أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الهنبوت - ليلة عاشوراء














المزيد.....

ليلة عاشوراء


محمد الهنبوت

الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 00:17
المحور: الادب والفن
    


أعيد اليوم نشر هذا النص الذي كتبته قبل أربع سنوات، حين استوقفني مشهد وأنا أتجول في أزقة سوق إنزكان العتيق، حيث هالني ذاك الازدحام الشديد المريب للنساء حول دكاكين العطارين وبائعي الفواكه الجافة، وكأنهن يستعدن لملحمة كبرى لا لمجرد احتفال عابر. فحين تقترب ليالي عاشوراء، تكتسي الأسواق حلة من الغموض المريب، وتتحول الدكاكين إلى غرف عمليات سرية تقودها نسوة عقدن العزم على تطويع الأقدار بخلطات تجمع بين اللذة واللعنة، وبين الشهوة والسطوة، وأول ما يستوقف المتأمل هو ذاك السباق المحموم على اقتناء الفواكه الجافة، حيث تفيض الكميات عن حد الإشباع، ويتحول الإقبال إلى لهفة تشبه عتاد المحاربين، حتى ليظن الناظر أن المدينة بأسرها مقبلة على وليمة شبقية كبرى، وهنا يثور السؤال الماكر الذي راودني وأنا أراقب ذاك الحشد المتدافع: ما الذي يدفع كل هؤلاء النسوة إلى التزاحم بهذا النهم حول بائعي اللوز والجوز والتين دون سواهم؟ وما مبرر هذا الجشع الموسمي الذي يفرغ الدكاكين قبل غروب الشمس إلا لكونه وقودا لممارسات تحاك خيوطها في هزيع الليل؟
إن هذا السباق المحموم يشي بغاية واحدة لا تخفى على لبيب أمعن النظر، وما أنا بذاك اللبيب، بل هو ما قيل لي وحكي على مسامعي، والعهدة في ذلك على القائل لا على الناقل، أن الأمر لا علاقة له بموائد الضيافة بقدر ما هو طقس خفي تتشابك فيه خيوط الشعوذة مع رمزية الثمار، إذ تنتقل بعض من تلك النسوة من دكان العطار إلى عتبة الشوافة حاملة أكياسها ، حيث يتحول اللوز والجوز والتين المجفف من مجرد غلال موسمية إلى مكونات سحرية تخلط بالبهارات الخاصة وتتلى عليها العزائم، لا لقيمتها الغذائية، بل لرمزيتها الصلبة في مخيال السحر الشعبي ، حيث تغدو حفنة اللوز في يد الزوجة الطامحة أداة لترويض الجموح الرجولي وصياغة فحولته وفق مقاسات رغبتها وحقها في التملك، فمفعول السحر يبدأ من الإيحاء بالصلابة واللين، ليتحول طبق الفاكهة في ليلة عاشوراء إلى فخ لذيذ يراد به شل إرادة الرجل وجعله رهن الإشارة في النهار، وطيع البنان في الليل تحت الطلب حصرا، فلا يكون الزوج إلا صلبا حيث يراد له، ولينا ذليلا فيما عدا ذلك، عبر تعاويذ تمزج بين الشبق وبين السيطرة الكاملة على منابع رغبته، بحيث لا تشتعل نيرانه إلا في الموقد الذي رسم له سلفا.
وبعيدا عن موازين القوى الزوجية، تنفرد العوانس في ركن قصي من السوق بطقوسهن الخاصة التي تتجاوز مجرد التذوق إلى صيد الأجساد فهن لا تشترين الزبيب لحلاوته، بل تبحثن في تجاعيده وسمرته عن تميمة سحرية تروي ظمأهن المكتوم، فتراهن مادة خام لممارسات خلف الأبواب الموصدة، حيث يبخر ويقرأ عليه بلسان الرغبة الجائعة، طمعا في جلب فحل كامل الأوصاف، يسوقه السحر من أقاصي الدنيا ليقع في شباكهن صاغرا، وكأنهن مع كل حبة زبيب تمتصنها، تمتصن إرادة رجل مجهول تجرنه إلى خدورهن في ليلة لا ترد فيها دعوات الشوافات ليقتحم حصونهن المنيعة ويوقظ فيهن ما نام من رغبات
ولا يقف الأمر عند حدود الترويض المنزلي والرغبة الجامحة في الوصل طمعا في جلب فحول كاملي الاوصاف، بل يمتد الامر إلى طقوس الفصل التي تلهب الخيال المكبوت فتجد أخريات يبحثن عن تمائم لنفثها في مخادع الأغيار، طمعا في إحلال القحط والنفور بين أزواج يردن تحويل حرارة الانجذاب بينهم إلى جفاف لا حياة فيه ولا حرارة، محولات السرير إلى مقبرة للرغبة. وهكذا يتضح أن سر ذاك الازدحام لم يكن إلا واجهة بريئة لتجارة خفية بين العطار والشوافة، تباع فيها المصائر والشهوات مغلفة بقشور الثمار، وأن الغاية من وراء تلك الأكياس المكدسة لم تكن إشباع المعدة بقدر ما هي توجيه غريزة الرجل الذي يظل الضحية المستسلمة، يلتهم بشهية ما طحن له من تعاويذ مغلفة بالسكر واللوز، غير مدرك أن كل حبة جوز يكسرها بأسنانه هي في الحقيقة رمز لإرادته التي تسحق، وأن المذاق الذي يستشعره ليس إلا بهارات أريد لها أن تشعل في جسده نيران الرغبة في اتجاه واحد، أو تطفئها تماما في اتجاهات أخرى، لتظل عاشوراء بطقوسها موسما للمتاجرة بالأوهام والجسد، حيث تباع الفواكه بالوزن، وتشترى الرجولة بالهمس والإيحاء المبطن خلف أبواب المطابخ الموصدة.



#محمد_الهنبوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حنين إلى زمن الحروف المنقوشة بالصبر
- حين يسقط القناع
- في مديح وسائل التواصل
- مضارب لندن
- في مديح الحضور ونبش الذاكرة: هوارة واستعادة الهوية من براثن ...
- القبو
- كل أيام الله مباركة
- سحر العناق
- الهروب الكبير
- نوستالجيا
- أنا عندما كنت
- مرسي الزناتي انهزم يا رجالة
- مؤامرة الاقصاء
- القائد بوشعيب بين الواقع و الاسطورة


المزيد.....




- تونس.. وفاة الموسيقار محمد القرفي عن عمر يناهز 78 عامًا
- -بينها مؤلفات نادرة-.. شركات الذكاء الاصطناعي تدمر ملايين ال ...
- باريس تحتفي بعودة سيلين ديون إلى الغناء
- مصدر أمني مصري يعلق على واقعة متداولة بشأن ممثلة أفلام إباحي ...
- فيلم عن قتل المدنيين في غزة يتوج في مهرجان البندقية
- ريان غارسيا يسقط كونور بن بالضربة الفنية القاضية (فيديو)
- التعليم العالي: السينما والفنون والتراث تواصل إثراء فعاليات ...
- التعليم العالي: اليوم الموعد النهائي لتسجيل رغبات طلاب الشها ...
- أفلام الحروب تحصد الجوائز الكبرى في مهرجان البندقية السينمائ ...
- يروي الإبادة بعيون طفلة.. فيلم -غزة 13- في مهرجان تورنتو الس ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الهنبوت - ليلة عاشوراء