محمد الهنبوت
الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 09:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم تعد قوارب الهجرة السرية التي تنطلق من السواحل المغربية مجرد حوادث متفرقة أو مغامرات فردية معزولة، بل أضحت مؤشرا اجتماعيا وسياسيا بالغ الدلالة. ما يحدث اليوم يتجاوز فكرة الهروب من الفقر أو البطالة في معناها الضيق، ليعكس في العمق تصويتا جماعيا بالأقدام ركضا والأجساد سباحة ضد واقع فقد فيه كثير من المواطنين الثقة في السياسة، وفي المؤسسات، وفي جدوى الوعود المتكررة.
فحين يختار الإنسان البحر، بما يحمله من موت محتمل، فإنه لا يغادر مكانا إلى آخر فحسب، بل يعلن أيضا أن اليأس في الداخل صار، في نظره، أشد قسوة من المجهول في الخارج.
الهجرة، بهذا المعنى، لم تعد مجرد انتقال جغرافي، بل غدت حكما اجتماعيا وأخلاقيا على حصيلة سنوات طويلة من الخطاب العمومي الذي وعد بالشغل والكرامة والعدالة الاجتماعية، دون أن ينجح في تحويل تلك الشعارات إلى أثر ملموس في حياة فئات واسعة من الناس. وكل قارب يغادر السواحل محملا بالشباب والنساء والأطفال، إنما يحمل معه رسالة صامتة ولكنها شديدة الوضوح: هناك فجوة عميقة بين ما يقال وما يعاش.
ولعل ما يزيد هذا المشهد قتامة هو أنه يتكرر، في الغالب، في سياقات تتزامن مع مواسم الخطاب الانتخابي، حيث ترتفع الوعود، وتكثر البرامج، وتتسع المسافة في المقابل بين اللغة السياسية وحقيقة الواقع. فكلما اقترب موعد الاقتراع، بدا للناس أن صندوق التصويت لم يعد كافيا لتغيير شروط حياتهم، وأن ما يعرض عليهم في الحملات لا يتجاوز في أحيان كثيرة إعادة تدوير الكلام نفسه بعبارات جديدة. وهكذا، كلما فرغت الصناديق من الثقة، امتلأت القوارب باليأس.
غير أن الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن مأساة الهجرة تبدأ عند البحر. فالحقيقة أن الهروب يبدأ قبل ذلك بكثير، يبدأ من الداخل: من الأحياء المهمشة، ومن المدن التي أنهكت بالانتظار، ومن القرى التي طالها التهميش، ومن الفئات التي لم تعد ترى في محيطها القريب سببا مقنعا للبقاء. ومن هنا تبرز أهمية ما وقع في أولاد تايمة ذات صباح من11 شتنبر من سنة 2019 ذلك الحدث الذي لم يكن عابرا، بل كان كاشفا لمعنى الأزمة في صورتها الأكثر وضوحا.
يوم تحولت دار الشباب بأولاد تايمة إلى طابور بشري طويل بعد الإعلان عن فرصة عمل موسمية في الحقول الفرنسية، لم يكن المشهد مجرد إقبال على فرصة شغل عابرة، بل كان مشهدا يحمل دلالة أعمق بكثير. رجال ونساء، شباب وكهول، متعلمون وأميون، عاطلون وموظفون، تدفقوا كما لو أنهم يتجهون نحو باب نجاة أخير. لم يكن ذلك مجرد طلب للعمل، بل كان إعلانا جماعيا عن فقدان الثقة في الداخل، ورسالة مؤلمة مفادها أن الخارج، ولو بشروط قاسية، بات في نظر كثيرين أكثر إغراء من البقاء في واقع مسدود الأفق.
وتزداد قوة هذه الصورة حين نستحضر أن أولاد تايمة ليست هامشا معزولا ولا أرضا قاحلة خارج دورة الاقتصاد، بل تقع في قلب هوارة، تلك المنطقة التي تقدم دائما باعتبارها مجالا فلاحيا حيويا، غنيا بالأرض الخصبة، والإنتاج، والحركة التجارية. غير أن ما تظهره الأرقام والمؤشرات العامة لا يعكس دائما ما يعيشه الناس في تفاصيل حياتهم اليومية. فالمشكل لا يكمن فقط في وجود الثروة، بل في كيفية توزيع ثمارها، وفي مدى إحساس السكان بأنهم شركاء حقيقيون في خيرات مجالهم، لا مجرد يد عاملة موسمية على أرض لا تعود عليهم بكرامة دائمة.
ومن هنا، فإن طابور دار الشباب لم يكن فقط بحثا عن فرصة عمل في الخارج، بل كان أيضا أسئلة معلقة في وجه النخب المحلية: كيف يمكن لمنطقة توصف بالحيوية والإنتاج أن تدفع أبناءها إلى التزاحم بالآلاف من أجل عمل موسمي خارج الوطن؟ وكيف يمكن لمجال فلاحي غني أن يعجز عن منح جزء معتبر من شبابه شعورا بالاستقرار والانتماء والأفق؟ وكيف تفتح المؤسسات العمومية لتسجيل الراغبين في الرحيل، بينما تعجز، في المقابل، عن لعب دورها الكامل في التأطير، والإدماج، وفتح مسارات الأمل داخل البلد نفسه؟
هذه الأسئلة لا تستهدف التشهير بأحد، بقدر ما تدعو إلى مراجعة صريحة ومسؤولة. فالنخب السياسية والاقتصادية والانتخابية في هوارة مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن تقرأ هذه الوقائع باعتبارها إنذارا مجتمعيا لا مجرد حدث عابر. والرسالة الضمنية هنا واضحة: لا يكفي الافتخار بمؤهلات المنطقة، إذا كان جزء من أبنائها لا يرى نفسه في ثمار تلك المؤهلات. ولا يكفي الحديث عن التنمية، إذا بقي أثرها محدودا في حياة من يفترض أنهم أول المستفيدين منها.
إن ما وقع في أولاد تايمة كشف كذلك هشاشة جزء من الخطاب التنموي الذي يكثر من المفاهيم الكبرى، لكنه يضعف عند الامتحان الواقعي. فحين تصبح أول فرصة يراها الشباب فرصة قادمة من شركة أجنبية، لا من محيطهم الاقتصادي المحلي، فإن ذلك يعني أن هناك خللا ينبغي الاعتراف به قبل محاولة تجميله. والخلل هنا ليس فقط في الاقتصاد، بل أيضا في العلاقة بين المواطن والسياسة، بين الوعود والنتائج، بين الانتظارات المشروعة والجواب العمومي الملموس.
ولهذا، فإن الربط بين الوعود الانتخابية غير المنجزة والهروب الجماعي ليس مبالغة بل توصيف لواقع يتكرر. ذلك أن كل وعد يرفع في الحملات ثم يتبخر بعد الانتخابات، لا يخلف خيبة عابرة فقط، بل يراكم طبقات جديدة من فقدان الثقة. ومع مرور الوقت، لا يعود المواطن يطالب بالكثير بل يكفيه أن يرى صدقا في القول، وحدا أدنى من الجدية، وشعورا بأن من يتحدثون باسمه يدركون فعلا طبيعة معاناته. وعندما يغيب ذلك، يصبح الانسحاب من السياسة، أو من المجال كله، واردا بل مفهوما.
ومن أخطر ما تكشفه هذه الظاهرة أن اليأس لم يعد فرديا أو محدودا في فئة واحدة. فحين تتجه النساء إلى الهجرة، وحين ترافق العائلات أطفالها نحو المجهول، فذلك يعني أن الأزمة تجاوزت حدود العجز عن الشغل إلى اهتزاز الرغبة في البقاء نفسها. هنا لا تعود المسألة مجرد بطالة، بل تتحول إلى سؤال عن معنى الوطن في الوعي اليومي للمواطن: هل ما زال فضاء للعيش الكريم، أم صار مجرد محطة انتظار طويلة نحو مكان آخر؟
في هذا السياق، تبدو الانتخابات، بالنسبة إلى كثيرين، طقسا متكررا أكثر منها فرصة حقيقية للتغيير. وحين يشعر الشاب أن صوته لا يبدل شروط حياته، فإنه يبحث عن لغة أخرى للتعبير: قد تكون العزوف، وقد يكون الصمت، وقد يكون البحر. ومن هنا يمكن القول إن الحريك صار، لدى بعض الفئات، ورقة الاقتراع الأخيرة لا لأنها ترفض الوطن، بل لأنها لم تعد تجد داخله ما يقنعها بأن المستقبل ممكن.
إن الرسالة التي ينبغي أن تلتقطها النخب الهوارية من كل ذلك ليست رسالة اتهام بقدر ما هي دعوة إلى التواضع السياسي والواقعية البرامجية. فالمطلوب اليوم ليس إنتاج خطابات انتخابية أكثر بلاغة، ولا قوائم وعود أوسع انتشارا، بل مطلوب قبل كل شيئ برامج صادقة، قابلة للتنفيذ، مرتبطة بالحاجات الحقيقية للناس اللذين لم يعودوا ينتظرون الكلمات الكبيرة بل أجوبة صغيرة ولكن حقيقية: فرص شغل محلية تحفظ الكرامة، دعم فعلي للتكوين، عدالة في الولوج إلى الموارد، إنصاف للمجال القروي، وشفافية في تدبير الشأن المحلي.
ومن هنا فإن أي برنامج انتخابي جاد في هوارة، أو في غيرها، ينبغي أن ينطلق من هذه الحقائق لا أن يقفز فوقها. ينبغي أن يعترف بأن أزمة الثقة قائمة، وأن معالجة آثارها لا تكون بالشعارات، بل بربط المسؤولية بالمحاسبة، وربط الاستثمار بالتشغيل المحلي، وربط استغلال الثروة بإعادة توزيع منافعها على السكان. كما ينبغي أن يستحضر أن الشباب لا يريد فقط مناصب شغل مؤقتة، بل يريد إحساسا بالجدوى والانتماء والمكانة داخل مجتمعه.
والرسالة الضمنية الأهم هنا إلى النخب السياسية في هوارة هي أن الناس لم يعودوا يطلبون المستحيل، بل يطلبون فقط ما يصدقونه. ومن أراد أن يستعيد ثقتهم، فعليه أن يبدأ من الواقع كما هو، لا كما تحبه الحملات الانتخابية أن تصوره. عليه أن يتحدث بلغة الإنجاز الممكن، لا بلغة التسويق السياسي. وأن يدرك أن المواطن الذي يقف ساعات في طابور من أجل عقد موسمي في الخارج، لن تقنعه الوعود الفضفاضة ولا الأرقام المجردة، بل سيقيس كل كلام بميزان تجربته اليومية.
لقد أصبحت دار الشباب بأولاد تايمة رمزا يتجاوز جدرانها ووظيفتها الإدارية. صارت علامة على أن بعض المؤسسات العمومية لم تعد، في نظر فئات واسعة، فضاءات لبناء المستقبل داخل البلد، بل محطات عبور نحو خارجه. وهذا في حد ذاته سؤال موجع حول وظيفة السياسات المحلية، وحول مدى قدرتها على إعادة وصل الناس بمجالهم، وبأملهم، وبإحساسهم بأن هذه الأرض لهم وليست فقط مكانا للعمل الشاق أو الانتظار الطويل.
وفي النهاية، ليست العبرة من هذا النص في استعادة مشهد مؤلم فقط، بل في فهم ما يقوله ذلك المشهد بوضوح: لا يمكن مطالبة الناس بالثقة في السياسة إذا كانت السياسة لا تنصت جيدا لحقائقهم. ولا يمكن الحديث عن نجاح التجربة الديمقراطية بمعزل عن قدرة هذه التجربة على تقليص أسباب اليأس. فالسؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن سيفوز في الانتخابات، بل بما إذا كانت الانتخابات نفسها ستنتج هذه المرة معنى جديدا للسياسة، أو ستكرر المسار نفسه الذي يدفع المزيد من الناس إلى الحواف.
لقد قالت أولاد تايمة، في ذلك اليوم، ما لم تقله الخطب الرسمية: إن الكرامة حين تضيق في الداخل، يتحول الخارج إلى حلم، ولو كان قاسيا. وقالت أيضا إن الأرض، مهما كانت خصبة، لا تكفي وحدها إن لم يشعر أبناؤها أنهم شركاء في خيراتها. أما الرسالة الأخيرة، والأكثر حساسية، فهي أن أفضل برنامج انتخابي اليوم ليس ذلك الذي يعد أكثر، بل ذلك الذي يعد أقل وينجز أكثر.
إن الهجرة ليست فقط أزمة حدود، بل أزمة ثقة ومعنى وعدالة. وما وقع في أولاد تايمة ليس حدثا عابرا في ذاكرة هوارة، بل درس سياسي وأخلاقي عميق. فإذا أرادت النخب المحلية أن تستعيد شيئا من المصداقية، فعليها أن تجعل من هذه الوقائع منطلقا لمراجعة حقيقية، لا مادة ظرفية في الحملات. فالمواطن الذي يفكر في الرحيل لا يحتاج إلى من يجمل له الواقع، بل إلى من يغيره بصدق. وعندها فقط، قد تستعيد السياسة معناها، وقد يصبح صندوق الاقتراع بديلا عن القارب، لا مقدمة غير مباشرة إليه.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟