محمد الهنبوت
الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 17:14
المحور:
سيرة ذاتية
لم أكن يوما ممن يصغون إلى همس الجسد، ولا ممن يلتفتون إلى ذلك الصمت الذي يسكن بين الأضلع. كنت أسير في الحياة كمن يملك عهدا أبديا مع القوة، و كأن العافية نهر لن ينضب، و كأن هذا القفص العظمي الذي يحملني سيظل صديقا وفيا لا يخون و لا يتعب. لكن الزمن ذلك المعلم الصامت، كان يعد لي درسا لم أتوقعه، درسا في الهشاشة، في أن الجسد ليس ملكا يدوم، بل أمانة تسترد حين يشاء القدر.
اليوم و أنا أكتب، أشعر أنني أقف على عتبة غامضة بين نسختين من ذاتي، كأنني شاهد على انقسام داخلي لم أستدعه. هناك ذلك الذي كنته، الخفيف، السريع، الواثق من أن غدا سيكون امتدادا طبيعيا لليوم. و هناك هذا الذي أصبحته، الثقيل، المتردد، الذي يحسب أنفاسه كمن يعد نقودا قليلة خشية أن تنفد. بين الاثنين مسافة ضبابية، لا هي بالقصيرة فأتجاوزها و لا بالواضحة فأفهمها. إنها تلك المنطقة الرمادية التي يسكنها الوهن، حيث لا أنا بالمريض تماما فأستريح إلى تشخيص، و لا أنا بالمعافى فأطمئن إلى يقين.
اكتشفت ان الضعف ليس مجرد غياب القوة، بل هو حضور لشيئ آخر ثقيل يشبه الظل الذي ينمو ببطء حتى يبتلع النور. إنه ذلك الإحساس بأن الجسد، هذا الحليف القديم، بدأ يتكلم بلغة غريبة، بلغة الخذلان الهادئ، كل خطوة تصير محسوبة كأنها رحلة، كل حركة تحتاج إلى مشاورة داخلية، و كأن هناك مفاوضات صامتة تجري بين الإرادة و الجسد، بين ما أريد أن أفعل و ما يسمح لي به هذا الوعاء اللحمي الذي يحملني.
ثمة شيئ مريع في أن تشعر بالغربة عن جسدك، أن تنظر إلى يديك فتراهما بعيدتين قليلا عما كانتا، أن تصعد درجا كنت تقفزه فتجد نفسك تتوقف في منتصفه لتلتقط أنفاسك. هذه الأنفاس التي لم تكن يوما موضع انتباه، صارت الآن حدثا يراقب، شيئا ثمينا قد يسرق منك في غفلة. تصبح واعيا لكل شهقة و زفرة، كأنك تعد ممتلكاتك الأخيرة أو كأنك تتفقد ما تبقى من رصيدك في بنك الحياة.
أما الادهى و الأمر أن الامر لا يتوقف عند التعب الجسدي، بل يتعداه إلى ذلك القلق الوجودي الذي يتسلل كالضباب، يملأ الفراغات، يسكن الزوايا المظلمة من الوعي. تبدأ الأسئلة بالظهور، أسئلة كنت تؤجلها أو تتجاهلها: ماذا لو لم يكن هذا عابرا؟ ماذا لو كان هذا الوهن ليس استراحة محارب، بل بداية انسحاب؟ ماذا لو أن الجسد، ذلك الصديق الصامت، يحاول أن يخبرني بشيئ لا أريد سماعه، يهمس لي بأن العقد بيننا يقترب من نهايته، أو على الأقل من مراجعة شروطه؟
أقاوم هذه الأفكار حينا، أطردها كما يطرد المرء ضيفا ثقيلا، ثم أجدها تعود في الليل، في تلك اللحظات التي تسبق النوم، حين تسقط الأقنعة و يواجه الإنسان نفسه عاريا من الأوهام. أقول لنفسي إنني أبالغ، إن الخيال يركض بي بعيدا، ثم أستيقظ صباحا فأجد الوهن نفسه ينتظرني، كأنه رفيق لم أختره لكنه قرر ملازمتي.
الأشد إيلاما ليس الألم الجسدي ذاته، فللألم على الأقل وضوح، له حدود يمكن تحديدها. الأشد إيلاما هو هذا الإحساس بالاغتراب عن الذات، هذه المسافة التي تتسع بينك وبين من كنته. تتذكر ذلك الإنسان الذي كان يركض صعودا دون أن يلتفت، الذي كان ينام فيستيقظ كاملا، الذي لم يكن يحتاج إلى استئذان جسده قبل أن يفعل شيئا. تنظر إليه كما تنظر إلى صورة قديمة، بدهشة الفقدان، بحنين ممزوج بكفر، كأنك تسأل: هل كنت حقا ذلك الشخص؟ كيف تبدل كل شيئ بهذه السرعة الخاطفة؟
إن للضعف فلسفته الخاصة المختلفة، إنه يعلمك أن الجسد ليس مجرد أداة نستخدمها، بل هو شريك في هذه الرحلة القصيرة المسماة حياة، شريك له رأيه، له حدوده، له صوته الذي قد نتجاهله طويلا لكنه في النهاية يسمع. الضعف يكشف لك هشاشتك الأصلية، تلك التي كنت تخفيها خلف قناع القوة و الاكتفاء. يذكرك بأنك كائن مؤقت، أن هذا البناء الذي تسكنه ليس أبديا، بل له عمرا افتراضيا و صلاحية قد تنتهي دون إنذار مسبق.
و مع هذا القلق و هذا الخوف الذي يسكن الصدر كطائر جريح، تأتي لحظات من الوعي الحاد، لحظات نادرة كالجواهر. حين يضيق العالم قليلا، حين تتباطأ الحياة، تبدأ في رؤية ما كنت تمر عليه مسرعا. تلاحظ هدوء الغرفة، ذلك السكون الذي كان دائما موجودا لكنك لم تكن تسمعه. تلاحظ الضوء و هو يتسلل من النافذة، كيف يرسم أشكالا على الجدار، كيف يتغير مع مرور الساعات. تصغي إلى صوت أنفاسك، ذلك الإيقاع البدائي الذي يربطك بالحياة، فتكتشف موسيقى لم تعرف أنها موجودة.
كأن الحياة و هي تضيق حدودها، تكشف عن جوهرها. كأن الوهن، بطريقة مفارقة يمنحك وضوحا ما كانت القوة لتمنحه لك. في الضعف تسقط الزوائد، تتلاشى الأولويات الزائفة، و تبقى الأشياء في عريها الأصلي. تدرك أن الكثير مما كنت تظنه مهما ليس سوى ضجيج، و أن الأشياء البسيطة هي في الحقيقة كل ما يملكه الإنسان.
لا أعرف إن كنت أقترب من نهاية ما، أم أنني أمر فقط في نفق مظلم له ضوء في آخره، لا أعرف إن كان هذا الجسد سيستعيد عافيته، أم أنه دخل مرحلة لا عودة فيها إلى ما كان. لكن ما أعرفه، وسط كل هذا الضباب، أن شيئا ما يتغير في الداخل، أن هناك تحولا يحدث ليس في العضلات و الأعضاء فحسب، بل في طريقة النظر إلى الوجود برمته. الوهن هذا المعلم القاسي، يعيد تشكيل الروح كما تعيد النار تشكيل المعدن.
أكتب لا لأشكو بل لأفهم، لأن الكلمات، في هذه اللحظة تحديدا، هي الخيط الذي يربطني بنفسي، بذلك الجزء مني الذي لا يزال يقاوم، الذي لا يزال يريد أن يفهم معنى ما يحدث، الكتابة صارت طقس بقاء، محاولة لتثبيت الذات وسط هذا التبدل المستمر، لملمة ما تبقى من الإحساس بالهوية قبل أن يذوب تماما في بحر الوهن.
و لعل هذا كله في النهاية، ليس إلا تذكيرا بأن الحياة ليست ملكا بل إعارة و أن الصحة ليست حقا مكتسبا، بل هبة قابلة للسحب و لعل الدرس الأعمق هو أن نتعلم كيف نعيش لا في القوة فقط، بل في الضعف أيضا، كيف نجد معنى ليس في الامتلاء فحسب، بل في النقصان كذلك. فالإنسان، في جوهره، هو ذلك الكائن الذي يقف دائما على حافة، بين الوجود و العدم، بين القوة و الوهن، بين الحياة و ما بعدها. و ربما الحكمة كلها تكمن في تعلم الوقوف على هذه الحافة بشيئ من الكرامة و بشيئ من الوعي و بكثير من التواضع أمام هذا اللغز الكبير المسمى وجود.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟