|
|
والت ويتمان.. أهم شعراء الأدب الأمريكي في العصر الحديث
فهد المضحكي
الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 16:05
المحور:
سيرة ذاتية
يعتبر الشاعر والت ويتمان (1819 - 1892) أهم شعراء أمريكا في العصر الحديث، حيث أطلق عليه لقب أبي الشعر الحرّ.
وُلد في لونج أيلاند، وانتقل مع أسرته إلى بروكلين أحدى بلدات التابعة لمدينة نيويورك، حيث تلقى تعليمه في المدارس العامة، ولكنه لم يُكمل دراسته وعمل في سن مبكرة مساعدًا في مكتب محاماة، ثم قرَّر العمل في مجال الطباعة في صحيفة «لونج أيلاند» الأسبوعية، وتعلم فيها أسس الكتابة الأدبية ليعمل لاحقًا محررًا في العديد من الصحف المهمة مثل «بروكلين ديلي إيجل».
في مقالٍ نُشر في أحد أعداد مجلة «الثقافة العالمية» التي تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت، ترجمة كامل يوسف حسين، سلط الكاتب والباحث الأمريكي جويل سويردلو الضوء على رحلة الشاعر الكبير ويتمان وتأثير تجاربه الشخصية، خاصة خلال الحرب الأهلية، في تشكيل الشعر الأمريكي الحديث. وركز كاتب المقال جويل على جرأة ويتمان في كسر التقاليد الأدبية من خلال ديوانه «أوراق العشب» وذلك ضمن سياق صحفي مميز.
ويعتقد أن ويتمان أنجز للشعر ما أنجزه ميجل دي سرفانتس للرواية، وبرتولد برخت للمسرح، وبابلو بيكاسو لفن التصوير، ألا وهو: إعادة تحديد القواعد. ومن حيث الأسلوب والموضوع، يعد معظم شعراء القرن العشرين في الولايات المتحدة، والكثيرون على امتداد العالم، أحفادًا له. وفضلًا عن ذلك، فإن قصائد من ديوان «أوراق العشب» مقررة في مدارس أمريكا، وتُرجمت إلى عشرات اللغات.
عمل ويتمان بالقرب من فاولر وويلز مراسلًا ومحررًا صحافيًا، وذلك بعد أعمال أخرى مثل التدريس والتدريب على الطباعة والنشر، لم يقدر لها أن تجتذب اهتمامه. وكان عمله الصحافي، المتمثل في تغطية أخبار الحرائق والجرائم والحياة السياسية والعبودية - التي وصفها بأنها «جرعة مخيفة» - عملًا راسخًا ولكنه عرضة للنسيان، كما كتب كذلك قصصًا قصيرة غير متميزة، ورواية بعنوان «فرانكلين إيفانز». كانت قصائده الأولى - التي نُشرت في العديد من صحف نيويورك، وورد فيها قوله: «ولكن أين، أيتها الطبيعة، سوف تقع في الروح»؟ - موحية بالغرور مع الضحالة.
وقد طردت صحف عديدة ويتمان من العمل؛ بسبب عاداته المزرية في غمار العمل، فهو كما قال أحد زملائه: «كسول للغاية، بحيث يقتضي الأمر جهد رجلين لفتح فكيه عندما يتكلم»، وكذلك بسبب تحديه مصالح قوية تتعلق بقضايا من قبيل أوضاع العمل والفساد الحكومي. وقد عمل بين عامي 1842 و1852 لحساب عشر صحف على الأقل في منطقة نيويورك.
وبالعودة إلى ديوان «أوراق العشب» الذي صدر في عام 1955، يشير جويل إلى أن الديوان الواقع في ثلاث وثمانين صفحة ضم اثنتي عشرة قصيدة. ولم يدرج ويتمان اسم الشاعر، لكنه نشر صورة صغيرة له وقد بدا مرحًا. وأكد غياب اسم الشاعر إيمان ويتمان بأن الصوت في «الأوراق» هو صوت الجميع.
وقبل ويتمان، اتبعت القصائد الرصينة قواعد صارمة فيما يتعلق بالقافية والبحر، ودارت بصورة عامة حول العظمة والموضوعات الرومانسية. أما ديوان «الأوراق» فليست به قصيدة واحدة تلتزم بالقافية، ومعظمها يركز على اهتمامات دنيوية، مثل كسب العيش، حيث تتحدث «أنشودة للأعمال» عن: «الحدادة ونفخ الزجاج، وصنع المسامير، وتعدين النحاس، والتغطية بالقصدير، وصنع الأسقف بالألواح الخشبية».
ويكمن في تضاعيف الديوان القول إن الديمقراطية الأمريكية قوة جديدة ولا سبيل إلى مقاومتها: «انزعوا الأقفال عن الأبواب / انزعوا الأبواب ذاتها عن عضاداتها! /.. إنني أنطق كلمة المرور: بدائي... وأعطي إشارة الديمقراطية».
وقد عادل طموح ويتمان جرأته، حيث أراد لمواطني ديمقراطيته، أولئك الذين يسمون بالناس العاديين، أن يدمجوا «الأوراق» في إيقاعاتهم اليومية.
وسرعان ما حلت خيبة الأمل. فقد وجدت أم ويتمان، التي كان يقيم معها، أن الديوان «مشوش». ولم يقبل إلا عدد محدود من المكتبات توزيعه، بسبب مضمونه... فقد ذكر ويتمان فيه أن الفقراء لهم نفس قيمة الأغنياء، وأن النساء أنداد للرجال، بل والأسوأ من ذلك أنه في عصر كانت قوائم البيانو تغطى مراعاة للاحتشام، تغنى الشاعر بالجسد البشري. وقال أحد النقاد: إن ويتمان: «جلب الدلو القذر إلى قاعة الاستقبال».
ولما كانت مؤسسة فاولر وويلز قد سُرَّت سرورًا بالغًا بإشادة ويتمان بفراسة الدماغ، فقد طرحت «الأوراق» في حوانيتها.
وعلى الرغم من أنه لم يتم إلا بيع نسخ قليلة، فإن ذلك لم يثبط همة ويتمان، فقد كان، كما وصفه أخوه جورج: «أكثر عنادًا من حمولة من قوالب الطوب».
وفي غضون ذلك بعث ويتمان بـ«الأوراق» بالبريد إلى رالف والدو إمرسون، شاعر أمريكا الأول. ولم يكن لدى ويتمان من الأسباب ما يحدوه إلى انتظار رد، فالرجلان لم يلتقيا قط، وليس لهما أصدقاء مشتركون.
وقد كتب إمرسون في معرض الرد على ويتمان يقول: «فركت عيني قليلًا لأتيقن من أن شعاع الشمس هذا ليس وهمًا (فديوان الأوراق) هو أكثر الأعمال التي أسهمت بها أمريكا لماحية وحكمة».
وكتب ويتمان، الذي لم يكن بالغ التواضع يومًا، مراجعات غير موقعة لديوانه قامت بنشرها صحف عديدة. وجاء في إحدى هذه المراجعات: «أخيرًا يطل علينا شاعر ملحمي أمريكي»، وجاء في أخرى: «أننا نعلن مقدم فيلسوف عظيم. وربما شاعر عظيم». ولكنه أحرز جانبًا من شهرته؛ لأنه كان من السهولة البالغة معارضته معارضة شعرية.
وفي العام 1857 قدمت «الاكزامنر» اللندنية صياغتها لإحدى قصائد ويتمان: «إبريق الشاي، خمسة فناجين قهوة، علبة سكر، الغطاء، أربعة أطباق، وستة أكواب».
ونسخ «الأوراق» التي تجاهلها الناس أو سخروا منها بلغت قيمة كل منها أربعين ألف دولار. يقول الباحث جويل: «كنت واقفًا في قبو أحد بنوك لونج أيلاند مع بربارة منرور بارت المديرة التنفيذية لمؤسسة (مسقط رأس والت ويتمان) التي تحفظ كنوزها هنا بينما تقوم ببناء مركز يتردد عليه الزوار. وقد عدت لقراءة إحدى النسخ التي يبلغ عددها أقل من مائة وخمسين نسخة من بين النسخ الأصلية لديوان (الأوراق) والبالغ عددها 750 نسخة».
ويضيف: وإذ ألقي نظرة عجلى على المقدمة التي كتبها ويتمان للديوان، أجد موجزًا لفلسفته «أحب الأرض والشمس والحيوانات، إزْدر الثروات، اعط الأبلة والمجنون، وكرّس وقتك وعملك للآخرين، أبغض الطغاة، ولا تكثر الجدل في أمر الله، كن صبورًا ومتعاطفًا مع الناس، لاتنزع قبعتك لشيء معلومًا كان أو مجهولًا أو لأي رجل أو لأي عدد من الرجال، وامض على هواك مع الأقوياء الذين لم يتلقوا من العلم الكثير ومع الشباب والأمهات.. محصِّ كل ما قيل لك في المدرسة أو الكنيسة أو في أي كتاب. وانبذ كل ما يسيء إلى روحك، عندئذ سيغدو لحمك ذاته قصيدة عظيمة».
وعلى الرغم من احتفاء ويتمان بالمساواة بين البشر، فإنه كان رجلًا ينتمي إلى عصره. فهو لم يدع قط إلى معاملة المواطنين العبيد المحررين حديثًا معاملة المواطنين كاملي المواطنة. وعندما مات في الثانية والسبعين من عمره أرسل مخه إلى جمعية قياسات الجسم الإنساني في فلادلفيا على أمل أن يكتشفوا هناك الخصائص التي جعلت منه إنسانًا مميز.
وأظهر التحليل الأولي أن مخ ويتمان أصغر من المتوسط، ثم شاءت المصادفات أن يسقط من يد أحد المساعدين العاملين في المعمل أرضًا، وما لبث أن ألقى به بعيدًا.
وبحلول ثمانينيات القرن الماضي، كان ويتمان قد أدرك أن ديوان «أوراق العشب» لن يقدر له أن يجتذب اهتمام الجماهير في حياته قط، فوضع ثقته في المستقبل، وقال إن الاختبار الحقيقي سيحل في غضون قرن من الزمان.
ولقد انقضى ذلك القرن. وكان تأثير ويتمان فذًا، ويعد شخصه، الواثق من ذاته، رفيق المهملين والمتجاهلين، والمتغني بالعذوبة والرقة والإنسانية، والداعي إلى المساواة وعاشق الطبيعة- يعد جزءًا من المشهد القومي الأمريكي.
ويوضح روجيه اسيلينو، الأستاذ بجامعة السوربون ومؤلف كتاب «تطور والت ويتمان»، أنه أكثر أهمية مما يتصور معظم الأمريكيين. والطلاب اليوم يرون فيه رمزًا يمكنهم أن يقرأوا فيه ما يحتاجون إليه: المساواة للنساء، التحرر الجنسي، حرية التعبير، غير أن ويتمان أراد أن يكون ديوانه في الجيوب الخلفية لسراويلنا، وعلى الطاولات الصغيرة بجانب أسرتنا. ومن الواضح أنه لم يكلل بالتوفيق في مسعاه للوصول إلى هذا الهدف».
#فهد_المضحكي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
علماء المناخ يحذرون: العالم قد يشهد عواقب أكثر كارثية
-
حديث عن الشباب والثقافة (2)
-
حديث عن الشباب والثقافة
-
كتاب «معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا»
-
الاتحاد الأوروبي بين التعديلات الداخلية والضغوط الخارجية
-
تحذيرات أممية من أزمة جوع عالمية
-
ترجّل الشاعر... وبقيت المواويل
-
كتاب «التنمية حرية»
-
مراكز الأبحاث والفكر العربي
-
شيخ النقّاد شكري عياد (2)
-
عن الإمبراطورية الأمريكية
-
محمد التابعي.. أسطورة الصحافة المصرية
-
باحث أمريكي: مع تآكل الثقة يجيء انخفاض درجة الاندماج في المج
...
-
سباق واشنطن وبكين على معادن أفريقيا
-
شيخ النقّاد والتحرر من السياسة
-
«الدولة المدنية» مصطلح سياسي مستحدث
-
سياسات تهدّد التفوق العلمي
-
وفاة الروائية السورية كوليت خوري.. أيقونة الأدب والحرية
-
الصين ودبلوماسية التوازن
-
أوروبا وسرقة أملاك وأصول الدول الأخرى
المزيد.....
-
أثناء حفر حديقة منزله.. رجل يعثر على أكبر كنز فضي من عصر الف
...
-
الكرملين: بوتين أصدر أمرا بعدم شن أي غارات على كييف لمدة ثلا
...
-
محاكمة ليندسي كلانسي: تطورات جديدة في قضية قاتلة أطفالها الث
...
-
إيران تدرس تصعيداً أخطر ضد أميركا.. هل تنتقل الحرب من الشرق
...
-
كوسوفو: مزارع يطلق على أحد ذئابه اسم ترامب!
-
وزيرة التعليم تحذر من سعي حزب البديل لإلغاء إلزامية الحضور ا
...
-
مقاطعة زابوروجيه.. راجمات صواريخ -غراد- الروسية تدمر موقعا ل
...
-
نيبال.. انهيار أرضي جديد بعد مرور 10 أيام على الفيضانات
-
الصين.. فيضانات تضرب مدينة بوتيان
-
الجيش الإسرائيلي ينفذ سلسلة من الضربات الجوية على مواقع تابع
...
المزيد.....
-
مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد
/ المهندس صباح يوسف ابراهيم
-
مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد
/ مذكرات وذكريات مهندس في العراق
-
الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده
/ حكمة اقبال
-
رسالة الى اخي المعدوم
/ صادق العلي
-
كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة
/ تاج السر عثمان
-
سيرة القيد والقلم
/ نبهان خريشة
-
سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن
/ خطاب عمران الضامن
-
على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|