|
|
تحذيرات أممية من أزمة جوع عالمية
فهد المضحكي
الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 15:06
المحور:
المساعدة و المقترحات
يقول الإعلان العالمي الخاص باستئصال الجوع وسوء التغذية: «إن الأزمة الغذائية الخطيرة التي تبتلى الآن شعوب البلدان النامية، حيث يعيش معظم الجياع وسيئي التغذية من سكان العالم وحيث ينتج أكثر من ثلثي العالم نحو تلث أغذيته - وهذا الاختلال في التوازن ينذر بالتفاقم في السنوات العشر القادمة - لا يقتصر على كونها مشحونة بالآثار الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة فحسب، بل تشكل أيضًا تهديدًا خطيرًا لأهم المبادئ والقيم المرتبطة بالحق في الحياة والكرامة الإنسانية، والمكرسة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان».
قبل نحو عام، حذّر تقرير أصدرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (المنظمة)، بالتعاون مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الصحة العالمية، ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، من أن مستوى الجوع وانعدام الأمن الغذائي في الدول العربية قد بلغت أعلى معدلاتها منذ أكثر من عقدين.
وكشف التقرير الصادر بعنوان «نظرة إقليمية حول الأمن الغذائي والتغذية - الشرق الأدنى وشمال أفريقيا 2025» عن ضغوط هائلة تواجهها المنطقة، حيث تدفع الأزمات المتداخلة، من نزاعات مدمرة وضغوط اقتصادية وصدمات مناخية، ملايين الأشخاص نحو الجوع وسوء التغذية والفقر.
ووفقًا للتقرير الذي صدر في القاهرة عن مكتب المنظمة، عانى نحو 77.5 مليون شخص في الدول العربية، أي ما يعادل 15.8 في المائة من عدد السكان، من الجوع في عام 2024، في تدهور ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة، رغم التحسن الطفيف المسجل على المستوى العالمي. وتبدو الصورة أكثر قتامة عند النظر إلى ما هو أبعد من الجوع؛ إذ واجه نحو 198 مليون شخص، أي أربعة من كل عشرة أشخاص، انعدامًا متوسطًا أو حادًا في الأمن الغذائي خلال عام 2024.
ومن بين هؤلاء، عانى أكثر من 77 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ما يعني أنهم استنفدوا مصادر الغذاء، أو واجهوا الجوع بصورة منتظمة، أو اضطروا لقضاء أيام من دون طعام. وقد ارتفع هذا الرقم بأكثر من 60 في المائة منذ عام 2015، في مؤشر واضح على حجم وسرعة التدهور في المنطقة.
وخلال حفل إطلاق التقرير، قال عبدالحكيم الواعر، المدير العام المساعد لمنظمة الأغذية والزراعة وممثلها للشرق الأدنى وشمال أفريقيا: «هذه ليست مجرد أرقام، بل واقع مرير تعيشه ملايين الأسر التي لا يزال حقها في الغذاء والكرامة والفرص حلمًا. دعونا نستغل هذه اللحظة، وهذا الدليل، لتأكيد التزامنا المشترك بخطة 2030، والعمل معًا بعزيمة وإرادة متجددين لتحقيق هدف القضاء على الجوع في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا».
سلط التقرير الضوء على النزاع باعتباره أحد أهم المسببات للجوع وأشدها فتكًا في المنطقة. وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح في غزّة، حيث أعلن رسميًا عن حدوث المجاعة في أغسطس 2025، في واحدة من أخطر الكوارث الإنسانية التي شهدتها المنطقة في تاريخها الحديث. فقد أدت سنوات الحصار التي أعقبها تصعيد مكثف في الأعمال إلى انهيار النظم الغذائية، وتدمير البنية التحتية، وتقييد وصول المساعدات الإنسانية، مما ترك الأسر عاجزة عن تأمين أبسط احتياجاتها الغذائية.
وفي السودان، أدى العنف المستمر إلى نزوح ملايين السكان، وتعطيل الدورات الزراعية، وقطع الطرق التجارية، ورفع الأسعار إلى مستويات تفوق قدرة الأسر العادية. وفي اليمن وبسبب النزاع الذي بدأ منذ أكثر من عقد أدى إلى تقويض إنتاج الغذاء والأسواق وسبل العيش، ما دفع الأسر إلى الاعتماد المتزايد على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة.
في حين أشار التقرير إلى أن النزاع ليس العامل الوحيد وراء تفاقم الأزمة؛ فالتباطؤ الاقتصادي، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع قيمة العملات، وتزايد أعباء الديون وأوجه عدم المساواة جميعها تسهم بشكل كبير في ذلك. وتجد العديد من دول المنطقة صعوبة متزايدة في الحفاظ على الدعم، أو تمويل برامج الحماية الاجتماعية، أو تعزيز الإنتاج الغذائي المحلي.
وتتزامن هذه الضغوط الاقتصادية مع تسارع وتيرة تغير المناخ، حيث تتعرض المنطقة، التي تُعدّ أساسًا من أكثر مناطق العالم شُحًّا في المياه، لموجات جفاف متكررة، وارتفاع شديد في درجات الحرارة، وقلة هطول الأمطار، وتدهور الأراضي، وكلها عوامل أدت إلى انخفاض واضح في الإنتاجية الزراعية. وقد خلقت هذه العوامل مجتمعة ما يشبه «عاصفة مثالية» من مواطن الضعف، جعلت النظم الغذائية أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
وفي عام 2026 حذّر تقرير نشر على موقع الأمم المتحدة من تفاقم انعدام الأمن الغذائي الحاد لملايين الأشخاص في 13 دولة تصنف على أنها «بؤر ساخنة للجوع» خلال الفترة الممتدة من يونيو إلى نوفمبر 2026، ومن بينها عدد من الدول العربية.
ويصدر تقرير «بؤر الجوع الساخنة» مرتين سنويًا عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي، وقد حددت أحدث نسخة منه كلاً من السودان وجنوب السودان واليمن وفلسطين باعتبارها أكثر بؤر الجوع خطورة في العالم من حيث حدة الجوع ونطاقه.
وقال التقرير إنه تم رصد خطر بحدوث مجاعة في 14 منطقة في السودان، موزعة بين شمال دارفور وجنوب دارفور وجنوب كردفان، حتى سبتمبر 2026، ومن المتوقع أن يستمر هذا الوضع في 13 منطقة خلال موسم الحصاد وحتى يناير 2027.
أما في اليمن، فمن المتوقع أن يظل انعدام الأمن الغذائي الحاد بين الأشد حدة على مستوى العالم في عام 2026. إذ أشارت تقديرات سابقة إلى أن 18.3 مليون شخص - أي نصف السكان - سيواجهون مستويات من انعدام الأمن الغذائي الحاد تصل إلى مرحلة «الأزمة» أو ما هو أسوأ.
وفي حين أشار التقرير إلى تحسن الأوضاع في غزّة منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، إلا أنها لا تزال هشّة. فقد واجه القطاع بأكمله خطر المجاعة حتى منتصف أبريل 2026، حيث عانى 1.6 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد واحتاجوا إلى مساعدات عاجلة، بمن فيهم أكثر من نصف مليون شخص واجهوا مستويات جوع تصل إلى مرحلة «الطوارئ».
كما أضيفت نيجيريا إلى قائمة الدول الأكثر إثارة للقلق، وذلك في أعقاب توقعات تشير إلى أن السكان في ولاية بورنو قد يواجهون مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال الأشهر القادمة. كما صنفت الصومال ضمن هذه الفئة، حيث يواجه السكان في منطقة بأي خطر المجاعة.
وتشمل قائمة الدول أيضًا كلاً من سوريا وتشاد وبوركينا فاسو ومالي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وميانمار وهايتي. وبحسب التقرير، لايزال النزاع المسلح والعنف هما الدافعان الرئيسيان لانعدام الأمن الغذائي الحاد، حيث يؤثران على 12 من أصل 13 بؤرة ساخنة، وتتفاقم هذه الضغوط بسبب الصدمات الاقتصادية والمخاطر المتزايدة المرتبطة بظاهرة «النينيو» المتوقعة. يأتي هذا في وقت تشهد فيه الاستجابة الإنسانية نقصًا غير مسبوق في التمويل، إذ انخفضت الموارد المخصصة لها بنسبة تقديرية بلغت 59% بين عامي 2022 و2025.
وفي هذا الشأن، قالت بيث بيكدول، نائبة المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة ( الفاو ):«نحن نعلم مسبقًا أين ستحدث حالات الطوارئ الغذائية المقبلة. التحدي يكمن في مدى قدرتنا على التحرك مبكرًا وبالنطاق المطلوب». وشدّدت بيكدول على أن الاستثمار المبكر في المساعدات الزراعية الطارئة وتعزيز القدرة على الصمود يعد من أكثر الوسائل فعالية من حيث التكلفة لحماية سبل العيش، والحفاظ على الإنتاج الغذائي المحلي، والحد من الاحتياجات الإنسانية في المستقبل.
من جانبه، أكد كارل سكاو، المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي، أنه لا يمكن تجاهل التحذيرات الواردة في التقرير. وأضاف: أن النزاعات والصدمات والكوارث «تضطر الأسر إلى اتخاذ قرارات مستحيلة بشأن من يحصل على الطعام ومن يبيت جائعًا»، مشددًا على أنه من دون اتخاذ إجراءات فورية «من المتوقع أن يواجه ملايين آخرون مستويات متفاقمة من الجوع في الأشهر المقبلة، مما يدفع البعض منهم نحو حافة المجاعة».
وفي هذا الصدد، حذّرت «سيندي ماكين» المديرة التنفيذية السابقة لبرنامج الأغذية العالمي، من أزمة جوع عالمية متفاقمة في عام 2026، مؤكدة أن أكثر من 318 مليون شخص يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي. وتشير التوقعات الحالية إلى أن تمويل البرنامج سيبلغ أقل من نصف ميزانيته المطلوبة البالغة 13 مليار دولار للوصول إلى 110 ملايين شخص من الأكثر ضعفًا حول العالم، ونتيجة لذلك قد يُحرم ملايين الأشخاص من المساعدات الحيوية، مما يهدد الأرواح واستقرار المناطق.
يرى الخبير في الشؤون الإنسانية ووساطة النزاعات مارتن غريفيش، أن المجاعة في القرن الحادي والعشرين آفة يُمكن تفاديها. وبإمكان قادة الدول الصناعية السبع الكبرى أن يمارسوا نفوذهم للمساعدة على وقفها، بل يجب عليهم بذلك. إن انتظار الإعلان الرسمي عن وقوع المجاعة قبل اتخاذ أي إجراء سيكون بمثابة حكم الإعدام على مئات من الأشخاص وسيشكل انتهاكًا للمبادئ الأخلاقية، ويتعين على دول في المجموعة أن تسخّر نفوذها السياسي ومواردها المالية على الفور حتى تتمكن منظمات تقديم المساعدات من الوصول إلى جميع المحتاجين.
#فهد_المضحكي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ترجّل الشاعر... وبقيت المواويل
-
كتاب «التنمية حرية»
-
مراكز الأبحاث والفكر العربي
-
شيخ النقّاد شكري عياد (2)
-
عن الإمبراطورية الأمريكية
-
محمد التابعي.. أسطورة الصحافة المصرية
-
باحث أمريكي: مع تآكل الثقة يجيء انخفاض درجة الاندماج في المج
...
-
سباق واشنطن وبكين على معادن أفريقيا
-
شيخ النقّاد والتحرر من السياسة
-
«الدولة المدنية» مصطلح سياسي مستحدث
-
سياسات تهدّد التفوق العلمي
-
وفاة الروائية السورية كوليت خوري.. أيقونة الأدب والحرية
-
الصين ودبلوماسية التوازن
-
أوروبا وسرقة أملاك وأصول الدول الأخرى
-
الإصلاح الديني من منظور الباحث الأكاديمي هاشم صالح
-
إثيوبيا الشريك الاستراتيجي الأهم لإسرائيل في أفريقيا
-
منيرة ثابت.. أول صحافية نقابية في مصر
-
من سيدافع عن أوروبا؟
-
لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرّة مختلفة بالنسبة لإيران؟
-
لبنان والتعددية
المزيد.....
-
حرائق غابات هائلة في أنحاء فرنسا تُجبر السكان على إخلاء مناز
...
-
فيديو منسوب لـ-هجوم إيراني على منفذ العبدلي في الكويت-.. ما
...
-
تحذيرات سعودية من -خطر- على البحر الأحمر بسبب تصاعد التوتر م
...
-
غوتيريش يصل إلى دمشق في أول زيارة لأمين عام أممي لسوريا منذ
...
-
منظومة دفاع جوي تشغلها اليونان تعترض صاروخين فوق السعودية
-
الألواح الشمسية القديمة .. كنز من المواد الخام
-
الجيش الإسرائيلي يوسع توغله شرقي دير البلح والصحة في غزة تعل
...
-
مقتل 8 أشخاص بينهم طفلان وإصابة 14 آخرين جراء هجوم أوكراني ع
...
-
مصادر لـRT: حشود عسكرية متقابلة في شمال دارفور وسط تصعيد ميد
...
-
الشرع يستقبل غوتيريش في قصر الشعب بدمشق
المزيد.....
-
نداء الى الرفيق شادي الشماوي
/ الصوت الشيوعي
-
أسئلة وأجوبة متعلقة باليات العمل والنشر في الحوار المتمدن.
/ الحوار المتمدن
-
الإسلام والمحرفون الكلم
/ صلاح كمال
المزيد.....
|