة ودور مراكز الفكر العربية من خلال تفاعلها مع عملية صنع القرار والسياسات، والتشارك المعرفي مع الهيئات البحثية والعلمية المحلية العربية، ورفع الوعي المجتمعي، وهنا أيضًا، يمكن التركيز على عددٍ من القضايا من بينها:
القضية الأولى: تستند إلى تأثير الثورة التكنولوجية الرابعة والخامسة المتوقعة، التي تذهب إلى أبعاد كثيرة تمس المرتكزات الخاصة بعلاقة الإنسان بذاته ورؤيته للمجتمع والدولة، وهو تغيير سوف يفرض نفسه على المجتمعات العربية التي يغلب عليها الثقافة التقليدية رغم مظاهر الحداثة والتحديث، لاسيما تجاه قضايا الهوية والوعي بالذات، والمنظور الجيلي لها، ومن ثم العلاقات والتفاعلات الاجتماعية التي من شأنها أن تعيد هندسة المجتمعات ودرجة تماسكها، وامتدادها إلى ماهية المؤسسات والبناء الهيكلي للمجتمع والدولة، الأمر الذي يتطلب رؤية مستقبلية تلعب فيها مراكز الأبحاث والفكر دورًا رئيسيًا في رصد التحولات ومساراتها للوقوف على عمق تداعياتها على الواقع العربي مع التحول إلى مجتمعات رقمية بثقافة تقليدية محافظة.
إن البنية المجتمعية في العالم العربي، وإن اتخذت في العقود الأخيرة شكلًا حداثيًا في مؤسساتها وهياكلها وأدواتها، إلا أن جوهرها ما زال - في كثير من الأحيان - مرتبطًا بالسياق الاجتماعي والثقافي التقليدي. فالتجديد في الشكل لم يصاحبه تحول في المضمون أو آليات إنتاج المعرفة. وهذا التوتر بين الحداثة الشكلية والمضمون التقليدي يفرض على مراكز الفكر أن تعي حدود أدواتها، وأن تنطلق من واقعها المجتمعي والثقافي لا من قوالب جاهزة مستوردة من بيئات أخرى. ويتأكد هذا عند ملاحظة «فجوة المحتوى»، فاللغة العربية لا تزال تمثل قرابة 0,5% فقط من لغات محتوى الويب رغم وزنها الديموغرافي والثقافي، بما يحدّ من جودة تغذية النماذج الذكية بالمعرفة العربية.
القضية الثانية: ترتبط بحدود إمكانية تطوير دور مراكز الفكر والأبحاث كقاعدة فكرية داعمة في صناعة القرار والسياسات، فما تزال أعداد هذه المراكز قليلة وتأثيراتها تتباين بين مراكز داخل الدولة الواحدة وبين الدول العربية، فضلًا عن تراجع دورها في تشكيل الفكر والعقل العربي وعلاقته بالمتغيرات الدولية والإقليمية كما كان متوفرًا خلال عقود سابقة (فترتي الثمانينات والتسعينيات من القرن الماضي). والجدير بالذكر أن التساؤل حول إشكاليات العقل العربي ومستقبل الدولة العربية شغل الجماعة العلمية والأكاديمية طويلًا، الأمر الذي يكتسب أهمية متزايدة في هذه المرحلة وتقتضي إعادة طرحه في صياغة المستقبل.
بل يمكن القول إنه يمثل أحد مفاتيح الانتقال إلى مرحلة جديدة في صناعة التفكير الإستراتيجي العربي. فالعالم مع انتهاء 2025 به نحو 5.56 مليار إنسان متصلين بالإنترنت بنسبة نفاذ تقارب 67.9%، ومع أكثر من 5.24 مليار هوية مستخدم نشِطة على منصات التواصل؛ ما يعني أن هناك تزايدًا لدور المنصات والخوارزميات في تشكيل الوعي والإدراك لاسيما لدى الأجيال القادمة.
من هنا، فإن دور مراكز الفكر العربية ينبغي أن يراعي هذا الواقع، وأن يسعى لتكييف أدوات البحث والتحليل مع البنية الثقافية والاجتماعية العربية،دون أن يفقد الحس بالمعايير العلمية العالمية. وتتطلب هذه الملاءمة فهمًا لتفاوتات الاستخدام في المنطقة.
كذلك ترتبط بالواقع والتفكير العربي بشكل عام والمجتمع العلمي العربي بشكل خاص، فهو يعاني من ركود وضعف التفاعل المشترك، سواء على مستوى المدارس الفكرية أو النماذج المعرفية، أو في ترتيب الأولويات، أو حتى في إدراك طبيعة التحديات المشتركة ومن ثم، فإن بناء الوعي والأدراك المشترك، وتحديد أولويات واضحة للبحث العلمي في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، يمكن أن يمثلا خطوة أساسية نحو بناء نواة نشطة للتفاعل الحيوي، وخاصة مع زيادة المحتوى العربي على شبكات التواصل والخوارزميات.
وفي تقديره، إن بناء الفكر الاستراتيجي وتعزيز العمل البحثي في ظل الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى وعي جديد بخصوصيته. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون باحثًا مساعدًا ممتازًا، قادرًا على جمع المعلومات وتقديم البرامج، لكنه ليس بديلًا عن الباحث المفكر الذي يتحقق ويدقق وينتج المعرفة أو المحتوى مع قدر من الإبداع الذاتي. كما أن حجم المحتوى التراثي التاريخي العربي الذي يمكن للذكاء الاصطناعي التعامل معه لايزال محدودًا مقارنة بغنى تراثنا وتاريخنا، مما يجعلنا في حاجة ماسة إلى تطوير قواعد بيانات معرفية عربية أصلية تُغذي هذه التقنيات وتضبط بوصلتها.
من هنا، فإن مراكز الأبحاث العربية مطالبة بأن تعيد تشكيل نفسها بصورة تختلف عن النماذج التقليدية بالقدر الذي يساعدها على أن تصبح أكثر قدرة على التعامل مع تدفقات المعلومات الضخمة دون الوقوع في أسرها، وأكثر حرصًا على تنمية الإبداع والتفكير النقدي.
#فهد_المضحكي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟