أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الهنبوت - سحر العناق














المزيد.....

سحر العناق


محمد الهنبوت

الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 14:16
المحور: الادب والفن
    


العناق ليس التفاف ذراعين فحسب، بل هو انقلاب لطيف في نظام العالم هو ضيق يتسع، وسكون يضج، وصمت يتكلم. هو المنطقة الصفر في جغرافيا الوجع، و في الوقت نفسه النقطة المئة في حساب الطمأنينة، هناك يتوقف الزمن عن الجريان لا عجزا عن الحركة، بل اكتفاء بالوصول، وتكف الأرض عن الدوران حول نفسها، لا لأن الفلك اختل، بل لأن القلب وجد مركزه أخيرا. ومن هنا صح القول إن الحضن أكثر الأماكن الضيقة اتساعا، لأننا لا نكون بإزاء مساحة تحدها الذراعان، بل بإزاء فسحة لا تحدها إلا قدرة الروح على أن تخلع أثقالها وتتنفس.
لذلك ما إن يطوقك من تحب حتى يقع ذلك الحدث الخفي الذي يشبه المعجزة ولا يحتاج إلى برهان ، ينكمش الكون ليتسع، العالم ليكبر، ويبهت الضجيج ليصفو السمع الداخلي ،وتتقلص الحروب البعيدة، وتتراجع المجرات المتعالية، وتخفت صراعات النهار كلها، حتى لا يبقى من العالم إلا صدر واحد يتسع لما لا تتسع له القارات. ذلك أن الضيق المادي، على خلاف ما يوحي به ظاهره، ليس فقرا في المساحة، بل غنى في المعنى ، هو حرمان من الفراغ، ومنح للاحتواء. إننا نضيق بالمكان كي ننجو من اتساع الغربة، ونلوذ بهذا القرب الشديد هربا من ذلك البعد الفسيح. فكم من ميدان مترامي الأطراف ضيق على الروح حتى اختنقت فيه، وكم من زاوية صغيرة ردت إلى القلب سعته الأولى. العالم على سعته، قد يكون قفرا بلا قسمات، أما الحضن فعلى ضيقه وطن يحد الجسد لكنه يطلق الروح، ويضغط المسافة لكنه يمنح الأمان.
ثم إن الإنسان في أصل تكوينه النفسي، ليس كيانا مستقيما كما يبدو، بل شتات مؤجل في هيئة شخص بعضه متورط في الأمس، وبعضه مرهون لغد لم يأت، وبعضه مستنزف في تفاصيل اليوم التي تأكل القلب ببطء. ومن ثم حين يدخل المرء في غمار الحضن، لا يقع مجرد تقارب جسدي، بل تحدث إعادة ترتيب ، وكأن الفوضى تعثر فجأة على قانونها، وكأن الشظايا تعرف للمرة الأولى طريقها إلى الاكتمال. في ذلك الضيق العذب تنتظم فوضى الروح، وتلتئم كسورها في هدوء لا ضجيج فيه. فأنت لا تعانق الآخر لتلتصق به وحسب، بل لتعثر عبره عليك، كأنك تسترد نفسك من الزحام، وتستخرجها من بين أنياب الأيام. هناك يسقط القناع لأنه لا ضرورة له، وتتلاشى الدروع لأنها تصير عبئا لا حماية، وتغدو القوة في أبهى صورها نوعا من الاعتراف بالهشاشة. فليس الأمان أن تبدو صلبا، بل أن تجرؤ على أن تكون لينا دون خوف.
و هنا تصمت اللغة، لا فقرا في البيان، بل لأن البيان نفسه يبلغ حده الأخير ،الكلمات في الحضن لا تفشل، وإنما تتواضع، تعرف أن ثمة معاني أوسع من أن تحملها الحروف، وأصدق من أن تختصر في جمل. لذلك تتقدم الحواس إلى الواجهة، ويتكلم النبض بما عجزت عنه البلاغة، وتقول الأنفاس ما لم تستطع العبارة أن تقوله. هناك يجري تبادل خفي لا تراه العين، لكنه يرى بأثره: يمتص القوي انكسار الضعيف دون منة، ويمنح المطمئن بعض سكينته للمضطرب دون شرح. وهنا يتجلى التناقض الجميل في أكمل صوره، فأنت تكون محصورا بين ذراعين، ومع ذلك تشعر أنك انفلت من كل حصار، وتكون في أضيق نقطة من المكان، ومع ذلك يمتد داخلك أفق لا ينتهي. لأن الذي يصنع السعة ليس الفراغ، بل الأمان والذي يخلق المدى ليس البعد، بل الطمأنينة.
وعلى هذا فالحضن ليس تماس أجساد بقدر ما هو ترميم أرواح، ليس اقتراب ظاهر فحسب، بل نجاة باطن. النفس البشرية، مهما ادعت التماسك، مفطورة على خوف قديم من العراء العاطفي تخشى أن تترك مكشوفة أمام برد الوحدة، فتبحث بوعي أو بغير وعي، عن غطاء يرد عنها صقيع العالم. والحضن هو ذلك الغطاء الأخير، وتلك النار الهادئة التي لا تحرق بل تدفئ،، يطفئ رجفة الداخل دون أن يلهب الجسد، ويستر هشاشتنا من غير أن يفضحها. وحين تضيق المسافة الفيزيائية حتى تكاد تنعدم، تنفتح المسافة الروحية حتى تكاد لا تحد فيصير النبض ميزان الحقيقة، ويغدو النفس المتقابل مع صدرك أكسجينا من نوع آخر، لا يملأ الرئتين فحسب، بل يعيد إعمار المدن المنهارة فيك حجرا حجرا، وحنينا حنينا.
لذلك فإن وصف الحضن بأنه أكثر الأماكن الضيقة اتساعا ليس لعبة لغوية، ولا ترفا بلاغيا يقوم على التناقض وحسب، بل هو اعتراف بليغ بأن المقاييس تخطئ أحيانا حين تكتفي بالظاهر. فالحجم لا يقاس بالامتداد، بل بالاحتواء، والسعة لا تفهم من عدد الأمتار، بل من مقدار ما تقدر عليه من نجدة القلب. وما جدوى الميادين الشاسعة إذا مشينا فيها غرباء، كأن الأرض تتسع تحت أقدامنا وتضيق في صدورنا؟ وما أبهى الزوايا الضيقة إذا آوتنا، حتى شعرنا فيها أن العالم، بكل ما فيه، صار أقل وحشة وأكثر رحمة؟
فإذا ضاقت عليكم الجهات، وتآمر عليكم اتساع العالم حتى صار كالسجن، وإذا طاردتكم الأيام بسياطها، وناوشتكم الخيبات من كل ناحية، فلا تبحثوا عن نجاة بعيدة ولا عن مرافئ موهومة، فالعدو أمامكم خوف يفتح فمه، وقلق يمد مخالبه، ووحدة تتربص بكم عند المنعطفات ، والبحر وراءكم ماض لا يعود، وندم لا يرحم، وذاكرة إن رجعتم إليها ابتلعتكم أمواجها. فما لكم، والله، إلا صدور أحبتكم إليها الفرار الذي يشبه الشجاعة، وفيها الهزيمة التي تشبه النصر.
اعبروا إلى صدور أحبتكم فإن فيها من الاتساع ما يكفي لشتاتكم، ومن الدفئ ما يكفي لصقيعكم، ومن الصمت ما يكفي لكل ما عجزتم عن قوله. لا تجعلوا بينكم وبين الحنان مسافة من عناد، ولا بينكم وبين الطمأنينة جدارا من كبرياء فالعمر أقصر من أن نؤجل عناقا كان قادرا على إنقاذنا، وأقسى من أن نترك قلوبنا تقاتل وحدها في العراء.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهروب الكبير
- نوستالجيا
- أنا عندما كنت
- مرسي الزناتي انهزم يا رجالة
- مؤامرة الاقصاء
- القائد بوشعيب بين الواقع و الاسطورة


المزيد.....




- فنانة مصرية توجّه استغاثة عاجلة لوزارة الداخلية
- أصالة تعود إلى دمشق بعد غياب.. رحلة إلى البيوت التي خبأت طفو ...
- الإرميتاج يبحث عن أسرار فينوس تاوريد.. من مصدر الرخام إلى أل ...
- حجر رشيد مفتاح فهم اللغة المصرية القديمة
- القدس... معركة الرواية التي لا يجوز أن نخسرها
- بوتين يعلق على قصة مؤثرة من يوم النصر: -وسيكون هناك حليب-
- الموسيقى تعانق الجسور.. بطرسبورغ تستضيف مهرجان -جسور لينينغر ...
- الخارجية الروسية: الرواية الألمانية لتفجير -السيل الشمالي- ت ...
- ترامب ينقذ طفلا من السقوط على المسرح ويحول الموقف إلى نكتة ع ...
- خمسة انقلابات غيّرت وجه الإمبراطورية الروسية


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الهنبوت - سحر العناق