|
|
شيخ النقّاد شكري عياد (2)
فهد المضحكي
الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 15:25
المحور:
سيرة ذاتية
عاش الدكتور شكري عياد حرًا في تفكيره وبما آمن به، وظل حتى آخر لحظة في حياته يرفع لواء حرية الكلمة، وظل يطالب بأن تكفل حرية النشر للجميع، في ظل احترام الكلمة وقدسيتها، وكان يقول دائمًا في هذا الصدد، أنا أطالب بحق طبيعي، وهو حرية التعبير عن الرأي، لأنني أدّعى أن هذه الحرية غير مكتملة في أي بلد عربي، وغير مكتملة في مصر أيضًا على الرغم من المدى الواسع الذي نتمتع به بالقياس إلى غيرنا من البلاد العربية، لكن هذا المدى الواسع قليل جدًا بالقياس إلى تاريخنا الديمقراطي العريق. هذا ما كتبه مدير تحرير مجلة الهلال الأستاذ عاطف مصطفى.
وفي أثناء حديثه عن الأديب والناقد عياد (1921-1999)، أوضح: لم يكن عياد يقبل أبدًا أن ترغمه على عمل لا يقبله، وكل المقربين إليه يعرفون أنه يتعامل بصدق الكلمة، ولا يجب أن تلح عليه في مطلب معين، فإذا آمن بالفكرة يتهلل وجه بشرًا وفرحًا، وتدب نشوة طاغية تحسها من نبرة صوته على الفور.. كانت هذه سمات المفكر الأديب الكبير خلال رحلة الكتابة في «الهلال» فلم تغب مقالاته ولم تتوقف منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، كان مثالًا يحتذى في الالتزام والصدق مع النفس في كل حرف يكتبه. كان التزامه نابعًا من إيمانه بأهمية ما يكتبه، مطمئنًا على كل حرف يخطه قلمه، مؤمنًا بأنه «الهلال» تنشر كل ما يكتب وبكل الأمانه، والصدق. فلم يكن يشغله في الحياة في سنواته الأخيرة سوى قضايا الثقافة.
للناقد عياد رأي واضح في قضايا الثقافة وفي هذا الشأن، يقول: «لقد وجد من الزعماء العرب من يقول إننا يجب أن نحارب الثقافة الغربية، لأنها يجب ثقافة استعمارية، ووجد منهم من الغوا بالفعل تدريس اللغات الأجنبية في المدارس الثانوية فتضاعفت الكارثة، فالثقافة لا تنمو إلا بالاتصال، والاتصال لا يعني أبدًا التسليم أو أن نقع تحت تأثير الآخر؛ لأن مثل هذا التأثير نادرًا ما حدث في التاريخ. فقد تؤثر الأمة المغلوبة في الأمة الغالبة، كما حدث في الثقافة اليونانية والثقافة الرومانية.. فالرومان أصبحت بلاد اليونان جزءًا صغيرًا من امبراطوريتهم الضخمة، لكن الثقافة اللاتينية والأدب اللاتيني لم يكن إلا استمرارًا وتلمذة للثقافة اليونانية. فالخطأ، في هذا الوهم بأن الثقافة تتبع بالضرورة السياسة، وأننا إذا دخلنا في صراع ضد قوة سياسية ما، فيجب أن نحارب ثقافتها أيضًا، بل لعلنا لو تعمقنا قليلًا، لرأينا يجب أن يدرس علم الغالب، ليعرف كيف حدث أن تغلب هذا الآخر عليه، وبهذا تصبح في يده القوة لكي يستعيد سيطرته على مقدراته وعلى نمط حياته».
إن ارتباط الثقافة العربية، أو اتصال الثقافة بالعالم وتأثرها به، وتأثيرها فيه، يرجع، على حد قوله، إلى ما قبل الإسلام، وتحديدًا في القرن الثالث أو الرابع الميلادي، كانت في أجزاء من شبه الجزيرة العربية، ثقافات متصلة بثقافات ذلك العصر، من يونانية وفارسية، وبقايا الثقافة المصرية، وهذا عصر طويل جدًا، كانت فيه فترات الازدهار والانحدار. إن فترات الازدهار كانت دائمًا هي فترات انفتاح الثقافة العربية على الآخر، وانفتاحها على الثقافة الفارسية، وعلى اليونانية، أعطاها الدفعة الهائلة، التي في الفكر والأدب والفن والعلم في العصر العباسي. والتقلبات كلها ترجع إلى العصر الحديث، وفي هذا العصر، لا جدال في أننا تعلمنا الكثير من الغرب، ولم تنهض ثقافتنا إلا بفضل الاتصال بالغرب. فجميع مثقفينا المخلصين يعرفون هذه الحقيقة ويسلمون بها، وهي حقيقة لا بد من التسليم بها، فلا ندعي أننا أكثر تقدمًا من الغرب! مضيفًا إلى ذلك، وأحيانًا كنا ندعي أو نفهم فهمًا ساذجًا أن الغرب هو صاحب الثقافة المادية، ونحن أصحاب الثقافة الروحية. وبالطبع نحن نرى مستوى الأخلاق، ومستوى المعاملات الإنسانية، وبالتأكيد في بلادنا العربية أقل بكثير مما هو في الغرب، بالرغم من أن أغلبية الغربيين ليسوا جميعًا قد تخلوا عن المعتقد الديني، إنما أحلوا محله ما سموه الأخلاق المدنية.. ونحن شوهنا الدين، ولم نصنع أخلاقًا مدنية: فضعنا الاثنين!
كانت له نظريته النقدية التي كان يواصل من خلالها دوره الريادي. كان عياد يقول عن كتاباته النقدية: «أبذل جهدي بقدر ما أستطيع لأساهم في نهضة ثقافية عربية جديدة، وكلمة نهضة ربما كانت قاصرة.. ونحن في حاجة إلى طفرة، ما دمنا قد تخلفنا في هذه الفترة التي كان العالم فيها يجري وينطلق بأقصى سرعة، فلابد لنا طفرة حتى ندرك العالم الجديد الذي بنى ومازال يبني ونحن في غيبة عنه.. إن ما كتبته في محاولة تأصيل الدراسة النقدية هو كتابان: الكتاب الأول سميته «دائرة الإبداع» و الكتاب الثاني سميته «للغة والإبداع»، هو أشبه بتتمة أو توسعة لجزء من فصل ورد في الكتاب الثاني. وخلاصة هذا البحث النهائية، لا تختلف عن اتجاه النقد العالمي الآن، وهو أن التجربة الأدبية شركة بين المبدع والقارئ».
وحول هذه الشركة، أشار إلى أنه أحيانًا تجد بعض المذاهب التي تبالغ، فتؤكد دور القارئ، لكنه لا يعتقد أن النظر السليم يمكن أن يصل إلى معقولية هذا الذي يقال عن موت المؤلف، فهذا، كلام يرجع لنمط في الثقافة الغربية وهو التطرف الدائم، فكل في الغرب يذهب من النقيض إلى النقيض تمامًا. ويعتقد أن من سمات الثقافة العربية الاعتدال.
ترى الناقدة المتميزة د. أماني فؤاد، في مقالٍ نشرته جريدة «أخبار الأدب» قبل عدة سنوات، أنه استطاع الناقد والمنظر الكبير د. شكري عياد أن يحقق منجزًا نقديًا متميزًا، يوصف بعمق التأمل وتنوعه، وتضمنه للرؤى الشاملة، لمَّا تميز به من التحصيل العلمي المتنوع والغزير، الذي بدأه بدراسته للتراث العربي، وعلوم الفلسفة، وتاريخ المذاهب النقدية العالمية الغربية والعربية، ودراسته لتاريخ الأنواع الأدبية، وعلم النفس، وسعة إطلاقه على الأدب العالمية؛ لإجادته من اللغات الأوروبية، هذا إلى جانب إبداعاته الخاصة في القصة القصيرة، والسيرة الذاتية، وترجماته المتعددة، ومؤلفاته النقدية التي تجاوزت ثمانية عشر كتابًا، والتي عدها بعض النقاد أقرب إلى التنظير منها إلى التطبيق، وإن كانت شملت الجانبين.
كان للناقد الكبير عياد موقف من تيار الحداثة في مصر والوطن العربي، يقترب من الرفض لتيار الحداثة العربي، الحداثة التي يقابلها في المصطلح النقدي Modernism، والتي هي في جوهرها ظاهرة تعكس معارضة «جدلية» ثلاثية الأبعاد: معارضة للتراث، ومعارضة للثقافة «البرجوازية» بمبادئها العقلانية والنفعية، وتصورها لفكرة التقدم الزمني، ومعارضتها لذاتها تقليدًا وشكلًا من أشكال السلطة المهيمنة ظلت الحداثة العربية موضع تساؤل مستمر عنده، يتضمن استجابة لجوهرها، ورفضًا لعواقبها، منذ بداية كتاباته في مقال صغير بعنوان النقد والمذاهب الاجتماعية الذي كتبه سنة 1957 ضمن مؤلفه «تجارب في الأدب والنقد».
وفيه تحدث عن الواقعية الاشتراكية والحداثة وما بعد الحداثة، ويسجل للحداثة وما بعد الحداثة إنكارها لطرق التعبير، المألوفة وموقف المثقفين من المجتمعات الغربية، ثم تحدث عن محاولة نقاد بلدان الحياد - من بينها سويسرا والنمسا والسويد- خلق مذهب أدبي متحرر من رذائل المذهبين، إلى أن أفرد مؤلفًا كاملًا عام 1993 لمناقشة وتقييم تيار الحداثة في مصر ولبنان، بداياته وتجلياته وجدواه في كتابه «المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين».
ويصعد عياد في هذا المؤلف قضية تحليلية وتقييمه لتيار الحداثة، ليتساءل عن مصيرنا ومصير العالم، ويعد الأدب ومعه النقد مدخلًا لمناقشة أزمة الوجود، وجود العالم، ووجودنا في العالم، من منطلق أن الأدب والنقد ليسا ظلين للسياسة بل هما بعض الكيان الإنساني منذ فجر التاريخ إلى آفاق المستقبل، بلا حدود، وقيمة تحاورهما الدائم مع الزمن الحاضر.
ويرى عياد بعد استعراضه للتيارات الفنية، وللاجواء العامة في المجتمع الأدبي، تلك الحداثة العربية، أن الحداثي العربي يمارس التمرد الذي هو جوهر الحداثة لكنه لا يعي أسباب هذا التمرد، كما يرى أن دعوى «عربية الحداثة» دعوى زائفة؛ لأنها لا تزيد على أن تنقل إلينا مفاهيم الحداثة الغربية، بل مفاهيم حداثة معينة، حداثة الغريب واللافت والمثير.
كما يقرر أن الحداثة العربية ثورة النخبة التى تعتمد على بطولات فردية، يمكن أن تتجه إلى تدمير النظام القديم، ولذا يصبح من الطبيعي أن التعبير الفني عنها يأخذ شكل الرفض القاطع للتقاليد الفنية السابقة، بل رفض لفكرة التقاليد نفسها، وتأكيد للحركة المستمرة في الفن، ومن هنا تتشكل خطورتها لديه على التراث العربي، ومن ثم على الهوية الخاصة للعرب.
ويرى أيضًا أن الحداثيين العرب يجمعهم شعور حاد بسقوط الحلم العربي، والعجز المطلق عن الحركة الفاعلة، وأن هذه الحالة من الإحباط تدفعهم إلى البحث عن الخلاف في الفن حتى لو كان بدون «أيديولوجية».
وينطلق «شكري عياد» في موقفه من تيار الحداثة من موقع التزام الناقد مع طبيعة الرسالة التي حددها لذاته، ومع القاعدة العريضة من القراء، فالفعل النقدي يختلف عن القراءة العادية، وعن الإبداع إلى حد ما، في أنه فعل تواصل، فجوهر النقد جسر يمتد بين الإبداع والتلقي.
#فهد_المضحكي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عن الإمبراطورية الأمريكية
-
محمد التابعي.. أسطورة الصحافة المصرية
-
باحث أمريكي: مع تآكل الثقة يجيء انخفاض درجة الاندماج في المج
...
-
سباق واشنطن وبكين على معادن أفريقيا
-
شيخ النقّاد والتحرر من السياسة
-
«الدولة المدنية» مصطلح سياسي مستحدث
-
سياسات تهدّد التفوق العلمي
-
وفاة الروائية السورية كوليت خوري.. أيقونة الأدب والحرية
-
الصين ودبلوماسية التوازن
-
أوروبا وسرقة أملاك وأصول الدول الأخرى
-
الإصلاح الديني من منظور الباحث الأكاديمي هاشم صالح
-
إثيوبيا الشريك الاستراتيجي الأهم لإسرائيل في أفريقيا
-
منيرة ثابت.. أول صحافية نقابية في مصر
-
من سيدافع عن أوروبا؟
-
لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرّة مختلفة بالنسبة لإيران؟
-
لبنان والتعددية
-
غفور غلام.. الأديب الذي لعب دورًا كبيرًا في تطوير الأدب الأو
...
-
باتريس لومومبا إضاءة في تاريخ أفريقيا
-
المفكر برهان غليون: سورية محور الصراع على السيطرة الإقليمية
-
وداعًا مراد وهبة فيلسوف التنوير والعقلانية
المزيد.....
-
بينهم السيسي ومحمد بن زايد.. مسؤول: ترامب سيلتقي قادة من الش
...
-
ترامب يحدد موعد توقيع الاتفاق مع إيران وفتح مضيق هرمز
-
مسؤول إيراني: لا خطط سفر خلال اليومين المقبلين لتوقيع اتفاق
...
-
-عيد ميلاده-.. الحرس الثوري يعلق بعد إعلان ترامب موعد توقيع
...
-
ستارمر يطلع أمين عام الناتو على خطة بريطانيا الدفاعية
-
رصد مغادرة طائرات التزود بالوقود الأمريكية مطار بن غوريون ال
...
-
ترامب: توقيع اتفاق إنهاء الحرب غداً، وإيران -تستبعد ذلك-
-
بعد هجومه على نظامها.. السفارة الإيرانية ترد على وزير خارجية
...
-
- قلق غربي ومحاولات استرضاء-: هل يشكل مزاج ترامب ملامح قمة ا
...
-
القبض على شخصين يشتبه بتورطهما في سرقة معدات منتخب إنجلترا
المزيد.....
-
رسالة الى اخي المعدوم
/ صادق العلي
-
كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة
/ تاج السر عثمان
-
سيرة القيد والقلم
/ نبهان خريشة
-
سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن
/ خطاب عمران الضامن
-
على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم
/ سعيد العليمى
-
الجاسوسية بنكهة مغربية
/ جدو جبريل
-
رواية سيدي قنصل بابل
/ نبيل نوري لگزار موحان
-
الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة
/ أيمن زهري
المزيد.....
|