أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الهنبوت - عيون الصباح














المزيد.....

عيون الصباح


محمد الهنبوت

الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 01:11
المحور: الادب والفن
    


لم أكن أعلم أن للعيون قدرة على ارتكاب كل هذا الضجيج في صمت، وأن النظرة التي لا تستغرق أكثر من رمشة تستطيع أن تقيم في القلب زمنا أطول من أعمار كاملة. ثمة أشياء لا تحدث أمام أعيننا بقدر ما تحدث في أعماقنا، لا صوت لها ولا أثر تلتقطه الحواس، لكنها تترك في الروح ندوبا لا يراها أحد. ولعل أشد المفارقات قسوة أن يكون اللقاء أقرب ما يكون إلى الاكتمال وأبعد ما يكون عن الحدوث ،أن تتلاقى عينان كأنهما تستعيدان عهدا قديما، ثم تفترقان كأنهما لم تتعارفا قط. هكذا صار الصباح عندي امتحانا يوميا بين ما تريده الروح وما تأمر به الملامح، بين عينين تبوحان بكل شيء ووجهين يتواطآن على إنكار كل شيء.
كل صباح حين تلتقي عينانا، يحدث في داخلي ما يشبه انبثاق الضوء من شقوق العتمة تنهض أشياء ظننتها ماتت، وتستيقظ كلمات أودعتها في مقبرة النسيان، وتشرع الذاكرة في استعادة ما لم يجرؤ اللسان يوما على استحضاره. أراك فتضطرب الجهات ويتلعثم الزمن ويصبح للمكان وجه آخر، كأن العالم بأسره يتوقف عند تلك المسافة الضئيلة التي تفصل نظرتي عن نظرتك. ثم، فجأة تنكسر اللحظة، تنسحب عيناي كجيش مهزوم من معركة لم يخضها، وترتد نظرتك إلى مكان مجهول، ونعود إلى سيرتنا الأولى غريبان يتقنان التظاهر بأن لا شيء بينهما، بينما في الأعماق حكاية لا تكف عن الكلام.
إنني لا أخشى عينيك وإنما أخشى ما تستخرجه عيناي من صمتهما حين تقعان عليهما. أخشى تلك اللحظة التي تتعرى فيها الملامح من حيلتها، ويسقط فيها قناع الاتزان، فتتكلم النظرة بما عجزت عنه القصائد. فثمة عيون لا ننظر إليها فحسب بل نرى فيها أنفسنا على نحو لم نعهده ،نرى ضعفنا الذي أخفيناه وقوتنا التي تآكلت، وأحلامنا التي ظننا أننا تجاوزناها. وربما لهذا أشيح بنظري سريعا لا هروبا منك، بل فرارا مما تفعله بي رؤيتك. فما كل عين تستطيع احتمال الحقيقة التي تكشفها عين أخرى، وما كل اقتراب يفضي إلى وصال أحيانا يكون أقصى ما نستطيعه من القرب أن نبتعد.
ولعل عنترة بن شداد كان يعرف شيئا من هذا الارتباك حين قال:ولقد ذكرتك والرماح نواهل
مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها
لمعت كبارق ثغرك المتبسم.
وكان الرجل في قلب المعركة، تحاصره الرماح وتسيل من جسده الدماء، ومع ذلك لم تستطع السيوف أن تصرف عينيه عن صورة ابتسامة واحدة. أما أنا فلا رماح تطعنني، ولا سيوف تنازلني، ومع ذلك تكفيني نظرة خاطفة منك لأخرج من معركتي الصباحية مثخنا بما لا يرى. ولست أدري أيهما أشد فتكا، أن يواجه المرء سيوف أعدائه وهو يعرف مصدر الخطر، أم أن يواجه عينين لا تعرفان أنهما تتركان في صدره كل هذا الخراب.
ثم أتذكر المتنبي كأنني أبحث في ذاكرة الشعراء عمن يفسر لي ما تعجز اللغة العادية عن احتماله حين قال:
لا السيف يفعل بي ما أنت فاعلة
ولا لقاء عدوي مثل لقياك
لو بات سهم من الأعداء في كبدي
ما نال مني ما نالته عيناك.
فأي بلاغة هذه التي جعلت من العين سيفا، ومن النظرة سهما ومن اللقاء جرحا لا يحتاج إلى دم كي يثبت وجوده؟ وأي مفارقة أن يكون اللقاء، الذي يفترض أن يخفف وحشة الغياب سببا في مضاعفتها؟ فأنا لا أفتقدك حين تغيبين فحسب بل أفتقدك أيضا حين تكونين أمامي، حين لا أستطيع أن أقترب من تلك المسافة التي تختصرها العين وتطيلها الحياة. أراك حاضرة فأكتشف أن الغياب ليس دائما خلو المكان من أصحابه فقد يكون حضورا كاملا يعجز المرء عن بلوغه.
ما من قسوة أشد حين تتحول اللحظات إلى مواعيد لا تملك حق الوفاء وأن يأتي الصباح محملا باحتمال اللقاء، ثم ينقضي تاركا وراءه خيبة لا يلحظها أحد. أجيء وفي داخلي كلام كثير، وأمضي وفي داخلي كلام أكثر. أرتب في خيالي عبارات كثيرة وأمنح نفسي شجاعة لا تسعفني حين أكون أمامك أقول في الغياب ما لا أستطيع قوله في الحضور، وأكتب في المسافة ما تعجز عنه المسافة نفسها. هناك حين لا تكونين أمامي تصبح الكلمات طليقة وحين تظهرين، تتوارى اللغة كأن حضورك يختصر القصيدة ويعطل لسان الشاعر.
وحين ينفض الصباح غباره عن الطرقات، ويستعيد الناس انشغالاتهم العادية، أظل أحمل من اللقاء ما لا يراه أحد. أستعيد حركة عينيك واللحظة التي ترددت فيها النظرة قبل أن تنكسر، ولعل أكثر ما يوجعني أنني بدأت أعتاد هذا الوجع، لا لأن قسوته خفت، بل لأن تكراره علمني كيف أخفيه. صرت أتقن الانصراف بملامح مطمئنة، وأجيد مواصلة الحديث بعد أن تكون نظرة واحدة قد بعثرت ترتيب أفكاري، وأستطيع أن أبدو منشغلا بأشياء كثيرة، فيما يظل جزء مني عالقا عند تلك اللحظة التي التقت فيها العينان ثم افترقتا. لقد أصبح لي وجه يراه الناس، ووجه آخر لا يعرفه غير الصباح، وجه يبتسم حين ينبغي له أن يبتسم، ويخفي خلف ابتسامته حكاية لا تجد طريقها إلى الكلام.
يا أنت لست أدري ماذا تحملين معك حين تنصرفين، ولا أي أثر تتركه تلك اللحظة في صباحك، لكنني أعرف أنني أعود منها كل مرة شخصا آخر؛ أقل كلاما أكثر شرودا، وأشد التصاقا بتفاصيل لم يكن لها في نظر الآخرين أي شأن. ولست أطلب من عينيك أن تقولا ما لا تريدان قوله، ولا من الصباح أن يمنحنا ما لم تأذن به الحياة، كل ما في الأمر أنني أود لو أن النظرات حين تتلاقى لا تضطر دائما إلى الاعتذار عن لقائها، ولو أن العيون تستطيع، لمرة واحدة، أن تبقى حيث تريد دون أن تستأذن الخوف أو تستسلم لهيبة الصمت.
فإذا التقينا غدا سأمضي كما مضيت اليوم، وربما سأشيح بنظري مرة أخرى، وسأترك للمسافة أن تؤدي دورها المعتاد في ترتيب غربتنا. لكنني سأعرف كما أعرف الآن أن شيئا ما قد حدث، وأن تلك الثواني العابرة لم تكن عابرة في داخلي.
فكم من لقاء لم يحدث رغم أن العينين التقتا، وكم من حكاية بدأت بنظرة وانتهت بعمر من الانتظار، ولعل أبلغ ما في مأساتنا أننا لا نحتاج إلى أن نتبادل الكلام كي نفهم مقدار ما لم نقله، ولا إلى أن نفترق كي نشعر بالغياب، فنحن كل صباح، نلتقي بما يكفي لنشتاق ونفترق بما يكفي لنظل غريبين.



#محمد_الهنبوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الثابت والمتحول في نهاية حقبة المينورسو: قراءة في أبعاد الان ...
- بين رغبة الاصدقاء و رغبتي
- درس من صمم بيتهوفن
- شيخوخة
- ليلة عاشوراء
- حنين إلى زمن الحروف المنقوشة بالصبر
- حين يسقط القناع
- في مديح وسائل التواصل
- مضارب لندن
- في مديح الحضور ونبش الذاكرة: هوارة واستعادة الهوية من براثن ...
- القبو
- كل أيام الله مباركة
- سحر العناق
- الهروب الكبير
- نوستالجيا
- أنا عندما كنت
- مرسي الزناتي انهزم يا رجالة
- مؤامرة الاقصاء
- القائد بوشعيب بين الواقع و الاسطورة


المزيد.....




- أموريم يحدد معضلة ميلان الفنية ويؤكد: تجاوزنا نشوة الفوز على ...
- اعتراف بجميع كتّاب القصة.. كريستينا فرنانديث كوباس تفوز بجائ ...
- كتاب -إمبراطورية الأكاذيب- لتشارلز غويِت.. تشريح حروب الدولة ...
- حوار مع الأديبة الشاعرة والمترجمة تغريد بومرعي
- توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا ...
- تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت ...
- السيسي يستقبل بطلة -تحدي القراءة العربي- ويمنحها نوط الامتيا ...
- إيمري بيلوز أوغلو يتولى القيادة الفنية لفناربخشه قبيل مواجهة ...
- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
- -وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الهنبوت - عيون الصباح