أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - محمد الهنبوت - مؤامرة الاقصاء














المزيد.....

مؤامرة الاقصاء


محمد الهنبوت

الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 13:03
المحور: كتابات ساخرة
    


تقول العبارة المنسوبة إلى عائشة الحرة، أم أبي عبد الله الصغير، آخر ملوك الأندلس: ابك كالنساء ملكا لم تحافظ عليه كالرجال. لم تكن تلك الجملة مجرد تقريع أم لابنها، بل كانت ختاما داميا لسبعة قرون من المجد والحضارة، يوم وقف الملك المهزوم على تلة الوداع ينظر إلى غرناطة وهي تنفرط من بين يديه، بعدما سلم مفاتيحها إلى فرناندو وإيزابيلا، وطوى بارتجافة ضعف صفحة كانت يوما فردوسا تتغنى به الأمم.
في ذلك المشهد الأندلسي الحزين، لم تكن الدموع هي الخطيئة الكبرى، بل كان ما سبقها: سوء التدبير، وتراكم الوهم، والاطمئنان إلى أسوار نخرتها الغفلة، والانشغال بتبرير الهزيمة بدل منعها. فغرناطة لم تسقط في لحظة تسليم المفاتيح وحدها، بل سقطت قبل ذلك حين ضاعت البصيرة، وتفرقت الإرادة، وغلب صوت العناد على حكمة النجاة. لذلك بقي بكاء أبي عبد الله في ذاكرة التاريخ رمزا لمن أضاع الملك، ثم بحث في الدمع عن عزاء لا يمنح الغفران.
وما أشبه سبعة قرون من المجد الأندلسي بثلاثة أرباع مباراة كروية ظنت فيها الجماهير المصرية أن الحلم صار حقيقة. فكما امتدت غرناطة زمنا طويلا شاهدة على العظمة قبل أن تنكسر في المشهد الأخير، ظل نصر الأمس قائما بهدفين لصفر حتى الدقيقة الثمانين، كأن لوحة الفرح اكتملت، وكأن أبواب المجد فتحت، وكأن الأمة الكروية أمسكت أخيرا بخيط حلمها الكبير. كان التقدم بهدفين أشبه بأسوار الحمراء في بهائها الأخير، شامخا في الظاهر، لكنه ينتظر قائدا يعرف كيف يحرسه حين تهب رياح الخطر.
لكن الدقيقة الثمانين كانت كأنها بداية الانحدار من جبل غرناطة. هناك بدأ النصر يتآكل، لا دفعة واحدة، بل كما تتسرب الهزيمة إلى المدن حين تغيب الفطنة ويحل الارتباك. هدف أول أعاد الخوف إلى القلوب، ثم هدف ثان حول الطمأنينة إلى رجفة، جاء كالسيف القاطع، فانقلب ما كان فوزا مؤكدا إلى تعادل موجع، ثم إلى هزيمة تامة سلمت فيها مفاتيح المباراة لمن عرف كيف ينتظر لحظة سقوط الحارس عن بوابته.
لم يضع النصر بالأقدام وحدها، ولا بعبقرية ميسي وحدها. لقد ضاع لأن القيادة الفنية لم تعرف كيف تحمي ما امتلكته، ولم تحسن إدارة اللحظة الفاصلة حين تصبح المباراة ملكا لمن يملك أعصابه، لا لمن يرفع صوته. وكما دخل فرناندو غرناطة من أبواب فتحتها الهشاشة، دخل ميسي إلى قلب الحلم من ثغرات صنعتها الحيرة والتردد وسوء القراءة، فوجد أمامه مفاتيح الفوز سائبة في الدقائق التي لا ترحم.
ثم جاءت الدموع، لكنها لم تكن وحدها عنوان السقوط. كان قبلها وبعدها خطاب المظلومية، ونبرة الفرعنة، والاحتماء بمفردات الكولسة والمؤامرة، كأن الهزيمة لا تصنعها الأخطاء، وكأن النصر لا يضيع إلا بفعل قوى خفية تتربص من وراء الستار. غير أن الجماهير لا تخدع طويلا بهذه اللغة ،فهي تعرف أن المؤامرة الحقيقية أحيانا تكون في العناد، وأن الكولسة الأخطر هي تلك التي يجريها المدرب مع أوهامه، حين يصدق أنه أكبر من النقد وأعلى من الحساب.
لقد كان المطلوب قائدا يطفئ رعب الدقائق العشر الأخيرة، فإذا بالمشهد يكشف رجلا يطلب من الضجيج أن يغطي عجز الخطة، ومن رواية الاضطهاد أن تمحو آثار القرار الخاطئ. وحين تتقدم التبريرات على الشجاعة، وتسبق الشكوى مراجعة النفس، يصبح البكاء جزءا من المشهد لا خلاصا منه لأن القائد الذي يضيع فوزا بهدفين بعد الدقيقة الثمانين لا يكفيه أن يذرف الدمع، بل عليه أن يعترف أولا بأنه ترك الباب مواربا، وأنه سلم مفاتيح الفوز بيده قبل أن ينتزعها الخصم بقدمه.
هكذا انتقل التاريخ من تلة وداع غرناطة إلى مدرجات الأمس، ومن سبعة قرون انتهت بتسليم مدينة، إلى ثمانين دقيقة انتهت بتسليم مباراة. وبين أبي عبد الله الصغير وحسام حسن مسافة قرون، لكن العبرة واحدة ،المجد لا تحرسه الدموع ولا تستعيده روايات المؤامرة، ولا يحميه غرور القادة، المجد يحتاج إلى عقل بارد، وشجاعة في القرار، وتواضع أمام الحقيقة. أما من يفرط فيه وهو متقدم، ثم يقف على أطلاله باكيا، فلن يمنحه التاريخ سوى جملة قاسية تتردد عبر الأزمنة، ابك ما شئت فقد ضاع ما كان يجب أن يحمى.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القائد بوشعيب بين الواقع و الاسطورة


المزيد.....




- فيلم -ابن مين فيهم-.. الكوميديا تجمع مجددا بين ليلى علوي وبي ...
- مريدون في ريو يحتفلون بيوم زي بلينترا بالموسيقى والرقص والدع ...
- موسكو ترمم منزل ومرسم الفنان فالنتين سيروف التاريخي في شارع ...
- Strategic Culture: كييف تجاوزت -نقطة اللاعودة- في استنزاف م ...
- فضل شاكر يعلق على قرار إخلاء سبيله: كتبت لي سطور جديدة في ال ...
- افتتاح مهرجان بطرسبورغ للجاز بعرض موسيقي في الحديقة الصيفية ...
- موسكو.. متحف -بوشكين- يستضيف معرضا عن الفن البوذي الروسي
- مهرجان -اقرأ - استرخ- للكتاب في روسيا يسجّل أرقاما قياسية تا ...
- بعد تغيير اسمه ثلاث مرات.. الانتهاء من تصوير مسلسل -العاصي- ...
- اربيل تستذكر الفنان قرني جميل في معرض تشكيلي بمشاركة 25 فنان ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - محمد الهنبوت - مؤامرة الاقصاء