أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الهنبوت - درس من صمم بيتهوفن














المزيد.....

درس من صمم بيتهوفن


محمد الهنبوت

الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 09:06
المحور: الادب والفن
    


تخيل أن تكون موسيقيا، وأن تكون أذنك نافذتك الوحيدة على الوجود، ثم تبدأ تلك النافذة في الانغلاق ببطء لا يرحم، حتى يتحول الصوت الذي كان نسيجا من نسيج أنفاسك إلى ضيف ثقيل يزداد بعدا مع كل فجر. هذا ما عاشه لودفيغ فان بيتهوفن، الشاب الذي كان اسمه يلمع في سماء أوروبا كقنديل لا يطفأ، عازفا يحول المفاتيح إلى دموع وأفراح، ومؤلفا كانت القاعات تنتظر نغماته كما ينتظر العطشان المطر. لكن القدر كان يخبئ له صمتا لم يكن في الحسبان .
بدأ الأمر همسا خافتا، كلمات تتلاشى قبل أن تصل، نغمات تتشوش كأنها قادمة من وراء جدار سميك، ثم صار عليه أن يجاهد ليفهم ما يقوله من حوله، وأن يتظاهر بالسمع حتى عجز عن التظاهر، فانسحب تدريجيا من حياة الناس، لا زهدا فيهم، بل هربا من ذلك السؤال الذي كان يكرس في عينيه كل مرة هل تسمعني؟ لقد كان الصمم أكثر من فقدان حاسة بل كان تهديدا لهويته، لمصدر رزقه، لصورة نفسه في مرآة العالم، ولأعمق ما يربطه بالوجود. تخيل أن تعزف نغمة وتشك في أنها النغمة التي أردت، أن تصبح الموسيقى التي تسكن صدرك غريبة عن الموسيقى التي تبلغ أذنيك، وأن تقف وحيدا في غرفة مغلقة بينما العالم في الخارج يعزف سيمفونية لا تسمع منها شيئا.
لكن المأساة الحقيقية لم تكن في أن الخارج سكت، بل في أن الداخل ظل يضج بالحياة. كانت الألحان تتشكل في أعماقه كأنهار جوفية لا تعرف الجفاف، وإيقاعات تتصارع في صدره كأمواج لا تهدأ، وموسيقى تطالب بالخروج إلى النور رغم أن أذنيه لم تعودا قادرتين على استقبالها. لقد فرض الصمت سلطته على حواسه، لكنه عجز عن أن يفرضها على خياله، وكأن روحه كانت ترفض أن تسلم مفاتيحها للظلام.
وهنا تتجلى المفارقة التي تكاد اللغة تنكسر تحت وطأتها ففي عام 1824، وقف بيتهوفن على خشبة المسرح في فيينا ليقدم للعالم سيمفونيته التاسعة، تلك التحفة التي أدخل فيها الأصوات البشرية مستلهما قصيدة شيلر نشيد الفرح. رجل غرق عالمه السمعي في صمت مطلق، يؤلف موسيقى تدعو البشرية بأسرها إلى الفرح والأخوة، وتحتفي بالإنسان في أسمى لحظات التعبير. كانت الموسيقى تتدفق من الآلات والحناجر، والقاعة ترتج بالتصفيق والانفعال، وهو واقف في قلب العاصفة الصوتية التي خلقها بيديه، محروما من أكثر ما يمنح تلك اللحظة معناها وهي أن يسمع ما صنعته عبقريته. وبعد أن انتهت النغمات الأخيرة، ظل متجها إلى الأوركسترا، غافلا عن أن العالم من حوله قد انفجر إعجابا، حتى لمست ذراعه مغنية الألتو كارولين أنغر وأدارت وجهه نحو الجمهور، فرأى بأم عينيه ما لم يعد يسمعه بأذنيه: بحرا من الوجوه المأخوذة، وأيديا ترتفع في الهواء، ودموعا تسيل على خدود غرباء تأثروا بما لم يعد هو قادرا على سماعه. تأمل تلك اللحظة، أن تكون مصدر الموسيقى وأبعد الحاضرين عنها، أن تصنع شيئا يهز أرواح الآخرين وترى أثره في عيونهم لكن الصدى لا يعود إليك، أن تقف في مركز الإعصار وأنت أكثر الناس هدوءا قسرا.
ولعل أعمق ما في حكاية بيتهوفن ليس أنه انتصر على الصمم بالمعنى الذي تحبه الحكايات السهلة، فالحقيقة أكثر مرارة وأجمل في آن واحد. هو لم يستعد سمعه، ولم تشف أذناه بمعجزة، فثمة معارك نخوضها ولا ننتصر فيها بالمعنى الذي نتمناه، وخسارات لا نسترد بعدها ما فقدناه مهما امتلكنا من صبر. لكن عظمته لم تكن في أنه هزم الصمت، بل في أنه رفض أن يسمح للصمت بأن يقنعه بأنه فقد معه كل شيء. لقد فقد النافذة، لكنه لم يفقد العالم الذي بناه خلفها ،عجز عن سماع سيمفونيته، لكنه لم يعجز عن منح البشرية واحدة من أعظم تحفها، لم يشارك الجمهور فرحتهم كما يستحق صانع تلك الموسيقى، لكن قيمة ما أنجزه لم تكن مشروطة بأن يسمعه، ولم تكن مرهونة بقدرته على الاستمتاع بثمار عبقريته.
وهذا هو الدرس الذي يهمس به بيتهوفن من وراء قرنين من الصمت والموسيقى،ان لا تجعلوا ما انغلق في وجوهكم يقنعكم بأن كل النوافذ قد أوصدت، ولا تجعلوا ما عجزتم عن الاحتفاظ به يسرق منكم القدرة على صنع ما تبقى. ليس المطلوب أن ننكر الألم أو نتظاهر بالقوة حين نكون منكسرين أو نحول كل مأساة إلى انتصار مصطنع، بل أن نتعلم كيف نعيش مع ما لا نستطيع تغييره، وكيف نبحث وسط أنقاض ما تبعثر عن شيء لا يزال في وسعنا أن نمنحه لهذا العالم. فكم من إنسان يملك سمعه ولا يصغي إلى أحد، وكم من مبصر لا يرى ألم من حوله، وكم من إنسان يمتلك أبواب الحياة كلها ولا يجرؤ على عبور أي منها لأنه أقنع نفسه أن خسارة باب واحد يعني نهاية الطريق. المأساة ليست دائما في أن تصمت الحياة من حولنا، بل في أن نصمت نحن داخل أنفسنا.
أحيانا لا نسمع التصفيق الذي تمنيناه، ولا نرى الثمار التي انتظرناها، ولا يعود إلينا من فقدناه مهما طال الانتظار، لكن ذلك لا يعني أن ما فعلناه بلا قيمة أو أن ما بقي في أيدينا لا يستحق المحاولة. فليس أعظم انتصار أن تستعيد ما فقدته، بل ألا تسمح لما فقدته بأن ينتزع منك ما لا يزال بإمكانك أن تكونه. وليس شرطا أن تسمع العالم وهو يصفق لك كي تكون قد صنعت شيئا يستحق التصفيق. أحيانا، يكفي أن تواصل العزف، حتى حين لا تعود تسمع الموسيقى.



#محمد_الهنبوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شيخوخة
- ليلة عاشوراء
- حنين إلى زمن الحروف المنقوشة بالصبر
- حين يسقط القناع
- في مديح وسائل التواصل
- مضارب لندن
- في مديح الحضور ونبش الذاكرة: هوارة واستعادة الهوية من براثن ...
- القبو
- كل أيام الله مباركة
- سحر العناق
- الهروب الكبير
- نوستالجيا
- أنا عندما كنت
- مرسي الزناتي انهزم يا رجالة
- مؤامرة الاقصاء
- القائد بوشعيب بين الواقع و الاسطورة


المزيد.....




- -لا تدعوا الخوف يتحكم بكم-.. كلمة مؤثرة لمنى زكي عقب تكريمها ...
- أوسكار وايلد ساخرا من أمريكا: -أيها السادة.. لقد خيب المحيط ...
- الرواية وأسئلة الإنسان المعاصر
- تجار في غزة يتهمون حماس بفرض إتاوات.. وميلادينوف يحذر تجار ...
- مجلس العلماء الإندونيسي يطالب بإلغاء حفلي أندريا بوتشيلي بسب ...
- مكتبات بريطانية تتخبط بعد سحب روايات سالي روني المؤيدة لحركة ...
- المراهقة المتأخرة… حين تختار النخب أن تنحدر إلى عالم التفاهة ...
- جدل حول زيارة رئيس المخابرات المصرية السابق لإسرائيل قبل 7 أ ...
- الموسيقى متنفس أطفال غزة
- بعد مشاركته في احتجاج.. الهند تطلب من الممثل عمران خان مغادر ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الهنبوت - درس من صمم بيتهوفن