|
|
حديث عن الشباب والثقافة (2)
فهد المضحكي
الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 16:12
المحور:
الادب والفن
في المقال السابق ذكرنا أن الاهتمام بثقافة وأدب الشباب يعني الاهتمام بالمستقبل، والعمل على بناء الفرد، من اكتساب مقومات شخصيته الإنسانية، واكتساب قيم واتجاهات وعادات وتقاليد ولغة وأساليب حياة مجتمعة، وتحقيق ذاته وهويته، وأمانيه وتطلعاته في الحياة، وإشباع حاجاته الاعتراف، واكتساب قدراته على التفكير والإبداع والتعلّم والتكيّف، وعلى تطوير حياته وتطوير الحياة من حوله، وذلك من خلال تفاعله الإيجابي معها، واستفادته مما يهيئ ويتوفر له من خدمات وجهود تربوية وتعليمية واجتماعية.
ولعله من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى مقالٍ قديمٍ للمفكر الكبير فؤاد زكريا (1927 - 2010)، نشرته مجلة «الفكر المعاصر»، بتبنى فيه وجهة نظر ملخصها: لقد دأب جيل الكبار على اتهام الشباب بالتقصير في التزود بالعلم والثقافة، وربما كان قدر كبير من هذا الاتهام راجعًا إلى رغبة الكبار في تمجيد جيلهم والإشادة بفضله، لا بدافع الاستعلاء فحسب، بل بدافع التشبث بالماضى الذي يعني بالنسبة إليهم أكثر مما يعني الحاضر، ورغبة في الدفاع عن النفس والتمسك بأهداب الزمن الذي انقضى رغمًا عنهم، ولايكف عن الإفلات من قبضة يدهم.
على أي حال، ما يود زكريا إيصاله هو أن الشباب في كل بلد هو على ما يريده الكبار أن يكون. إنهم أبناء جيل الكبار، والأباء - في معظم الأحيان - وكما أن من الأمور المثيرة للسخرية أن يغيب الأب عن طفله الصغير، الذي لم تتح له بعد فرصة الاندماج في أي عالم سوى عالم أسرته المباشرة، تفوهه بألفاظ غير لائقة، أو اكتساب عادات سلوكية قبيحة؛ لأن هذه العادات وتلك الألفاظ لم تستمد في واقع الأمر، إلا من الأباء أنفسهم، فكذلك يكون من قبيل الظلم والعجز عن فهم الأمور أن يعيب الجيل الأقدم على الجيل الأحدث قد اختارها لنفسه، بل لا بد أنه تلقاها على هذا النحو ممن في يدهم مقاليد أموره.
فقبل أن نصدر أي حكم على موقف الشباب من العلم ومن الثقافة الجادة، ينبغي علينا أن نسأل أنفسنا: هل وفرنا لأبنائنا الجو الذي يكفل إقبالهم على المعرفة وسعيهم إلى توسيع آفاق عقولهم؟ هل أنشأنا لهم المدارس الكافية؟ هل قدمنا إليهم برامج تعليمية تساعد على إثارة حب العلم في النفوس؟ هل عهدنا بهذه البرامج إلى معلمين كفوئين يفهمون التعليم على أنه زيادة قدرة العقول على فهم الأمور، لا حشوها بمعلومات فجة؟ هل زودنا مدارسهم بمكتبات كافية، ونمينا فيهم حب القراءة والاطلاع؟ هل استطعنا أن نفصل بين الرغبة في التعليم والرغبة في التخلص من ذلك الشبح المخيف، شبح الامتحان؟ هل تقوم وسائل الإعلام بدورها في نشر الثقافة وتشجيع الأجيال الجديدة على أخذ أمور حياتها مأخذ الجد؟ وربما كان الأهم ذلك كله: هل استطعنا - نحن الكبار - أن نخلّص أنفسنا من السطحية والجري وراء المصالح، وأن نضرب لأبنائنا مثلًا صالحًا في احترام العلم والثقافة؟
تلك هي الأسئلة التي لا بد أن تؤدي الإجابة عنها إلى تذكير كل من يوجه الاتهام بكلمة المسيح: من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر! فنحن في واقع الأمر ندين أنفسنا كلما اتهمنا الشباب بالتقصير في طلب العلم والثقافة. ولن يكون لمثل هذا الاتهام أساس إلا لو كان جيل الكبار قد أدى بالفعل واجبه كاملًا نحو الجيل الذي سيحمل الأمانة من بعده.
يتوقف زكريا عند بعض المقارنات، وذلك لاعتبارين: أولهما أن في استطاعة المرء أن يقوم بمهمة التشخيص، ويعدد العيوب وينبه إليها، دون أن تقترن بذلك التشخيص إدانة أو يترتب عليه لوم للشباب أنفسهم. فمع الاعتراف الكامل بمسؤولية المجتمع ككل، تحت قيادة جيل الكبار، عن جوانب النقص التي يعاني منها الشباب، ينبغي التنبيه بكل قوة إلى هذه الجوانب، وتبديد ذلك الوهم الكبير الذي يجعلنا ميالين دائمًا إلى تصوير أمورنا كما لو كانت على خير ما يرام.
أما السبب الثاني، والأهم، فهو أن، من وراء كل حتمية في المجال الإنساني، قدرًا معينًا من التلقائية والاستقلال عن التجديد الدقيق. وحين يطبق هذا الحكم على مجال الشباب، نجد أن لدى الشباب - من الوجهة النظرية - القدرة على التحرر من القيود التي فرضتها عليهم أخطاء الكبار، أو على تجاوز الوضع الذي وجدوا أنفسهم فيه، وذلك في حدود معينة على الأقل. هذا القدر من التلقائية هو الذي يتحقق به التقدم، وهو الذي يجعل كل جيل يضيف جديدًا للجيل الذي سبقه بالرغم من تحكم الجيل السابق في مصيره. وباسم هذه التلقائية ينبغي أن يتحمل الشباب نصيبهم من المسؤولية عن تكوين أنفسهم، مع اعترافنا الكامل بأن الكبار لم يتحملوا القدر الخاص بهم من هذه المسؤولية تحملًا كاملًا.
ولقد كان الشباب أنفسهم هم الذين طالبوا بهذه المسؤولية، واعترفوا بوجود هذا القدر من التلقائية في سلوكهم، حين أكدوا - في مجمعات كثيرة - أن الكبار لم يعودوا يصلحون لإدارة دفة هذا العالم الذي يسير إلى حافة الهاوية، وحين فرضوا - بتصرفاتهم العملية - مفهوم «الفجوة بين الأجيال» على باحثي العلوم الاجتماعية، وجعلوا منه إطارًا أساسيًا تفهم من خلاله العلاقة بين جيل الشباب وجيل الكبار في العالم المعاصر. هذه «الفجوة» أن دلت على شيء فإنما تدل على أن الجيل الجديد يشعر بقدر متزايد من الاستقلال عن الجيل القديم، ولا يقبل أن يعتبر نفسه مجرد «ضحية» لأخطاء الجيل السابق، أي أنه لا يقبل الاعتراف بالحتمية التي يتحكم بموجبها القديم في الجديد، ويؤكد أن لديه قدوة - تتزايد جيلًا بعد جيل - على أن يشكل حياته بنفسه، ويأخذ مقاليد أموره بين يديه، على الرغم من أن الكبار هم الذين يتخذون القرارات الحاسمة المتعلقة به، وهم الذين يملكون سلطة تنفيذها.
في ضوء هذه التلقائية وهذه المسؤولية التي هي مطلب أساسي للشباب أنفسهم، يحق لنا أن نحاسب شبابنا على ما يبذلون من جهود في الميدان الثقافي ونحن آمنون من أن يوجه إلينا ذلك الاعتراض الصارخ: «وما ذنبنا نحن إذا كنتم أنتم، أيها الكبار، المتحكمين في مصائرنا؟».
ولعل أوضح مظاهر ثقافة الشباب تلك الظاهرة التي يطلق عليها زكريا اسم «العطاء قبل الأخذ». إن هذه الصفة، بحسب رأيه، محمودة في مجال العلاقات الإنسانية، لا سيما أنها هي بعينها شيمة كل من يتصف بالكرم والسخاء. ولكن، مثل هذا الكرم ينقلب إلى شيء مذموم في الميدان الثقافي، إذ أنه يقدم الإنسان إلى الآخرين زادًا ثقافيًا في الوقت الذي يكون فيه هو ذاته مازال محتاجًا أشد الاحتياج إلى مثل هذا الزاد.
من هذا يمكننا أن نخلص إلى أن من له صلة بميدان النشر - أكان ذلك نشر الكتب أم المقالات - هو أقدر الناس على أن يلمس هذه الصفة في الأجيال الجديدة من المثقفين. ففي حالات عديدة - وليست كل الحالات بالطبع - يجد المرء لدى هذه الأجيال ميلًا طاغيًا إلى التعجل بتقديم إنتاج هو أبعد ما يكون عن النضج. ولا مفر عندئذ من أن تترتب على هذا التعجل الشديد آفات كل منها أخطر وأفدح من الأخرى.
فهناك فئة من المثقفين تكاد صلتها الوحيدة بالثقافة العالمية تقتصر على قراءة تلك الترجمات الشوهاء المبتورة المختلة التي يغرق بها الأسواق ناشرون لا يعبأون في عملهم بشيء سوى الربح، والربح وحده، في عواصم عربية معروفة. وكثير من أفراد هذه الفئة يتسابقون إلى النشر وهم لا يملكون من حطام الدنيا إلا فتاتًا من المعلومات صيغت بأسلوب عجيب كاد أن يصبح في أيامنا هذه لغة قائمة بذاتها، لها مصطلحاتها وتركيباتها وتعبيراتها المحفوظة المتداولة.
وهكذا لم يعد من المستغرب أن تجد كاتبًا يتحدث عن شكسبير وهو لم يقرأ له عملًا واحدًا قراءة كاملة في لغته الأصلية، أو تجد مجموعة من المثقفين يعالجون كل مشكلات العالم من وجهة نظر ماركسية وهم لم يقرأوا في حياتهم نصًا واحدًا لماركس بلغة أجنبية تُرجمت إليها أعماله ترجمة علمية أمينة. أما هيجل وسارتر فالكل يتكلم عنهما، بل ويكتب عنهما، ولكن من قرأ لهما تصوصًا أصلية يعدون على الأصابع.
وهكذا أصبح من الشائع في الجو الثقافي أن يتكلم الناس بجرأة شديدة عن أهم الشخصيات وأخطر المشكلات دون أن يكون لديهم أي المام بها إلا عن طريق مصادر الدرجة الثالثة التي أصبحت - بفضل الأسلوب المشوه والفهم المبتور - ثالثة منخفضة. والأخطر من ذلك أن واحدًا لم يعد يرى في ذلك أمرًا مستغربًا، بل أصبح شيئًا مقبولًا يكاد يرقى إلى مرتبة المسلمات.
ومن الطبيعي أن تؤدي سطحية الثقافة من ناحية، والرغبة الملحة في النشر من ناحية أخرى، إلى انتشار صفات مذمومة كان من المفترض أن يترفع عنها الشباب وهم في مرحلة المثاليات والمبادئ الرفيعه. فأمثلة الاقتباس المفرط غير المشروع من أعمال الغير، مألوفة وشائعة. وأمثلة التحزب والتكتل وتبادل المصالح أصبحت لا تقل انتشارًا في عالم الشباب عنها في عالم الكبار.
ووجه الخطورة في هذا أن الكثير منهم حياته بداية تتسم بقدر غير قليل من التماسك بالمبادي، ثم انزلقوا تدريجيًا، وبفعل ظروف معقدة، حتى وصلوا إلى ما هم عليه. أما إذا كانت نقطة البداية عند الشباب الناشئ هي ذاتها نقطة النهاية عند الشيخ اليائس المستسلم، فعندئذ يحق للمرء أن ينظر إلى المستقبل نظرة قاتمة.
الخلاصة، إن أي مجتمع لا يستطيع أن يأمل في مستقبل مزدهر إلا إذا كانت أجياله الشابة تؤدي رسالتها كاملة في التزوّد بالثقافة، قبل أن تفكر في تزويد الآخرين بها.
#فهد_المضحكي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حديث عن الشباب والثقافة
-
كتاب «معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا»
-
الاتحاد الأوروبي بين التعديلات الداخلية والضغوط الخارجية
-
تحذيرات أممية من أزمة جوع عالمية
-
ترجّل الشاعر... وبقيت المواويل
-
كتاب «التنمية حرية»
-
مراكز الأبحاث والفكر العربي
-
شيخ النقّاد شكري عياد (2)
-
عن الإمبراطورية الأمريكية
-
محمد التابعي.. أسطورة الصحافة المصرية
-
باحث أمريكي: مع تآكل الثقة يجيء انخفاض درجة الاندماج في المج
...
-
سباق واشنطن وبكين على معادن أفريقيا
-
شيخ النقّاد والتحرر من السياسة
-
«الدولة المدنية» مصطلح سياسي مستحدث
-
سياسات تهدّد التفوق العلمي
-
وفاة الروائية السورية كوليت خوري.. أيقونة الأدب والحرية
-
الصين ودبلوماسية التوازن
-
أوروبا وسرقة أملاك وأصول الدول الأخرى
-
الإصلاح الديني من منظور الباحث الأكاديمي هاشم صالح
-
إثيوبيا الشريك الاستراتيجي الأهم لإسرائيل في أفريقيا
المزيد.....
-
بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل
...
-
بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح
...
-
RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
-
ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف
...
-
سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا
...
-
من قلعة بني حماد إلى بجاية.. كيف غيّر البحر مصير الدولة الحم
...
-
-على طريقة الأفلام-.. كاميرات توثق اغتيال زعيم مافيا القوقاز
...
-
-الحياة بعد الموت- يحصد الجائزة الكبرى في مهرجان -كوروتشي- ا
...
-
بدل الأجراس.. يوم المعرفة في روسيا يبدأ بأغان شهيرة من الحقب
...
-
مرشحة للرئاسة الأمريكية تدعو إلى تعزيز التبادل الثقافي مع رو
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|