أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد الهنبوت - في مديح وسائل التواصل















المزيد.....

في مديح وسائل التواصل


محمد الهنبوت

الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 12:18
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يكن دخولي إلى عوالم وسائط التواصل الاجتماعي ترفا، ولا نزوة عابرة ولا استجابة لذلك الاندفاع الجماعي الذي رافق انتشارها في بدايات الألفية الثالثة. لقد دخلتها مترددا، كما يدخل المرء مكانا لا يعرف قوانينه ولا رواده، مدفوعا بفضول المعرفة ورغبة صادقة في توسيع دائرة اطلاعي. بدت لي، في أول الأمر كمكتبة كونية مفتوحة، ومنبرا رحبا لتبادل الرأي، ونافذة لا تنغلق على الموسيقى الراقية، والكتب النادرة، والأفلام الوثائقية، والمحاضرات الجادة، والحوارات الفكرية التي يصعب الوصول إليها في تفاصيل الحياة اليومية. كنت أظن أن هذه الوسائط ستضيف إلى معرفتي، وتختصر علي المسافات، وتمنحني ما لا تمنحه المكتبات القريبة، ولا جلسات المقاهي المزدحمة، ولا الوقت الذي يضيق بنا كل يوم.
في بداياتي معها كنت أبحث عن مقطوعات موسيقية تعيد إلي صفاء الروح، فأتنقل بين أصوات أم كلثوم وأسمهان وعبد الحليم حافظ وفيروز ونجاة الصغيرة. لم أكن أستمع لأقتل الوقت، بل لأستعيد شيئا من ذائقتي، ومن ذلك الجانب النبيل الذي كنت أحرص دائما على حمايته في داخلي. كما كنت ألج إلى أفلام الطبيعة والوثائقيات، ولا سيما ما تقدمه "ناشيونال جيوغرافيك"، فأشعر أن الكاميرا تحملني إلى جهات بعيدة، لكنها في الوقت نفسه تعيدني إلى طفولتي، إلى براءتها الأولى، وإلى ذلك الإحساس النقي بالجمال والعالم.
غير أن ما بدأ نافذة للمعرفة لم يلبث، بالتدريج ومن دون أن أشعر، أن تحول إلى باب واسع لتسرب الوقت. صرت أدخل إلى يوتيوب بحثا عن محاضرة أو فكرة، فأخرج بعد ساعات طويلة مثقلا بعشرات المقاطع المتناثرة التي لا يجمعها موضوع، ولا يبقى منها في الذاكرة شيء يعتد به. وأفتح واتساب لأجيب عن رسالة ضرورية، فإذا بي أجد نفسي وسط سيل لا ينقطع من المجموعات والتنبيهات، والرسائل المعادة، والمقاطع التي لا معنى لها، والصور المتكررة، والتعليقات التي تستهلك سريعا ثم تتلاشى كأنها لم تكن. أما فيسبوك، الذي كنت ألجه بدافع الاطلاع على خبر أو قراءة مقال، فقد صار متاهة من المنشورات السريعة، والآراء الغاضبة، والمشاحنات الفارغة، والبطولات الوهمية، والمحتويات المصممة بعناية لا لإغناء العقل، بل لخطف الانتباه واستنزافه.
ومع مرور الوقت، اكتشفت أن هذه الوسائط لا تمنحني الوقت كما توهمت، بل تنافسني عليه وتنتزعه مني في صمت. فهي لا تطلب مني ساعات كاملة دفعة واحدة، وإنما تسرق دقائق متفرقة: دقيقة عند الاستيقاظ، وأخرى في الطريق، وثالثة أثناء انتظار القهوة، ودقائق كثيرة قبل النوم. وما إن يجتمع هذا المتفرق حتى يتحول إلى ساعات، ثم إلى أيام من العمر. والأخطر من ذلك كله لا أشعر بأنني أضعت شيئا، لكوني منشغلا على الدوام، متنقلا بين خبر ومقطع وتعليق ورسالة، فأتوهم أنني حاضر في العالم، بينما أنا في الحقيقة غائب عن نفسي، وعن كتابي، وعن أسرتي، وعن صمتي الضروري.
لم يكن هذا المشهد غائبا عني، فقد كنت أراه في المقاهي وأتأمله بحزن، أجساد متقاربة إلى حد التلاصق، وأرواح متباعدة إلى حد القطيعة. كل واحد جالس إلى جوار الآخر، لكن الجميع في عوالم أخرى، هذا يتابع مقطعا تافها، وذاك يعيد تسجيلا صوتيا طويلا، وثالث غارق في بث مباشر أو في جدال لا طائل منه. كنت أستنكر هذا الغياب الجماعي، وأتوهم أنني مختلف، وأن لدي مناعة ثقافية تحميني من هذا الانجراف. لكنني، مع الأسف، اكتشفت أنني لست بعيدا عن هذا المصير، حين وجدت نفسي أتحسس هاتفي قبل أن أفتح كتابي، وأفتش عن الإشعارات قبل أن أفتش عن فكرة، وأبحث عن إعجاب عابر قبل أن أبحث عن معنى حقيقي.
وعندما بدأت أفكر اليوم في قطيعة هذه الوسائط، عادت بي الذاكرة إلى تلك الأيام المريرة التي حاولت فيها الإقلاع عن التدخين ولم أوفق. كنت آنذاك أظن أن النيكوتين هو العدو الأوحد الذي يستعبد جسدي، وكنت أعود إليه مهزوما تحت وطأة العادة وضغط اللحظة. غير أنني أدركت الآن أن إدمان الشاشة أشد فتكا وأكثر خبثا من إدمان التبغ، فالتدخين يحرق الرئة، أما هذه الوسائط فتحرق الزمن وتفتت الروح. كان العدو في التدخين واضحا ملموسا، أما هنا فإنه يتخفى في صورة تواصل، ومواكبة، ومعرفة، بل وربما في صورة ضرورة يومية لا غنى عنها. ولعل هذا ما يجعل مقاومته أصعب، لأنه لا يأتينا في هيئة ما نكره، بل في هيئة ما نظن أننا نحتاج إليه.
لقد فشلت سابقا في ترك السيجارة لأنني لم أكن قد فهمت معنى الحرية فهما عميقا، أما اليوم فأنا أقترب من هذا القرار بوعي مختلف، لأنني أدركت أن ما ينتزع مني هنا ليس مجرد دقائق عابرة، بل شيء أكبر بكثير، إنه العمر نفسه ومن هنا جاءت المقارنة المؤلمة بين ما أنفقه من وقت وما أحصل عليه من عائد معرفي، فوجدت الهوة واسعة إلى حد الفجيعة، ساعات من التصفح مقابل أفكار قليلة متفرقة، مئات المقاطع مقابل معرفة لا تستقر، عشرات النقاشات مقابل يقين أقل، وهدوء أقل وتركيز أقل. لم تعد الشاشة تغذيني كما كنت أتوهم، بل صارت تستنزفني، وتستنزف قدرتي على القراءة الطويلة، وعلى التأمل، وعلى الإنصات، وعلى احتمال ذلك الفراغ الخلاق الذي تولد منه الأفكار الحقيقية.
وهكذا بدأت أشعر بأن ذهني يتشظى، وأن الوقت الذي كان يمكن أن أمنحه لكتاب أو لكتابة أو لمشي هادئ أو لجلسة إنسانية صادقة، يتحول إلى فتات إلكتروني لا ينفع ولا يبقى. أدركت، بمرارة الصدق مع النفس، أن هذه الوسائط لا تقدم لنا العالم كما نزعم، بل تعزلنا عنه بضجيجها، وأن المعرفة الرصينة لا تبنى فوق رمال التفاهة المتحركة. فالخوارزميات التي تدرس نقاط ضعفنا لتبقينا متصلين، هي نفسها التي تسرق منا قدرتنا على التركيز العميق، وعلى التأمل الطويل، وعلى الإصغاء الحقيقي لما يحدث في الداخل.
لذلك لم يعد رحيلي عن هذه العوالم غضبا عابرا، ولا رد فعل مؤقتا، بل صار قرارا ضروريا لاسترداد الذات. إنها، في حقيقتها، هجرة من الفتات الإلكتروني إلى مائدة الفكر الحقيقي، ومن ضجيج الإشعارات إلى هدوء الكتاب، ومن وهم التواصل إلى صلة أكثر صدقا بالحياة. قررت أن أضع حدا لهذا الاستنزاف، تماما كما كنت أتمنى أن أفعل مع التدخين، لكن بعزيمة أصلب هذه المرة، لأن الرهان هنا ليس أقل من صفاء الروح وحرمة الوقت.
أريد أن أعود إلى الكتاب الذي لا يطالبني برد فعل فوري، وإلى الموسيقى التي تسمع بكامل الحضور، وإلى الوجوه التي لا تحجبها الشاشات الباردة، وإلى الجلسات التي يتحدث فيها الناس بأصواتهم وعيونهم لا عبر وسائط صماء. أريد أن أستعيد حقي في العيش ببطء، وفي التفكير بعمق، وفي الصمت الخلاق، وفي أن أختار ما يدخل إلى رأسي وقلبي. لقد فهمت أخيرا أن كل دقيقة تمنح للتفاهة هي اقتطاع من شيء أجمل وأصدق وأبقى، وأن الإنسان لا يستعيد إنسانيته إلا حين يمتلك شجاعة الوداع لكل ما يبتلع عمره بلا رحمة.
لهذا كله أستودعكم الشاشة الزرقاء، لا كرها في التقنية ذاتها، ولا ادعاء لطهارة خاصة، بل دفاعا عما تبقى لي من وقت، ومن صفاء، ومن انتباه. وسلامي لكل من سيسأل عني.



#محمد_الهنبوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مضارب لندن
- في مديح الحضور ونبش الذاكرة: هوارة واستعادة الهوية من براثن ...
- القبو
- كل أيام الله مباركة
- سحر العناق
- الهروب الكبير
- نوستالجيا
- أنا عندما كنت
- مرسي الزناتي انهزم يا رجالة
- مؤامرة الاقصاء
- القائد بوشعيب بين الواقع و الاسطورة


المزيد.....




- مواد غذائية في النظام الغذائي مفيدة لصحة الدماغ
- محكمة في كرواتيا تقر بحبس متهم أوكراني في تفجيرات -السيل الش ...
- بري: إنهاء مهمة اليونيفيل خطيئة كبرى
- رجل في لاتفيا يبلغ عن شقيقه لأمن الدولة بسبب مشاهدته القنوات ...
- لاعب جديد في الشرق الأوسط لحماية منشآت الطاقة من هجمات المسي ...
- رفات بشري في هرم ببيرو يكشف أسرار طقوس عمرها 1400 عام
- شهداء لقمة العيش.. رحلة الموت
- مظاهرة في تونس تطالب برحيل سعيّد واستعادة المسار الديمقراطي ...
- مطار أبو الظهور.. قاعدة جوية مدمَّرة لا تفارقها الصراعات الع ...
- -حاملة الطائرات ترامب-.. مصادر تكشف لـCNN عن إجراء -غير مسبو ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد الهنبوت - في مديح وسائل التواصل