محمد الهنبوت
الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 09:09
المحور:
الادب والفن
يلح علي بعض الأصدقاء منذ مدة بأن أجمع ما أكتبه على حائطي الفيسبوكي، وأن أحول تلك النصوص المتفرقة إلى كتاب يضم مقالاتي وقصصي القصيرة وتعليقاتي، إلى جانب بعض الكتابات التي استوقفتني، سواء أعجبتني أو أثارت لدي أسئلة أو دفعتني إلى الاختلاف مع أصحابها. وهم يرون أن ما أكتبه يستحق أن يجمع ويقرأ خارج حدود هذه المنصة، وأن الأفكار التي أنثرها بين الحين والآخر قد تجد طريقها إلى قراء لم تتح لهم فرصة الاطلاع عليها. أما أنا فما زلت مترددا في الإقدام على هذه الخطوة، لا لأنني أرفض الكتابة أو أخشى مواجهة الآخرين بأفكاري، وإنما لأنني أعرف طبيعة ما أكتب، وأدرك أن الانتقال بالنص من فضاء النشر العابر إلى كتاب يحمل اسمي يضعني أمام مسؤولية مختلفة، ويجعلني أعيد النظر في أشياء كثيرة كنت أكتبها من دون أن أفكر طويلا في مصيرها.
لقد اعتدت أن أكتب حين تطرأ الفكرة على ذهني، أو حين يستوقفني موقف، أو تثير انتباهي واقعة، أو يدفعني نقاش إلى التعبير عن رأي. في مثل تلك اللحظات، لا يكون اهتمامي منصبا على اختيار الكلمات بعناية، ولا على بناء الجمل بناء محكما، ولا على مراجعة ما أكتبه للتأكد من سلامته اللغوية والنحوية. كل ما يشغلني هو أن أخرج الفكرة من رأسي قبل أن تتلاشى أو تحل محلها فكرة أخرى. أكتب بسرعة، وألاحق المعنى كما تشكل في ذهني، وأحاول أن أحتفظ بما أريد قوله قبل أن يفلت مني. وقد أجد نفسي، بعد نشر النص، أمام أخطاء إملائية وتراكيب مضطربة وجمل لم أحسن بناءها، فضلا عن علامات ترقيم غابت حيث ينبغي أن تكون، أو حضرت في غير موضعها. وأحيانا تكون الفكرة واضحة في ذهني، لكن الكلمات التي اخترتها لا تنقلها بالدقة التي أردتها، أو لا تمنحها ما تستحقه من وضوح وترابط.
ولعل هذه إحدى مشكلاتي مع الكتابة و التي لم يستوعبها الاصدقاء ، فأنا أكتب لأقول ما أفكر فيه، لا لأثبت أنني أجيد الكتابة. وبين الأمرين مسافة لا يمكن تجاهلها. فقد تكون الفكرة جديرة بالاهتمام، لكن طريقة التعبير عنها تضعفها، وقد يكون المعنى الذي أريد إيصاله مهما، غير أن الأخطاء اللغوية والنحوية تحول دون وصوله على الوجه الصحيح. وليس من الإنصاف أن أتعامل مع هذه الأخطاء وكأنها تفاصيل لا قيمة لها، أو أن أكتفي بالقول إن المهم هو الفكرة، لأن اللغة ليست مجرد وعاء نضع فيه أفكارنا ثم نمضي بل إنها جزء من قدرتنا على توضيح ما نفكر فيه، وعلى تجنب الالتباس وسوء الفهم. ومع ذلك، فإنني حين أكتب لا أملك دائما الصبر الكافي للعودة إلى كل جملة ومراجعة كل كلمة، ولا أستحضر في لحظة الكتابة القواعد التي أعرفها أو التي يفترض أن أكون قد تعلمتها. أندفع وراء الفكرة، ثم أترك للنص أن يواجه مصيره، وكأن مجرد إخراج ما في ذهني يعفيني من مسؤولية العناية بالطريقة التي أخرجته بها.
لهذا السبب تحديدا، يبدو لي جمع هذه الكتابات في كتاب أمرا يحتاج إلى أكثر من مجرد نقل المنشورات من صفحة فيسبوك إلى صفحات مطبوعة. فالنص الذي يكتب في لحظة انفعال أو تحت تأثير فكرة عابرة. او في سياق طقوس خاصة قد يكون مناسبا لظرفه، لكنه يحتاج، حين يراد الاحتفاظ به ضمن عمل متكامل، إلى مراجعة هادئة تعيد إليه توازنه، وتصحح أخطاءه، وتزيل ما علق به من تكرار واضطراب، من دون أن تفقده روحه الأصلية. وقد أكتشف، عند العودة إلى بعض ما كتبت، أنني لم أعبر عن الفكرة كما ينبغي، أو أنني تركت أجزاء منها حبيسة ذهني، أو أنني انتقلت من معنى إلى آخر من دون أن أهيئ للقارئ الطريق بينهما. وربما أجد في نص آخر فكرة تستحق الاحتفاظ بها، لكنها تحتاج إلى إعادة بناء حتى تصبح مفهومة لمن لم يعش اللحظة التي ولدت فيها. إنني لا أريد أن أقدم للناس مجرد أرشيف لمنشوراتي، بل أريد، إن أقدمت على هذه التجربة، أن أقدم عملا يمكن قراءته وفهمه، وأن أتحمل مسؤوليتي عن كل كلمة ستظهر فيه.
ومع ذلك، فإن ترددي لا يتعلق باللغة وحدها، ولا بالخوف من أن يكتشف القارئ كثرة أخطائي. هناك أيضا سؤال أجد صعوبة في الإجابة عنه: هل ما أكتبه يستحق فعلا أن يجمع في كتاب؟ وهل تكفي رغبة الأصدقاء وإعجابهم ببعض النصوص دليلا على أن هذه الكتابات تستحق الانتقال إلى فضاء أوسع؟ أعرف أن الأصدقاء قد يرون في كلامنا ما لا نراه نحن، وقد يلتقطون في نصوصنا أفكارا تستحق الاهتمام، لكنني أعرف أيضا أن المودة قد تجعل أحكامهم أكثر تساهلا، وأن ما يبدو لهم جديرا بالنشر قد يحتاج، في نظر قارئ لا يعرفني ولا تربطه بي علاقة شخصية، إلى كثير من العمل والمراجعة. لا أريد أن أرفض اقتراحهم لمجرد أنني أخشى التجربة، كما لا أريد أن أقبله فقط لأنهم يلحون علي، أو لأن فكرة إصدار كتاب تبدو في ظاهرها خطوة تستحق الاحتفاء. أحاول أن أميز بين ما أريده حقا وما قد أجد نفسي مدفوعا إليه تحت تأثير حماس الآخرين.
وثمة جانب آخر من المسألة لا يقل أهمية، يتعلق بما أستشهد به من كتابات الآخرين، وما أنقله من أفكار أو تعليقات استوقفتني في أثناء تصفحي أو مشاركتي في النقاشات العامة. إن نشر شخص لرأيه على فيسبوك لا يعني بالضرورة أنه تنازل عن حقه في أن ينسب كلامه إليه، أو أنه أباح إعادة استخدامه في أي سياق ومن دون ضوابط. وقد يكون المنشور متاحا للجميع، لكن إتاحته للقراءة لا تعني بالضرورة الإذن بإعادة نشره ضمن كتاب. ثم إن بعض الآراء قد تفهم في سياقها الأصلي على نحو مختلف عما قد تفهم به حين تقتطع من سياقها أو تدرج ضمن مجموعة من النصوص. وما يبدو واضحا لصاحب المنشور ولمن تابع النقاش الذي ورد فيه قد يثير التباسا لدى قارئ جديد لا يعرف ظروفه ولا خلفياته. لذلك فإنني، إذا قررت جمع هذه الكتابات، سأكون مطالبا بالتثبت من مصادرها، واحترام حقوق أصحابها، والإشارة إلى أسماء أصحابها ومراجعها حيث يلزم، والحصول على الإذن عند الاقتضاء، حتى لا يتحول الاهتمام بالأفكار إلى سبب في الإضرار بأصحابها أو الانتقاص من حقوقهم.
وأجدني في خضم هذه الأسئلة، موزعا بين رغبة في الإقدام وحذر يدعوني إلى التريث. جزء مني يرى أن الكتابة التي تبقى حبيسة فضاء محدود قد لا تصل إلى من يمكن أن يجد فيها ما يفيده أو يدفعه إلى التفكير، وأن جمع النصوص ومراجعتها قد يكون فرصة لاكتشاف ما بينها من روابط، وفهم التحولات التي طرأت على أفكاري بمرور الوقت. وجزء آخر يخشى أن أكتشف، بعد أن تصبح النصوص كتابا، أنني استعجلت في منحها شكلا نهائيا لم تكن مستعدة له، أو أنني حملت كلمات كتبتها في لحظة عابرة أكثر مما تحتمل. ولا يتعلق الأمر عندي بادعاء التواضع أو التقليل من قيمة ما أكتب، بقدر ما يتعلق برغبتي في ألا أخلط بين حرية التعبير عن الأفكار وبين الاعتقاد بأن كل فكرة تستحق بالضرورة أن تتحول إلى عمل منشور. فالكتابة، في نظري، مساحة للتعبير والتفكير، لكن النشر في كتاب يحتاج إلى قدر إضافي من المسؤولية والانضباط.
أما أصدقائي فلا أستطيع أن أنكر أن إلحاحهم يدفعني إلى التفكير في أمر كنت أكتفي بتأجيله. وربما كانوا يرون في ترددي مبالغة في الحذر، وربما كنت أنا أستخدم هذه المخاوف ذريعة لتجنب تجربة لا أعرف نتائجها. لا أملك جوابا نهائيا، ولا أريد أن أحسم الأمر قبل أن أكون مستعدا له. كل ما أعرفه أنني إذا أقدمت على هذه الخطوة، فلن يكون ذلك لأنني اقتنعت فجأة بأنني أصبحت كاتبا لا تشوب نصوصه شائبة، بل لأنني قررت أن أتعامل مع ما أكتبه بجدية أكبر، وأن أمنح أفكاري فرصة للظهور في صورة أكثر وضوحا ونضجا. وسأحتاج، قبل كل شيء، إلى الاعتراف بأن الفكرة الجيدة لا تعفي صاحبها من ضرورة إحسان التعبير عنها، وأن صدق الشعور لا يغني عن سلامة اللغة، وأن العفوية التي تمنح الكتابة حرارتها قد تتحول، إذا تركت من دون مراجعة، إلى سبب في ضعفها.
وفي النهاية، لا أستطيع أن أعدكم بأنني سأستجيب لإلحاح أصدقائي، ولا أنني سأستمر في رفض اقتراحهم. قد أمضي في التجربة، وقد أتراجع عنها، وقد أحتاج إلى وقت طويل قبل أن أقرر. لكنني أعرف أمرا واحدا، أنني كثيرا ما أتصرف قبل أن أفكر، وأنني أعود بعد ذلك لأبحث عن الأسباب والتبريرات، وأنني لا أتعلم دائما من أخطائي بالقدر الذي ينبغي. ولعل أكثر ما يربكني في نفسي أنني، رغم كل ما أعرفه عن اندفاعي، لا أستطيع دائما أن أقاومه. أما قلبي الذي اعتدت أن أترك له الكلمة الأخيرة، فقد كنت أظن طويلا أنه، مهما أخطأ في اختيار الطريق، لا يمكن أن يخذلني. لكن الحقيقة أن قلبي كثيرا ما يخذلني، ويتركني وحدي أواجه نتائج ما اندفعت إليه، وأحاول أن أجمع ما تبعثر مني، وأن أتعلم، متأخرا كعادتي أن حسن النية لا يكفي دائما، وأن ما نشعر به بصدق ليس بالضرورة ما ينبغي أن نفعله.
#محمد_الهنبوت (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟