فهد المضحكي
الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 13:59
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لا يمكن فصل مظاهر الانفجارات الإثنية الحاصلة في الدول العربية عن التحولات التي تجري في مجتمعاتنا في عقود ما بعد الاستقلال، حيث لم تتمكن المجتمعات العربية من الحسم في كثير من إشكالات مجتمعاتنا في السياسة والتاريخ والمجتمع. كما لا يمكن فصلها عن التداعيات التي تلاحقت في سياق ما بعد الثورات العربية، فنحن ما نزال نعاين مظاهر مجتمعاتٍ مُفككة، وما نزال نتطلع إلى بناء أنظمة سياسية قادرة على تدبير أشكال التحوّل التي لحقت بمجتمعاتنا في عالم جديد.
هذا الرأي نشر على موقع «مؤمنون بلا حدود» للكاتب والباحث من المغرب كمال عبداللطيف، وهو أستاذ الفلسفة السياسية والفكر العربي المعاصر بجامعة محمد الخامس بالرباط.
وإذا كان، كما يقول، من المؤكد أنّ محيطنا الإقليمي يمارس بصورة أو بأخرى ترجيحًا معينًا لكثير من جوانب الإشكالات القائمة، فمن المؤكد أيضًا أن النظام الدولي يمارس بدوره بعد استقلال أغلب البلدان العربية مراقبة خاصة على جغرافيتنا، وقد صنع من الوجود الإسرائيلي في فلسطين ما يشكل القوة الأمامية لحضوره في المنطقة العربية.
إن المعطيات التي وردت في الفقرة السابقة تشير إلى تعثر الدولة العربية في مجابهة التحديات التي واجهت مجتمعاتنا بعد الاستقلال، وهي تضعنا أيضًا أمام مشروع إعادة تكوُّن الدولة في مجتمع جديد، فقد بدأت تتبلور في النسيج العربي منذ عقود خلت الملامح العامة لمعطيات اجتماعية تتجاوز ما ورثناه من نظام الملل العثماني الذي سمح بالتعدد الطائفي، وما ورثناه أيضًا من تركة التنظيمات ونموذج الدولة الوطنية كما تبلورت زمن الاستعمار الغربي. دون أن نغفل الإشارة أيضًا إلى إلى المُكَوَّن التاريخي في سياقات الأزمنة، والمُكَوَّن الجغرافي الذي تعاقبت فوقه جماعات يصعب حصرها أو حصر مُخلفاتها، الأمر جعل الدولة العربية الناشئة تتأرجح في مختلف مظاهرها بين نمطين من السلطة: النمط السلطاني ونمط الدولة الوطنية، مع محاولات للجمع بين النمطين، الأمر الذي يجعلها عرضة للهشاشة والقصور.
لم ينجح العرب في نظر المفكر المغربي عبدالله العروي في ترسيخ كيان الدولة وتحويله إلى مجتمع سياسي، فقد ظلت النظرة التي ورثها العربي من الماضي بمثابة عائق أمام بناء لكيان سياسي، كما أنّ المشروع القومي لم يفتح الطريق لإنشاء العربية الواحدة.
وفي تصور الباحث عبداللطيف لم يحصل التجاوب المطلوب بين تطلعات النخب والطلائع المجتمعية وبين الدولة الناشئة في مجتمعات ما بعد الاستقلال، فاتجهت الأنظمة لبناء ما يمُكّنها من الاستمرار في السلطة بدل مواجهة التحديات التي اعترضتها في موضوع الشرعية الديمقراطية وموضوع النهوض بالمجتمع. وقد عدَّد أحد الباحثين حصيلة أدوار الدولة في العالم العربي خلال القرن الماضي، موضحًا فشلها بعد تفكك السلطنة العثمانية و انتهاء الحقبة الاستعمارية، مشيرًا إلى أن مظاهر الفشل تتمثل أولًا في عدم تمكنها من الاستمرار، وعدم قدرتها على مجابهة التحديات التي تعترضها داخل المجتمع. كما تتحدد ثانيًا، في إفرازها لمعارضة جديدة، تتمثل في صور التوسع الذي عرفته التيارات الإسلامية في أغلب البلدان العربية. وقد توقف الباحث المذكور أمام نتيجة ثالثة تشير إلى ما انتهى الأمر في موضوع القضية الفلسطينية واعتراف الفلسطينيين ومختلف الأنظمة العربية بإسرائيل.
لا يتعلق الأمر إذن، في موضوع الانفجارات الإثنية وتوظيفاتها المتنوعة بحدث طارئ، بل، كما يرى، أننا أمام معطيات تعكس جوانب من معطيات اجتماعية ثقافية قائمة، معطيات تختفي في غمرة مساعٍ تروم ترسيخها، لتعود إلى الظهور مبرزة الطابع الانتقالي المتأرجح في مجتمعاتنا بين التقليد والتحديث، بين منطق العقيدة والقبيلة والطائفة، ومنطق المؤسسة والرأي ومقتضيات مجتمع المواطنة.
لم نستغرب كثيرًا من عودة الإثني والطائفي إلى مجتمعاتنا، ذلك أن مفردة دولة في تاريخنا القديم ارتبطت في الأغلب الأعم بقبيلة أو بنسب عرقي أو طائفة أو مذهب، حيث تقدم لنا كتب التاريخ مُصنفات تُعنى بالدولة الأموية والدولة الفاطمية... إلخ صحيح أن الدولة الإسلامية في تاريخنا مركّبة، وأنها تستوعب في مسارها أقوامًا وثقافات لا يجادل أحد في تعدّد مكوناتها، كما تُشكل فترات تفككها حقبًا تاريخية تفوق أزمنة انسجامها ووحدتها.
عندما نقف أمام ظاهرة الانفجارات الإثنية في صيغها الجديدة وأساليبها المستجدة في التجييش والعمل، وكذلك صور العنف في الخطاب والواقع، نكون أمام ظواهر لم تسمح لنا عقود من الاستقلال تحت سلطة أنظمة سياسية ناشئة من تجاوزها.
وفي هذا الصدد، بحسب رأي الكاتب، ما جرى في سورية (في ظل حكم عائلة الأسد) ليس غريبًا على بنية نظام مارس السلطة من موقع طائفي، وحكم بتوسط آليات حزبية مرتبة و مراقبة، نظام وظف جوانب من شعارات المرحلة ورهانات الصراع الإقليمي، ولا يتردد في توريث السلطة بحسابات مُعدَّة سلفًا. ولهذا انخرط في أتون الانفجارات المناهضة له، مُرتبًا أوراق بعضها وملوحًا بأخرى، وذلك مقابل معارضة تعوّدت أغلب فصائلها استخدام الآليات نفسها، الأمر الذي خلق جحيمًا مركّبِا داخل المجتمع.
ينطبق الأمر نفسه على ما جرى ويجري في العراق ولبنان وليبيا واليمن، ذلك أن الوضع السياسي في العراق يواجه تحديات اجتماعية وسياسية، لا يمكن دون استحضار مساره قبل الاحتلال الأمريكي وبعده. كما لا يمكن فصل النزاعات الإثنية داخله عن فشل الأنظمة التي تعاقبت على حكمه، بما فيها النظام البعثي في تحقيق الاندماج الاجتماعي. وإذا كان الوضع الإثني في العراق يتجه نحو ما هو أسوأ، فإن شعارات دولة الخلافة الإسلامية لا تعتبر إلا أدوات تروم مزيدًا من تفتيته.
ولا يختلف الوضع في لبنان في موضوع بناء الدولة عن مخلفات النظام الطائفي وتوابعه، ويمكن أن نتأكد من ذلك في صور التغييب التي تمارسها الطوائف، حيث يطغى الانتساب والولاء للطائفة على صفة الوطن، الأمر الذي يؤدي إلى التباعد بين أفراد المجتمع، ويعمّق أزمة الدولة، وفي الراهن علامات كاشفة لما نحن بصدده.
وفي ظل هذا الواقع، يقول منتقدًا، لن نواصل الحديث هنا عن مبررات ما حصل وعن مآلاتنا في الراهن، ذلك أنّ صور الانكسار والتمزق تضعنا في مواجهة أنفسنا بكثير من القسوة، خاصة وأننا لن نسجن أنفسنا في حديث عن المؤامرة والتربص بثرواتنا وأمجادنا وحماية أمن إسرائيل، وهي المسوغات التي تستعاد بصيغ تكرارية في كثير من الأنظمة والتيارات السياسية العربية، ذلك أن مثل هذه المواقف عندما يتم استدعاؤها من طرف البعض، لنفض ذات اليد من كل ما حصل، تكون درجات قسوتها في نظرنا أعمق وأبلغ، بحكم أنها تخاف من الأوهام التي ركّبتها بنفسها.
ومقابل هذا فإن النظرة العقلانية الحداثية عند الباحث عبداللطيف تقول في دراسة نقدية إن: «الاقتناع بالمبادئ الكبرى الناظمة للمشروع الفلسفي الحداثي، بالنظر إلى الإنسان والتاريخ والمعرفة، يتيح لنا إطارًا مرجعيًا جديدًا للتفكير في حاضرنا ومستقبلنا، وهو إطار مرجعي مختلف عن سقف العقائد التقليدية المهيمنة على ذهنياتنا الاجتماعية والسياسية والتربوية، ويفتح أمامنا إمكانية تأسيس المشروع السياسي الديمقراطي، بوصفه مشروعًا تاريخيًا قابلًا للتطور والتجاوز، وذلك اعتمادًا على مبدأ تدبير التوافقات السياسية والتاريخية والعقلانية المطابقة لإشكالاتنا السياسية والتاريخية».
ويفترض أنه لا خلاص لنا من الانغلاق الإثني والطائفي الذي ازداد في الآونة الأخيرة استفحالًا، إلا بتوسيع دوائر التشارك في العناية بالشأن العام، ولا يمكن تحقيق ذلك دون سيادة قيم المواطنة والتعاقد؛ وذلك لأنه يستحيل بناء الإنسان في ظل قيود الأعراق والمذاهب والطوائف.
ويترتب على كل ما سبق، أن الانتصار لقيم التحديث السياسي التاريخي والنسبية يعد الصيغة المناسبة لاستيعاب التعددية والمواطنة بمختلف صورها ومختلف أبعادها.
ولكن الأهم من ذلك كله أن مجتمع التعدد يثري في العمق حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلا أنه في غياب الديمقراطية يظل مصدرًا قويًا لكثير من صور التوتر والاضطراب في مجتمعاتنا، وما وقع في لبنان والعراق وسوريا وليبيا يعد دليلًا على ذلك.
#فهد_المضحكي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟