أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فهد المضحكي - كتاب «معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا»















المزيد.....

كتاب «معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا»


فهد المضحكي

الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 16:15
المحور: الادب والفن
    


يخطئ من يظن بأن عصر التنوير كان يعني الكفر أو الإلحاد أو الخروج كليًا من الدين. على العكس. لقد كان يعني أساسًا تصوّر جديد للدين، وهذا التصور يختلف جذريًا عن التصور الأصولي الذي ساد العصور الوسطى كلها. فحتى نهاية القرن السابع عشر كانت البشرية الأوروبية تعيش في ظل النظام الأصولي القديم. وأي واحد يخرج على الخط العام للأرثوذكسية الدينية كان يعرض نفسه للعقاب الصارم.

هذا ما ذكره الكاتب والباحث والمفكر التنويري السوري صالح هاشم في كتابه «معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا».

ولكن، وكما يقول، بمجيء القرن الثامن عشر، أو حتى قبله بقليل، راحت بوادر التغيير تلوح في الأفق. وأصبحت المخاطر التي تحدث عنها جاك بوسّويه (1627-1704)، وهو رجل دين وخطيب فرنسي، والتي تهدد التديّن القديم تتوضح أكثر فأكثر. ولم تعد سلطات الكنيسة بقادرة على السيطرة على الوضع على الرغم من دعم السلطة السياسية لها، وراح الأصوليون يشعرون بالذعر أمام رياح التغيير الجديدة والمتمثلة بالفلسفة الديكارتية.

باختصار راحت الأرثوذكسية المسيحية تتراجع شيئًا فشيئًا لمصلحة الأفكار الجديدة. والواقع أن المسيحية، أو المشكلة الدينية، كانت تشترط مجرى الفلسفة في القرن الثامن عشر بمجمله. وكانت العلاقة مع الله هي الرهان الأساسي للفكر، ولم يكن هناك مفكر واحد ذو أهمية معينّة إلا ويتحدث عنها ويحاول معالجتها. كانت مشكلة المشاكل بامتياز.

ونقد هذه الصيغة أو تلك من صيغ المسيحية من قبل الفلاسفة لم يكن يعني أنهم كفار أو معادون للدين، و إنما لصيغة معيّنة من صِيغة، صيغة متكلّسة ومتحجرة. فالفلاسفة راحوا يدينون تحوّل المسيحية إلى وثنية وإلى أداة يستخدمها رجال الدين من أجل استغلال الناس وبثّ الشعوذات والخرافات في أوساطهم. ولذلك اتهموا بالإلحاد من أجل تسفيه مواقفهم وآرائهم. نضرب عليهم مثلًا تولاند وانطوني كولينز اللذين كانا من أنصار المسيحية العقلانية. ولذلك أدانهما خصومهما من الأصوليين بأنهما ملحدان!

فالمعركة كانت حامية الوطيس بين الطرفين، أي الطرف الأصولي، والطرف العقلاني. وكل الأسلحة كانت مباحة بما فيها أسلحة الإشاعة وتشويه مواقف الخصم، وحتى تهديده بالقتل.

كان المفكر الإنكليزي أنطوني كولينز (1676-1729) قد أصبح مشهورًا عندما نشر كتابه «خطاب حول الفكر الحر». أعلن فيه تحرره من كل العقائد المسيحية والسلطات الكنسية التي تفرض آراءها على الناس من فوق عن طريق الهيبة والتخويف والقوة. وقال إنه: «لا يقبل من الدين إلا ما يقره العقل والتجربة المحسوسة».

والواقع أنه، وبحسب رأي الكاتب، لا يمكن فهم التنوير إلا إذا فهمنا النمطية التالية: ما الذي يميّز إنسان العصور الوسطى عن إنسان عصر التنوير؟ كان الأول يحتقر الحياة الدنيا والملذات الأرضية ولا يهتم إلا بالآخرة باعتبار أن هذه الدنيا هي دار عبور ولا قيمة لها. لم يكن يثق بالإنسان ولا بإمكانياته لأن الإنسان مذنب وناقص بطبيعته. أما فلسفة التنوير فعلى العكس. لقد راحت تعطي ثقتها للإنسان و إمكانياته ومقدراته على تغيير الواقع وتحسينه نحو الأفضل ثم راحت تهتم أكثر بالحقائق الأرضية والمتع الدنيوية وأحقية الإنسان في السعادة على هذه الأرض.

هذه الخلفية الفكرية التي تربض وراء الرؤيا القروسطية للعالم والرؤيا الحديثة للعالم نفسه. ولا يمكن فهم هذه الخلفية الفكرية إلا إذا ربطناها بالشروط المادية والاقتصادية والاجتماعية للوجود. ففي عصر التنوير كانت الشعوب الأوروبية أصبحت أكثر ثقة بنفسها وإيمانًا بقدرتها بعد كل ما حققته من إنجازات علمية وكشوفات جغرافية من عصر النهضة. وكان مستوى المعيشة قد ارتفع، وأصبح الإنسان قادرًا على الثقة بالمستقبل. ولذلك لم يعد الإيمان القديم العابس قادرًا على الاستمرار. ولزم محله إيمان جديد أكثر ابتسامًا وتفاؤلًا واحترامًا للإنسان.

وأما الفيلسوف العقلاني الأيرلندي جون تولاند (1670-1722) فكان سكرانًا بالعقل كما يقول المفكر والمؤرخ الفرنسي بول هازار. وقد نشر عام 1696 كتابًا مدويًا بعنوان «مسيحية بلا أسرار» أو المسيحية ليست مليئة بالأسرار الخفية. ومعلوم أن العقيدة المسيحية تقول بوجود أسرار دينية تعرف عن طريق الوحي فقط، ولا يصل إليها العقل. وبالتالي فينبغي التصديق بها دون تفكير أو مناقشة.

وضد هذا التصور نهض هذا الفيلسوف، فهو يقول بما معناه: إما أن تكون المسيحية مطابقة للعقل وعندئذٍ ينبغي أن تنقرض لأنه لا يمكن أن يوجد شيء فوق العقل. وقد أثار كتابة هذا فضيحة كبرى اضطر على أثرها مغادرة بلاده خوفًا من الاغتيال. فالأصولية تريد أن تحشرك في الزاوية: إما أن تأخذ الدين بحذافيره بما فيه من القوالب والقشور وإلا فأنت غير مؤمن. وهنا يكمن الفرق بين إيمان القرون الوسطى وإيمان عصر التنوير.

وبحسب ما أوضحه الكاتب، فإن حزب الفلاسفة المتألّهين قد نشأ في إنجلترا لأن التنوير إنكليزي أولًا وذلك قبل أن ينتقل إلى فرنسا عن طريق فولتير وديدرو وسواهما. فإنكلترا هي السبّاقة إلى الحداثة بالإضافة إلى هولندا بالطبع. وليس غريبًا أن تكون الرأسمالية التجارية ثم الصناعية قد طورت في هذين البلدين قبل غيرهما.

ولا نستطيع أن نهمل العلاقة بين تطور الفكر وتطور الواقع المادي والأطر المعيشية. فمن الواضح أن الأطر الاجتماعية الغنية والواثقة بنفسها أكثر تحبيذًا للفكر الفلسفي من الأطر الفقيرة والهشة. ولكن العلاقة أكثر تعقيدًا من ذلك بالطبع. فقد يتحول الفكر نفسه إلى قوة مادية: أي قوة استنهاض تدفع إلى تغيير الواقع المادي وتساهم في تحسينه، وبالتالي فالعلاقة تفاعلية أكثر مما هي أحادية الجانب.

وهذا يقودنا إلى سؤال مثير للاهتمام يطرحه المؤلف: ألا تعود نهضة أوروبا وتفوقها على جميع شعوب الأرض إلى تحرير ذاتها من جميع التراكمات التراثية التي أثقلت كاهلها؟ وهل يستطيع أن ينطلق من هو مكبّل بالأثقال والأغلال؟ هنا يكمن دور الفكر وعظمة الفكر وأسبقية الفكر في ما يخصّ النهضات والانطلاقات.

لقد تجرأ فلاسفة أوروبا على مواجهة تراثهم الديني وجهًا لوجه، فنقدوه وغربلوه، ونخّلوه. ويعتقد المؤلف بأنه هنا بالذات تكمن عظمة الحداثة وسرّ التفوق الأوروبي على جميع المناطق الأخرى في العالم. فمن ينتصر على ذاته يستطيع أن ينتصر على العالم.. هكذا تجرأوا فلاسفة أوروبا على نقض العقائد المسيحية الأساسية باسم العقل والمنطق. ومثل هذا النقض كانت تُقطع عليه الرؤوس في القرون الوسطى.

حقًا اختلفت الأمور كثيرًا في عصر التنوير وتخفّف الإيمان من الكثير من الأثقال والأحمال... لقد أصبح الدين مرادفًا للأخلاق والسلوك المستقيم في المجتمع. وأما ما عدا ذلك فأساطير، بما فيها أسطورة الخطيئة الأصلية التي تعتبر إحدى العقائد الأساسية في الدين المسيحي. وأما الطقوس والشعائر وأداؤها أو عدم أدائها في الكنيسة فلم تعد ملزمة.

يكفي أن تحمل الإيمان في داخلك وأن تكون مستقيمًا في سلوكك ومحبًا للآخرين ومفيدًا للمجتمع لكي تصبح مواطنًا صالحًا ومؤمنًا حقيقيًا. وما يميز عصر التنوير أيضًا هو ذلك الإيمان الهائل بالطيبة الداخلية للإنسان. فالفلاسفة كانوا يعتقدون بأن الشر ليس شيئًا أزليًا ملازمًا لطبيعة الإنسان، وإنما هو نتيجة للجهل. وبالتالي فإن تثقيف الناس وإنشاء عدد كافٍ من المدارس سوف يؤدي إلى إغلاق السجون. فكلما تراجع الجهل والفقر تراجعت الجريمة والهمجية.

هكذا راح فلاسفة التنوير يصوّرون مستقبلًا زاهرًا باسمًا يسيطر فيه الإنسان على الطبيعة ويحقق فيه الجنة على الأرض. وعن طريق أسطورة التقدم هذه استطاعوا أن يربحوا المعركة ضد الأصولية وأن يسحبوا البساط من تحت أقدامها وأن يأخذوا منها الجماهير. وما كانت العملية سهلة ولا مضمونة سلفًا. ذلك أن التقدم لم يكن أسطورة فقط، وإنما كان حقيقة واقعة. ويكفي أن نلقي نظرة على المجتمعات الأوروبية الحديثة، وأن نقارنها بالمجتمعات التقليدية لكي ندرك الفرق. هنا تتجلى ثمار التنوير يانعة.

يقول المفكر الفرنسي المعاصر جورج غوسدورف في تحليل عميق: «لقد وصل الأمر بالمفكر الكبير ليسنغ، أحد زعماء التنوير في ألمانيا، إلى حد التشكيك في القيمة المطلقة للمسيحية. ففي رأيه أن المسيحية هي أحد أديان العالم وليست كل الأديان. بمعنى أنها تمثل أحد التجسيدات التاريخية للدين الكوني مثلها مثل الإسلام، أو اليهودية، أو البوذية»

كان هذا الكلام يُعتبر كفرًا في نظر الأصوليين المسيحيين الذين يقولون بأن المسيحية هي وحدها الدين الصحيح، وما عداها فخاطئ وزائف. لقد أدخل عصر التنوير فكرة النسبية إلى ساحة الدين بعد أن سافر الأوروبيون إلى الخارج وشاهدوا شعوبًا أخرى وأديانًا مختلفة.

هكذا نجد أنه بعد خمسين سنة من موت بوسّويه، زعيم الأصولية الإطلاقية أصبحت فكرة الدين ذاتها نسبية! ولم يعد أي دين بقادر على أن يفرض نفسه على جميع الناس بالقوة أو بواسطة الهيبة الفوقية لرجال الدين.

من هنا نتجت الفكرة التالية: لا ينبغي للدولة بعد الآن أن تتبنّى دينًا معينًا وتميّزه عن بقية الأديان. ولا ينبغي أن تفرض على مواطنيها مذهبًا معينًا عن طريق القوة. وإنما ينبغي أن تترك لهم حرية الاختيار، وأن تعامل جميع الأديان والمذاهب على قدم المساواة.



#فهد_المضحكي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاتحاد الأوروبي بين التعديلات الداخلية والضغوط الخارجية
- تحذيرات أممية من أزمة جوع عالمية
- ترجّل الشاعر... وبقيت المواويل
- كتاب «التنمية حرية»
- مراكز الأبحاث والفكر العربي
- شيخ النقّاد شكري عياد (2)
- عن الإمبراطورية الأمريكية
- محمد التابعي.. أسطورة الصحافة المصرية
- باحث أمريكي: مع تآكل الثقة يجيء انخفاض درجة الاندماج في المج ...
- سباق واشنطن وبكين على معادن أفريقيا
- شيخ النقّاد والتحرر من السياسة
- «الدولة المدنية» مصطلح سياسي مستحدث
- سياسات تهدّد التفوق العلمي
- وفاة الروائية السورية كوليت خوري.. أيقونة الأدب والحرية
- الصين ودبلوماسية التوازن
- أوروبا وسرقة أملاك وأصول الدول الأخرى
- الإصلاح الديني من منظور الباحث الأكاديمي هاشم صالح
- إثيوبيا الشريك الاستراتيجي الأهم لإسرائيل في أفريقيا
- منيرة ثابت.. أول صحافية نقابية في مصر
- من سيدافع عن أوروبا؟


المزيد.....




- أزياء الفيلم تُعرض للبيع.. مزاد يحقق حلم جمهورThe Devil Wear ...
- حين يتحوّل اللقاء إلى -زحف بشري-.. دمشق تستقبل -المايسترو-
- فقيه في زمن الجباية.. حين تحدى التاج السبكي سلطة المماليك ود ...
- -الاقتلاع-.. إيال وايزمان يفكك معمار الإبادة الإسرائيلية بفل ...
- مهرجان -أورالتيرا جاز- يجمع موسيقيي الجاز من موسكو ويكاترينب ...
- قطط الإرميتاج تواصل تقليدا عمره ثلاثة قرون في حراسة الفن وال ...
- مهرجان مالمو ينطلق اليوم بموسيقى وفعاليات وأطعمة من مختلف أن ...
- سوريا...عبارة -المعازف حرام- تنشر على جدار معهد موسيقي في دم ...
- وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بعمل وزير الثقافة ...
- اللغة التي تسكننا.. حين يكتب اللسان سيرة العقل


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فهد المضحكي - كتاب «معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا»