محمد الهنبوت
الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 17:37
المحور:
الادب والفن
أنتمي لزمن حميم كان يسبق طوفان الشاشات الباردة وضجيج الأثير، يوم لم تكن الهواتف المحمولة قد سرقت من العيون بريقها، ولم تكن الإشعارات قد مزقت سكون الخلوات. أنا من حقبة كان التواصل فيها عناقا للأرواح قبل الأجساد، طقسا مقدسا يمارس في محاريب الورق، بعيدا عن زيف التطبيقات وبرودتها. في ذلك العهد الأثير، لم تكن الرسالة مجرد نص ينقل، بل كانت قطعة من الروح تقتطع، نكتبها على مهل حين نغمس أقلامنا في محابر مشاعرنا وننتقي الكلمات كما ينتقي الصائغ نفائس جواهره، نمحو ما لا يليق ببوحنا بشغف وأناة، ونعيد صياغة الجمل حتى تنبض بالحياة. وحين تكتمل الفكرة وتتشبع بالصدق، كنا نطوي الورقة بحنو بالغ، كما يطوى سر ثمين، لنودعها في دفء ظرف أصفر كأوراق الخريف للرسائل التي تجوب الوطن، أو في ظرف أبيض مزركش الحواف، يحمل صورة طائرة تحلق بأشواقنا نحو المغتربين وراء الحدود.
وعلى ظهر ذلك الظرف، كنا نخط عناويننا بحروف بارزة تشي بهويتنا، وفي الوجه الآخر بجوار طابع البريد الذي كان بمثابة ختم للوفاء، نكتب عنوان المرسل إليه بعناية رسام. أما في الزاوية السفلى، فكنا نترك تعويذتنا الأثيرة: شكرا ساعي البريد، تلك الجملة البسيطة التي كانت تحمل بين طياتها امتنانا خفيا ورجاء صامتا لرجل لا نعرف ملامحه، وكأننا نهمس في أذنه: بربك يا حارس المسافات، هذه قطعة من أعمارنا، ونبض من قلوبنا، فاحملها برفق وكن بها رحيما. هذه العبارة المحملة بالود، هي ذاتها التي يقف أمامها جيل الإنترنت اليوم كمن يقرأُ نقوشا على جدار معبد مندثر، لن يفهموا هذا أبدا، ولن يدركوا من هو ساعي البريد هذا الملاك الأرضي الذي كان جناحاه حقيبة جلدية وقدماه المتعبتان الذي كان ينسج بخطواته خيوط الوصل بين القلوب المتباعدة. لن يعرفوا تلك الرعشة التي كانت تسري في الأوصال حين نسمع طرقات بابه المميزة، ذلك الإيقاع الذي كان يشبه دقات القدر. كان قلبنا يقفز في الصدر، والأسئلة تتزاحم: هل هي رسالة؟ من أي بلاد جاءت؟ أهي من ذاك الحبيب أم من الصديق البعيد؟
اليوم تبدل كل شيء، الزمن لم يعد نهرا بل صار برقا، والكلمات صارت رصاصات تطلق من أصابعنا على الشاشات الباردة. الرسائل تصل قبل أن تكتمل الفكرة في الرأس ،قبل أن يرتد الطرف، قبل أن يستقر المعنى في القلب. والرد اللعين، يأتي أسرع من الشعور نفسه، كأننا نتحدث مع آلات لا مع بشر لهم أرواح تحتاج إلى وقت لتتأمل وتشعر وتستجيب.
الكلمة فقدت وزنها الذهبي، صارت خفيفة كالهباء، تطير في فضاء افتراضي بلا قيمة ولا قداسة. نرسل مئات الكلمات في اليوم، آلاف الحروف التي لا روح فيها، نرميها في الفراغ الإلكتروني كمن يرمي الحصى في بحر لا قرار له. لم نعد نزن الكلام، لم نعد نصوغه بعناية، لأننا نعلم أنه إن لم يعجب فسنرسل غيره، وإن أخطأنا فسنمحوه بضغطة زر، لا أثر، لا ندم، لا مسؤولية.
ما خسرناه اليوم ليس البطء فحسب، بل خسرنا شيئا أعمق وأكثر جوهرية، خسرنا القدرة على الانتظار، تلك الفضيلة المنسية، ذلك الفن العظيم الذي كان يصنع من الإنسان إنسانا. الانتظار لم يكن عقابا ولا عذابا، بل كان مساحة للروح تتنفس فيها، فضاء للخيال يحلق فيه بلا قيود. المسافة الزمنية بين إرسال الرسالة واستلام الرد لم تكن فراغا نملؤه بالملل و التتاؤب، بل كانت عالما كاملا من الاحتمالات والأحلام.كنا نملأه بالتخيل، كيف ستكون الوجوه حين تقرأ كلماتنا؟ هل سيبتسمون أم ستدمع عيناهم؟ هل سيفهمون ما بين السطور أم سيكتفون بالظاهر؟ كنا نعيش القلق الجميل، ذلك القلق المشحون بالأمل والخوف معا، نحصي الأيام كما يحصي العاشق نبضات قلبه، ننتظر ساعي البريد كما ننتظر الفجر بعد ليل طويل. وحين تصل الرسالة أخيرا، كان فرحنا لا يوصف، كنا نمزق الظرف بأيد ترتعش، نقرأ الكلمات ببطء، نتذوقها حرفا حرفا، نعيد قراءتها مرارا، نبحث عن المعاني الخفية، نشم الورقة علنا نشم رائحة المرسل، نحفظ الرسالة في صندوق الذكريات كأنها مخطوطة نادرة.
أما اليوم، فقد صرنا نكره الانتظار، نعتبره إهانة وإهمال وإن تأخر الرد دقائق نصاب بالقلق، وإن تأخر ساعات نشعر بالغضب، وإن تأخر يوما نعتبره خيانة. لم نعد نحتمل الصمت، لا نطيق الفراغ، نريد كل شيء الآن، في التو واللحظة. استعجلنا الحياة كلها، استعجلنا المشاعر والعلاقات والتجارب، كأننا في سباق مع عدو مجهول، أو كأننا نهرب من شيء ما نحو لا شيء.أما المفارقة المأساوية أن كل هذا التسارع، كل هذا الاستعجال المحموم، لم يجلب لنا السعادة بل زاد من قلقنا وتوترنا. صرنا أكثر قلقا من أي جيل مضى، رغم أننا نملك كل وسائل التواصل السريع. لأن من لا ينتظر لا يتصالح مع الزمن، ومن لا يتصالح مع الزمن يعيش دائما في صراع أبدي، مستعجلا ومتأخرا في الوقت نفسه، لاهثا خلف شيء لا يدركه، هاربا من شيء لا يفهمه.
نعيش في زمن المفارقات الغريبة نملك كل شيء لكننا نشعر بالفقر، متصلون بالعالم كله لكننا نحس بالوحدة، نتواصل طوال الوقت لكن لا تواصل حقيقي بيننا. الشاشات التي كان من المفترض أن تقربنا صارت جدرانا عازلة، والتطبيقات التي وعدتنا بالسهولة صارت أغلالا نحملها في جيوبنا، نعبدها بأصابعنا آلاف المرات في اليوم، نتفقدها بقلق المدمن، ننتظر الإشعارات كأنها رسائل من السماء.
السؤال اليوم ليس لماذا تغير الزمن، فالزمن بطبيعته متغير، كالنهر لا يمكن أن نسبح في مائه مرتين. وليس السؤال لماذا اختفى ساعي البريد، فكل شيء في الحياة يولد ويكبر ويشيخ ويختفي. السؤال الحقيقي أبسط وأعمق في آن، هل مازلنا نستطيع الانتظار؟ هل مازالت فينا تلك القدرة الإنسانية العظيمة على التريث والصبر والترقب؟ أم أننا فقدناها إلى الأبد ونحن نظن أننا في زمن السرعة والتقدم؟
هل مازال بإمكاننا أن نجلس في صمت دون أن نمسك الهاتف؟ هل نستطيع أن ننتظر ردا دون أن نفقد صوابنا؟ هل يمكننا أن نعيش اللحظة دون أن نوثقها ونشاركها مع العالم؟ أم أننا صرنا عبيدا للحظة، أسرى للسرعة، ضحايا لوهم أن الحياة السريعة هي الحياة الأفضل؟
أحن إلى ذلك الزمن لا لأنه كان أفضل بالضرورة، بل لأنه كان أكثر إنسانية حيث كانت للأشياء قيمتها ووزنها، والكلمة كانت عهدا والرسالة كانت جسرا حقيقيا بين القلوب. أحن إلى الظرف الأصفر وإلى ساعي البريد وإلى تلك العبارة الجميلة، شكرا ساعي البريد تلك العبارة التي كانت تختزل حضارة كاملة من الاحترام والامتنان والثقة بالإنسان ، حضارة اندثرت كما تندثر المدن تحت الرمال، ولم يبق منها سوى هذا الحنين الذي يكتب نفسه الآن على شاشة باردة بأصابع كانت في يوم ما تمسك بالقلم وتخط على الورق ما يعجز عن قوله كل هذا الضوء الأزرق الذي يغمر وجوهنا كل ليلة ولا يضيء لنا طريقا واحدا إلى قلب أحد.
#محمد_الهنبوت (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟