أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - محمد الهنبوت - نوستالجيا















المزيد.....

نوستالجيا


محمد الهنبوت

الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 17:17
المحور: سيرة ذاتية
    


لا أدري ما الذي يدفع الذاكرة، تلك الكهف المعتمة الذي نودع فيها جثث أيامنا الميتة، لأن تتمرد فجأة على صمتها الطويل، فتقذف إلى شاطئ الوعي موجة من الصور الباهتة التي ظننتها قد ذابت في بحر النسيان؟ لا أدري أي شيطان من شياطين الماضي همس في أذن الصباح فأيقظني على رائحة التراب المبتل بالندى، ذلك التراب الذي كان يعبق تحت أقدامنا الحافية في ساحة المدرسة، حين كنا لا نزال كائنات من نور، لم تدنسنا بعد خطايا المعرفة، ولم تثقلنا أوزار الفهم المرير لحقيقة هذا العالم الذي يتربص بنا كوحش صبور ينتظر أن ننضج قليلا ليلتهمنا على مهل.
تسللت إلي هذه الذكرى كلص يدخل بيتا مهجورا، فانتشرت في أركان روحي المتربة، وأنارت زوايا ظننتها قد غرقت في ظلام أبدي، وها أنا أرى نفسي ذلك الطفل الذي كان يسكن جسدي قبل أن يهاجر منه إلى عالم الأشباح، تاركا خلفه هذا الكهل الذي لم يبلغ بعد منتصف العمر، لكنه يحمل في صدره قلبا عاش ألف سنة من الشقاء. كنا نقف في ذلك الصباح البعيد، والشمس تسكب ضوءها الذهبي على رؤوسنا كأنها تبارك طفولتنا ونحن نعلم بذلك الحدس الغامض الذي يمتلكه الأطفال قبل أن يقتله المنطق، أن عصا المعلم ستهوي علينا لا محالة، لأننا لم نحفظ الدرس، أو لأننا ضحكنا في لحظة كان يجب أن نصمت فيها، أو ربما لمجرد أننا موجودون، وأن الوجود نفسه في هذا العالم القاسي يستدعي العقاب.
لكننا كنا عباقرة في اختراع السعادة من رحم البؤس، كنا نهرب إلى تلك الأحراش البرية التي كانت تحيط بأسوار المدرسة كأنها جنة صغيرة تعد بالخلاص، نتسلل إليها مثل عصابة من الثوار الصغار الذين يخططون لثورتهم السرية ضد قدرهم المحتوم، نبحث بين الأعشاب والشجيرات عن تلك النبتة التي كنا نؤمن، بإيمان أعمى يضاهي إيمان القديسين بالمعجزات، أنها تحمل في أوراقها الخضراء سر الخلاص من الألم. كنا نقطفها بأيدينا الصغيرة التي لم تكن قد تعلمت بعد كيف تمتد بالسؤال نحو السماء ، نعصرها بكل قوتنا الطفولية، وحين تسيل منها تلك العصارة الخضراء الباردة، كنا نشعر وكأننا نمسك بين أكفنا إكسير الحياة نفسه، نطلي بها راحات أيدينا ونحن نتهامس كالكهنة في معبد قديم، ونتبادل النظرات المتواطئة التي تقول إننا خدعنا القدر، إننا وجدنا الثغرة في جدار الألم ونفذنا منها.
وحين كانت تحين الساعة الرهيبة، ساعة الوقوف أمام المعلم الذي كان يبدو لنا في ذلك الوقت كإله غاضب يحمل صولجان العقاب، كنا نمد أيدينا ببطء، وكأننا نمد أرواحنا للمصير المحتوم، وتهوي العصا، تلك العصا الخشبية التي كانت تصدر صوتا حادا حين تلامس الجلد، صوتا كان يخترق سكون الفصل ويعلق في الهواء كصرخة طائر جريح. لكننا، كنا لا نصرخ، بل كنا نعض على شفاهنا ونحدق في عيون بعضنا البعض، وفي تلك النظرات كان يسطع بريق غريب، مزيج من التحدي والفخر والشماتة السرية، كنا نظن حقا أن تلك العصارة الخضراء قد صنعت حاجزا سحريا بين العصا وأعصابنا وأنها حولت أكفنا إلى دروع لا ينفذ منها الوجع، كنا نعود إلى مقاعدنا ونحن نخفي أيدينا المحمرة المتورمة، لكننا نرفع رؤوسنا عاليا كالمنتصرين في معركة كونية.
كانت تلك الحماقة المباركة و الوهم الجميل هو ما يجعل الحياة محتملة، كانت آلامنا في تلك الأيام البعيدة كالخدوش السطحية على جلد الزمن، تحمر قليلا ثم تزول مع أول نسمة من نسمات الغفلة، كانت أحزاننا كغيوم صيفية عابرة، تظلم السماء لدقائق ثم تنقشع تاركة خلفها زرقة صافية ونقية. كنا نملك دون أن ندري، الكنز الحقيقي الذي يبحث عنه الحكماء طوال حياتهم ولا يجدونه، كنا نملك القدرة على النسيان السريع، على التئام الجروح بسرعة معجزة، على التحول من البكاء إلى الضحك في غمضة عين، كنا نملك تلك المرونة السحرية للروح التي لم تتيبس بعد و لم تتحجر، كانت لا تزال طرية كالعجين، تتشكل وتعود لتتشكل من جديد دون أن تنكسر.
لكن الزمن ذلك الوحش الذي يلتهم كل شيء، لم يكتف بأن ألتهم سنواتنا، بل التهم معها قدرتنا على الشفاء، على الأمل، على الإيمان بالمعجزات الصغيرة. كبرنا، وكأن الكبر مرض ينتشر في الجسد ببطء قاتل، يحول العضلات إلى حجارة والقلب إلى كهف مظلم تسكنه الخفافيش. كبرنا، والعصا التي كانت تضربنا تحولت من قطعة خشب بسيطة في يد معلم إلى هراوة ضخمة في يد الحياة نفسها، تلك الجلادة التي لا ترحم ولا تتعب. لم تعد الضربات تسقط على راحات أيدينا حيث يمكن إخفاؤها، بل صارت تهوي مباشرة على الروح، على ذلك الجزء الخفي منا الذي لا يراه أحد، لكنه يحتوي كل ما نحن عليه حقا.
تبين أن الحياة معلم أقسى بما لا يقاس من ذلك المعلم الذي كنا نخشاه في طفولتنا، إنها لا تضرب أيدينا بعصا خشبية، بل تضرب قلوبنا بخناجر الخيبة، وتجلد أرواحنا بسياط الخذلان، وتصفعنا على وجوهنا بكف الفقد الثقيل. كل خيبة أمل هي ضربة عصا على الروح، كل صديق يخون هو ضربة، كل حلم يتحطم هو ضربة، كل حبيب يرحل هو ضربة، وهذه الضربات، لا تترك احمرارا مؤقتا يزول في المساء، بل تترك ندوبا غائرة، وشقوقا عميقة في بنية الروح و كسورا لا تلتئم، وجروحا تنزف في الداخل بصمت، دون أن يراها أحد، و من دون أن يعرفها أحد.
والمفارقة المرة التي تضحك منها الأقدار الساخرة، أننا تعلمنا مع الوقت أن نخفي هذه الجروح النازفة بمهارة فائقة، تعلمنا أن نرسم على وجوهنا ابتسامات مصطنعة، أقنعة من الفرح المزيف نضعها كل صباح قبل أن نخرج لمواجهة العالم، بينما في الداخل، في ذلك القبو المظلم حيث تسكن حقيقتنا، تجلس أرواحنا المجروحة في زاوية قصية، تحتضن ركبتيها وتبكي بلا صوت، تنتحب في صمت موحش لا يقطعه إلا صدى انتحابها نفسه. في الطفولة كنا نبكي من الخارج ونضحك من الداخل، كنا ننوح علنا لكننا نحتفل سرا بانتصارنا الوهمي، أما الآن فقد انقلبت المعادلة، صرنا نضحك من الخارج ونبكي من الداخل، نبتسم للناس بينما تتمزق أحشاؤنا، نتحدث عن السعادة بينما نختنق بغصة الحزن.
والأشد إيلاما من كل هذا، والأكثر قسوة من جميع ضربات العصا التي تلقيناها ونتلقاها، هو أننا فقدنا طريقنا إلى تلك الأحراش البرية، تلك الجنة الصغيرة التي كانت تحتوي على نبتة الخلاص. لقد جاءت الحضارة الصماء، تلك الوحش الإسمنتي، وابتلعت كل شيء، ابتلعت المدرسة والأحراش والتراب والنبتة السحرية، وأقامت مكانها أبراجا شاهقة من الإسمنت المسلح، قبيحة وباردة كالموت نفسه. اختفت تلك النبتة للأبد، وحتى لو بحثنا عنها في كل بقاع الأرض، لو جبنا الصحاري والجبال، لو قلبنا كل حجر وفتشنا تحت كل شجرة، فإننا لن نجدها، لأنها لم تكن موجودة أصلا إلا في إيماننا الطفولي، في ذلك الوهم الجميل الذي كان يحمينا من قسوة الحقيقة.
وحتى لو وجدناها بأعجوبة وعصرنا آلاف الأوراق، وجمعنا من عصارتها الخضراء ما يملأ بحرا، فأي فائدة في ذلك؟ كيف نطلي بها قلوبا لم تعد من لحم ودم بل صارت من حجر؟ كيف نداوي بها أرواحا لم تعد جروحها على السطح بل في الأعماق السحيقة؟ أي عشب في الدنيا يمكنه أن يخفف لوعة الفقد حين تفقد من أحببت؟ أي نبتة سحرية تستطيع أن تمسح من الذاكرة صورة صديق خانك أو حبيب هجرك؟ أي عصارة خضراء يمكنها أن تزيل من القلب ندبة الخذلان التي حفرها فيه إنسان ائتمنته على أسرارك فباعها في سوق النميمة؟ أي دواء في الأرض أو السماء يمكنه أن يعيد إلى الروح براءتها المفقودة، أو يرد إليها إيمانها بالخير بعد أن رأت الشر بكل أشكاله وألوانه؟
لقد أدركنا، وهذا الإدراك نفسه هو جزء من العقاب، أن شجاعتنا في الطفولة لم تكن نابعة من قوة فينا بل من جهل مبارك، كنا شجعانا لأننا كنا نؤمن بوجود الحل، بإمكانية الشفاء، بأن كل ألم له دواء، وأن الدواء قريب، في متناول اليد، في أقرب حرش أو حديقة. كنا نستطيع أن نواجه العصا بثبات لأننا كنا نملك في جيوبنا ترياق الألم، أو على الأقل كنا نظن أننا نملكه، وهذا الظن وحده كان كافيا ليمنحنا القوة. أما الآن، وقد كبرنا وتعلمنا وعرفنا الحقيقة المرة، فقد أدركنا أن معظم الآلام لا دواء لها و أن معظم الجروح لا تلتئم،و أن معظم الفقد لا تعويض عنه، وهذا الإدراك حولنا من أطفال شجعان إلى كهول خائفين، ينكمشون على أنفسهم، يتجنبون المخاطرة، يخافون من المواجهة، لأنهم يعلمون أنه لا أحراش تنتظرهم، ولا نبتة سحرية ستخفف عنهم.
وأنا أتأمل اليوم، من نافذة هذا العمر الذي بدأ يميل نحو الأصيل، تلك المسافة الشاسعة بين ما كنا وما أصبحنا، بين ذلك الطفل الذي كان يركض في ساحة المدرسة الترابية وبين هذا الرجل الذي يسير بخطوات ثقيلة في شوارع الإسمنت، بين تلك الأيدي الصغيرة البضة التي كانت تعصر النبتة السحرية وبين هذه الأيدي الخشنة التي لا تعصر الآن إلا الهواء، بين ذلك القلب الأخضر الذي كان يؤمن بالمعجزات وبين هذا القلب الذي اصفر وذبل وتساقطت أوراقه كشجرة في خريف لا ينتهي، أشعر بغصة تكاد تخنقني، غصة مصنوعة من كل الدموع التي لم أذرفها، من كل الصرخات التي كتمتها، من كل الآلام التي ابتلعتها وهضمتها في صمت.
فسلام على تلك الأيام التي كانت خضراء كالأمل، سلام على ذلك التراب الذي كنا نمشي عليه حفاة دون أن نخشى شيئا، سلام على تلك الضحكات التي كانت تخرج من القلب مباشرة دون أن تمر عبر العقل ومنطق الحسابات، سلام على تلك الأحراش التي كانت تحتضننا وتمنحنا وهم الخلاص، سلام على تلك النبتة السحرية التي ربما لم تكن تفعل شيئا لكنها كانت تمنحنا أثمن ما يمكن أن يملكه إنسان: الأمل، الإيمان، اليقين بإمكانية التغلب على الألم، سلام على تلك القلوب الخضراء التي لم تكن قد عرفت بعد أن الخريف ليس مجرد فصل من فصول السنة بل هو حالة وجودية، مرض مزمن يصيب الروح حين تكبر، حين تعرف أكثر مما ينبغي، حين تفقد القدرة على الوهم الجميل الذي كان يجعل الحياة ممكنة ومحتملة، سلام على ذلك الزمن حين كان أقصى ما نخشاه عصا خشبية في يد معلم، ولم نكن نعلم بعد أن الحياة نفسها ستتحول إلى عصا ضخمة تضربنا كل يوم، كل ساعة، كل لحظة، وأننا سنقضي بقية أعمارنا نتلقى الضربات دون أن نجد حرشا نهرب إليه، أو نبتة نعصرها، أو وهما جميلا نتشبث به لنبقى على قيد الحياة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنا عندما كنت
- مرسي الزناتي انهزم يا رجالة
- مؤامرة الاقصاء
- القائد بوشعيب بين الواقع و الاسطورة


المزيد.....




- العراق: لم تقدم أي جهة دليلًا على استخدام أرضنا في شن هجمات ...
- ما الذي يجذب الشباب إلى عالم الكوسبلاي؟
- لماذا يكتسب ميناء دمياط أهمية في خريطة الغاز بالمنطقة؟
- وجهات نظر من أنقرة: تداعيات مؤتمر قمة حلف -ناتو- على الأمن و ...
- طالب صيني يحطم الرقم القياسي لحل مكعب روبيك بيد واحدة (فيديو ...
- تمرد في الجيش الإسرائيلي.. عشرات الجنود من لواء -غيفعاتي- يغ ...
- إسرائيل.. كيف تجسس سائق إسعاف لصالح إيران؟
- -أكسيوس-: خلاف فانس ونتنياهو حول إيران وصل إلى حد الاتهامات ...
- هل يتجه ترامب إلى خيارات عسكرية جديدة ضد إيران؟
- الاتحاد الأوروبي يندد بالضربات الروسية -الكثيفة- على أوكراني ...


المزيد.....

- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - محمد الهنبوت - نوستالجيا