أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - محمد الهنبوت - مضارب لندن














المزيد.....

مضارب لندن


محمد الهنبوت

الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 09:55
المحور: كتابات ساخرة
    


حطت بي الرحال في مضارب لندن عند ظهيرة لا تشبه ظهائرنا، شمسها خجولة كعذراء في خيمة، وسمائها تبكي بضباب رمادي لا ينقطع. نزلت كبدوي قذفته رياح القدر من بين كثبان الرمل وجبال الأطلس إلى غابات الإسمنت المنظمة بصرامة مرعبة، عاصمة لا تشيخ، هادئة رغم صخبها، وكلما توغلت في دروبها رأيتها تتجدد وكأنها تنفض عن عباءتها غبار القرون والحروب لتولد من جديد. وأنا أقف هنا بعقلي البدوي الذي اعتاد الضجيج والفوضى، أتلفت حولي وأسأل نفسي بسخرية مريرة: كيف صنع هؤلاء القوم كل هذا المجد من لا شيء؟ عجبا لهؤلاء الروم لا يملكون شمسنا التي تنضج التين والزيتون، و تحرق أعصابنا قبل جلودنا، ولا بحرين يعتنقان ارضهم من الشمال و الغرب ولا ثروات تتدفق من باطن الأرض كما في مضاربنا، بل إن نهرهم التايمز هذا، لو جرى في قريتنا بدل واد سوس لسخرنا من كدارة مائه، لكنهم ويا للمفارقة صنعوا من هذا الضباب والوحل إمبراطورية وقانونا وحضارة، وصنعنا نحن من شمسنا الساطعة وجناتنا مجرد سراب نركض خلفه.
نمشي نحن المغاربة، والعرب عموما في أكسفورد ستريت أو البيكاديللي كقطيع مبهور أضاع مرعاه، نفتح أفواهنا أمام نظام السير، ورقي التعامل، وصرامة القانون الذي لا يفرق بين شيخ القبيلة وعامة الناس. ثم نجلس في مقاهيهم الفارهة لنمارس هوايتنا القومية المفضلة: الشكوى وتوزيع صكوك الاتهام. في بلد الحضارة هذا، لا أحد يلوم الآخر، الفرد مسؤول عن نفسه، أما نحن فبارعون في البحث عن مشجب نعلق عليه خيباتنا، نلعن المخزن على تردي أحوالنا، ونشتم الزلط، ونعلق فشلنا على الاستعمار الذي رحل قبل أن نولد، ونلوم الحكومة و الحظ، ونلعن حتى الريح إذا لم تجر بما يشتهيه كسلنا. متناسين الحقيقة المرة أننا تربينا على العجز و على أن النجاح رزق يأتي بالواسطة أو الدعاء، لا بالعمل ، بل ونلوم حثى المرأة ونعتبرها سبب جفاف المطر وفساد الأخلاق، نستهلك أعمارنا في لعن كل شيئ، بينما الرومي هنا يعمل بصمت النمل، فسخر له الكون بقوانينه. أما نحن، فنجلس في المقاهي ، نرتشف الشاي وننفث دخان السجائر، ننتظر أن تمطر السماء حلولا سحرية، مكتفين بيقيننا البارد بأننا شعب الله المختار الذي حجز مقاعد الدرجة الأولى في الجنة بمجرد النطق بالشهادتين، تاركين هذه الدنيا الفانية لهؤلاء الكفار المساكين لينعموا بها، وكأن طريقنا إلى الفردوس لا يمر إلا عبر كرهنا للحياة.
وفي غمرة هذا البرد اللندني الذي يلسع الوجه ويوقظ الحواس للتأمل، تصفعني مقارنة أخرى تجعلني أغص في خجلي. هنا في هذه المدينة التي نطلق عليها في مجالسنا اسم بلاد الكفر والانحلال، أرى منتهى الحرية التي أنجبت منتهى الإبداع. تمشي الشقراء أو السمراء في الشارع، بملابس تكشف أو تستر، فلا تجد عينا تنهش لحمها، ولا لسانا يقذفها بسهم بذيء. الكل منشغل بكتاب يقرؤه أو بفكرة هندسية يبني بها مستقبله. وأتذكر مضاربنا المحافظة جدا، حيث تسير بناتنا، حتى المحجبات منهن والمندسات في جلباب فضفاض، كمن تمشي في حقل ألغام، ترتعد فرائصها وتطأطئ رأسها خوفا من نظرات الذئاب البشرية التي تتربص بها في كل زقاق. والمضحك المبكي، بل السخرية الموجعة التي تدمي القلب، أن هذا الذئب الذي كان ينهش عرضها بلسانه القذر قبل ثوان، ما إن يسمع أذان الصلاة حتى يهرع ليتوضأ ويزاحم المصلين في الصف الأول، مكبرا ومهللا، فأي فصام هذا الذي نرضعه مع حليب الأمهات، لينمو في عظامنا التواء وفي ألسنتنا سما؟ وأي تدين زائف هذا الذي استوطن حناجرنا ليتحول إلى نباح تكفيري، بينما ظلت أخلاقنا عارية تسكنها الجاهلية؟ نحن شعب نصلي في المسجد بقلوب تقطر حقدا، وتخرج لتفتش في عورات الجيران. وإحصاء أنفاس بعضنا البعض.نحن لا نعيش حياتنا، بل نعيش لنراقب حياة الآخرين. لقد تحولنا إلى مجتمع مخبرين بالفطرة، نأكل لحم إخوتنا بشهية مقززة، وننهش جلودهم بغيبة لا تبقي ولا تذر. نبتسم في الوجوه بملامح ملائكية، بينما تعتمل في صدورنا رغبة محمومة في رؤية الآخر يسقط، لنتلذذ بمضغ سمعته وتفتيت كرامته ،بينما الرومي في شوارع لندن يمر بك كأنك نسمة هواء، لا يقتحم خصوصيتك، ولا يفتش في نواياك، ولا يعنيه إن كنت ساجدا أو عاصيا، فالحساب عنده يقاس بالإنتاج لا بالادعاء. أما نحن فقد برعنا في هندسة النفاق نبني جدران بيوتنا عالية لنخفي وراءها كبائرنا، ثم نخرج لنرمي الناس بحجارة الطهرانية الزائفة. نحن مجتمع المظاهر المنتفخة والخواء الموحش، نقدس السترة ليس حبا في العفة، بل خوفا من أن تنفضح رداءة نوايانا أمام قطيع يشبهنا في القذارة وينافسنا في الادعاء.
. المسافة بيننا وبين هذه الحضارة ليست جغرافيا، بل هي الهوة السحيقة بين بشر قرروا أن يكونوا صادقين مع بشريتهم، وقوم أدمنوا العيش في وحل النفاق، يقتاتون على فضائح بعضهم البعض، ويظنون واهمين أن مفاتيح الجنة لا تمنح إلا لمن كان أبرعهم في كره الحياة وشتم الأحياء.
أقف أمام تماثيل لندن ومسارحها العتيقة، وأدرك تماما أن الخلل ليس في نقص الموارد ولا في قسوة الجغرافيا، فبلادنا تملك من المقومات ما يجعل لندن تبدو كقرية شاحبة أمامها. الخلل في هذه الجمجمة التي نحملها فوق أكتافنا، في تركيبتنا المعطوبة، في عقليتنا التي تصفق للتشدد والانغلاق باسم الأصالة، وترتعد من الحرية وتعتبرها انسلاخا عن الهوية. هم آمنوا بالإنسان، بحريته المطلقة ومسؤوليته، فصنعوا حضارة لا تموت، ونحن كفرنا بالإنسان وقدسنا القيود والأوصياء، فحولنا جناتنا إلى سجن كبير مليء بالحراس والمنافقين. متى يستيقظ هذا المجتمع من وهمه؟ سؤال توقفت عن طرحه منذ زمن، فالمسافة بيننا وبينهم ليست بضع ساعات طيران من مطار المسيرة إلى هيثرو، بل هي قرون ضوئية من العقلانية والصدق مع الذات وأنا هنا، مجرد بدوي أضاع بوصلته في مدينة لا تعترف بالخرافة، يبكي وطنا يملك كل شيء، ولا يملك نفسه.



#محمد_الهنبوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في مديح الحضور ونبش الذاكرة: هوارة واستعادة الهوية من براثن ...
- القبو
- كل أيام الله مباركة
- سحر العناق
- الهروب الكبير
- نوستالجيا
- أنا عندما كنت
- مرسي الزناتي انهزم يا رجالة
- مؤامرة الاقصاء
- القائد بوشعيب بين الواقع و الاسطورة


المزيد.....




- حكايات شعوب روسيا تتحول إلى مسلسل رسوم متحركة جديد
- -موسكونسيرت- تختتم احتفالاتها بالذكرى الـ95 بحفل في قصر الكر ...
- من الخرافة إلى رمز الأولمبياد.. كيف أصبح الدب وجها لروسيا؟
- -وقال (ت) نسوة في المدينة- تقتنص جائزة يحيى الطاهر عبد الله ...
- -النورس- يحلّق من جديد.. تشيخوف برؤية مسرحية مختلفة في بطرسب ...
- لإضافة اسم ترمب.. مجلس إدارة مركز كينيدي يلتف على القضاء ويع ...
- غدا السبت .. افتتاح مهرجان القلعة الدولى للموسيقى
- الشرطة البرازيلية تستعيد 8 لوحات نادرة مسروقة للفنان هنري ما ...
- غزة إلى سباق الأوسكار 2027.. سويسرا تختار وثائقي -من لا يزال ...
- جولي أندروز تعلن اعتزال التمثيل وتغيب عن -يوميات الأميرة 3- ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - محمد الهنبوت - مضارب لندن