أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الهيموت عبدالسلام - هزيمة ترامب انتصار للإرادة الشعبية















المزيد.....

هزيمة ترامب انتصار للإرادة الشعبية


الهيموت عبدالسلام

الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 16:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست الانتخابات مجرد صناديق تُلقى فيها الأوراق، ولا مناسبة لتجديد النخب السياسية أو استبدال حزب بآخر، إنها في جوهرها واحدة من أهم الوسائل الديمقراطية التي يمتلكها المواطن لمحاسبة السلطة واستعادة حقه في تقرير الاتجاه الذي ينبغي أن تسير عليها بلاده، وهذا بالضبط ما جعل الانتخابات الأمريكية الأخيرة أكثر من مجرد هزيمة انتخابية لترامب وللجمهوريين، لقد تحولت إلى رسالة سياسية قوية مفادها أن الناخب يستطيع أن يقول للحاكم لا يمكنك أن تحكم بإرادتك وحدك، ولا أن تجعل من مصالحك السياسية والعسكرية أولوية على حساب حياة المواطنين ومعيشتهم.

أظهرت استطلاعات الرأي وتقارير الصحافة الأمريكية والدولية أن هزيمة ترامب لم تكن نتيجة خلاف انتخابي عابر بل حصيلة تراكمية لحالة استياء واسعة من حصيلة إدارته وسياساتها الداخلية والخارجية؛ في استطلاع Reuters/Ipsos المنشور عشية الانتخابات أن 48% من الناخبين المسجلين اعتبروا غلاء المعيشة القضية الأولى التي ستحدد تصويتهم، وأن 55% يرون أن الحرب الأمريكية على إيران لا تستحق كل هذه الكلفة، فيما قال 48% ممن أدلوا بأصواتهم إن تصويتهم كان موجهاً ضد ترامب، وأظهر استطلاع Pew Research Center في أكتوبر أن 65% من الأمريكيين لا يوافقون على طريقة إدارته للحرب على إيران، بينما كشفت استطلاعات الخروج التي نقلتها Associated Press وCBS وReuters أن نحو ثلاثة أرباع الناخبين غاضبون أو غير راضين عن اتجاه البلاد، وأن قرابة تسعة من كل عشرة يعتبرون تكاليف المعيشة عاملاًمهما في تصويتهم، وأن 70% يريدون من الكونغرس فرض رقابة أكبر على الرئيس. ولم تكن هذه الأرقام منفصلة عن حراك الشارع فقد شهدت الولايات المتحدة موجات احتجاجية غير مسبوقة تحت شعار «لا ملوك» (No Kings)، إذ قدّر المنظمون مشاركة نحو سبعة ملايين شخص في احتجاجات أكتوبر 2025، ونحو ثمانية ملايين في تعبئة مارس 2026، شملت أكثر من ثلاثة آلاف فعالية رفضا للتغول الرئاسي وسياسات الهجرة والحرب على إيران وتراجع الحريات كما امتد الغضب إلى الجامعات والشوارع في احتجاجات التضامن مع فلسطين ورفض الحرب على غزة والدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل. وبذلك لم يكن الناخب الأمريكي أمام قضية واحدة بل أمام حصيلة من الاعتراضات على الحرب والغلاء والرسوم الجمركية وسياسات الهجرة وتقييد الحريات وتراجع الثقة في المؤسسات، وهي قضايا تداخلت لتتحول إلى تصويت عقابي ضد الرئيس وحزبه. لقد جرّب المواطنون الاحتجاج والتظاهر والضغط المدني، ثم استخدموا صندوق الاقتراع لترجمة ذلك الغضب إلى تغيير في موازين السلطة مؤكدين أن الحاكم لا يستطيع تجاهل إرادة شعبه إلى ما لا نهاية.

ما جرى في الولايات المتحدة يوم 3 نونبر 2026 يستحق قراءة تتجاوز الحسابات الحزبية والأرقام الانتخابية، فالديمقراطيون لم يستعيدوا مجلسي الكونغرس فحسب، بل حققوا اختراقات انتخابية في ولايات ظلت لعقود محسوبة على الجمهوريين في موجة عكست اتساع حالة الاستياء من سياسات دونالد ترامب. وقد ربطت وكالة أسوشيتد برس هذه النتائج بثلاثة عوامل بارزة، ارتفاع تكاليف المعيشة، والحرب على إيران، والغضب من الفساد وسوء إدارة السلطة.
لم يكن الناخب الأمريكي مطالباً بأن يتفق مع الحزب الديمقراطي في كل برامجه، ولا بأن يتحول إلى خصم أيديولوجي لترامب حتى يعاقب ترامب انتخابيا، كان يكفي أن يشعر بأن وعود الرئيس لم تنعكس على حياته اليومية، وأن السياسات التي اتخذها جعلت حياته أكثر كلفة وأن بلاده دخلت مواجهة عسكرية لا يرى فيها مصلحة سوى مصالح مصانع الاسلحة، هنا تتجلى إحدى أهم وظائف الديمقراطية أن الحاكم لا يمتلك تفويضا مفتوحا وأن الفوز في الانتخابات لا يمنحه شيكا على بياض.

لقد دخل ترامب البيت الأبيض محمولاً على وعود بتحسين الاقتصاد، وحماية المصالح الأمريكية، واستعادة القوة والنفوذ، لكن القوة لم تنعكس على حياة المواطنين وتحولت إلى عبء اقتصادي وضرب لقدرته الشرائية، والسياسة الخارجية التي دخلت في مغامرات عسكرية اصبحت سببا في تآكل الثقة الداخلية ، فحين ترتفع أسعار الطاقة، وتزداد تكاليف النقل والمواد الأساسية، ويجد المواطن نفسه أمام فاتورة معيشية عالية الكلفة، يصبح من حقه أن يسأل عن جدوى القرارات التي اتخذها رئيسه باسمه.
الحرب على إيران قدمت مثالاً واضحاً على هذا التناقض، فالحرب ليست مجرد بيانات عسكرية وصور للصواريخ والطائرات، وليست شأنا محصورا في غرف القيادة العسكرية، إنها قرارات لها كلفة بشرية واقتصادية وسياسية، تمتد آثارها إلى الأسواق وأسعار الطاقة والاستقرار الدولي، ثم تصل في النهاية إلى جيوب المواطنين، وقد أظهرت استطلاعات من مراكز التصويت أن الحرب كانت من القضايا التي غذّت الغضب الانتخابي، بالتوازي مع القلق المتزايد بشأن القدرة الشرائية.
ولا يقل عن ذلك أهمية استمرار الانحياز الأمريكي غير المشروط للكيان الصهيوني، في وقت تتسع فيه الانتقادات الدولية للحرب على غزة وما خلفته من قتل ودمار وتهجير وإبادة وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. فالدعم العسكري والسياسي اصبح يسائل القيم التي تدعي الديمقراطيات الدفاع عنها، وأنه لا يمكن أن تظل السياسة الخارجية بمنأى عن مساءلة المواطنين خصوصاً عندما تتحول إلى غطاء سياسي لحروب يدفع المدنيون ثمنها على حساب جيوبهم و عيشهم وخدماتهم.
لقد بدأت قطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي تعيد النظر في طبيعة هذه العلاقة وفي حدود الدعم الذي ينبغي أن تقدمه واشنطن لإسرائيل، ولم يعد الاعتراض على سياسات الحكومة الإسرائيلية محصوراً في دوائر التضامن مع فلسطين أو في أوساط اليسار السياسي، بل أصبح موضوعا للنقاش داخل المجتمع الأمريكي نفسه. ومع ذلك، ينبغي عدم اختزال الهزيمة الانتخابية لترامب في هذا العامل وحده، فالأدلة الانتخابية الأوضح تشير إلى تداخل الحرب على إيران بين غلاء المعيشة والفساد وتراجع الثقة في أداء الإدارة.

إن الدلالة الأعمق لما حدث تكمن في أن الناخبين لم يفصلوا بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية، لم يقبلوا أن تكون القوة العسكرية مبرراً لتجاهل الأوضاع الاجتماعية ولم يقبلوا أن الحديث عن الأمن القومي يعفي السلطة من مسؤولية حماية القدرة الشرائية للمواطنين. فالأمن لا يقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ وحاملات الطائرات، بل أيضاً بقدرة الأسرة على توفير احتياجاتها وبمدى شعور المواطن بالأمان الاقتصادي والاجتماعي.
ومن هنا فإن الانتخابات تصبح أداة لمحاسبة الحاكم على ما يفعله داخل الحدود وخارجها معاً، فمن يقرر الحرب يتحمل مسؤولية نتائجها، ومن يرفع كلفة المعيشة بسياساته لا يستطيع الاحتماء بالشعارات الوطنية، ومن يضع بلاده في مواجهات دولية مكلفة لا يحق له أن يطالب المواطنين بالصمت أو بالتضحية الدائمة وكأنهم مجرد ممولين لقرارات لم يشاركوا في صنعها ولا مصلحة لهم في قيامها من الاصل.
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي استخلاصها من التجربة الأمريكية هي أن الديمقراطية لا تقاس فقط بوجود انتخابات، بل بقدرة هذه الانتخابات على إحداث أثر حقيقي في موازين السلطة، فليس المهم أن يصوّت المواطنون فحسب، بل أن تكون أصواتهم قادرة على تغيير الأغلبية البرلمانية وفرض الرقابة على الحكومة وإعادة رسم حدود السلطة التنفيذية.

إن خسارة الحزب الحاكم لأغلبيته ليست انهيارا للدولة، بل دليلا على حيوية مؤسساتها، متى احترمت النتائج وتحولت إلى فرصة لمراجعة السياسات، والديمقراطية لا تحمي الحاكم من العقاب، إنها تحمي المجتمع من احتكار الحاكم للقرار.
لكن المسؤولية لا تنتهي عند معاقبة الحزب الذي خسر، فالديمقراطيون الذين استعادوا الكونغرس أصبحوا بدورهم أمام امتحان حقيقي، هل سيترجمون ثقة الناخبين إلى سياسات تحمي القدرة الشرائية، وتحد من تغول السلطة التنفيذية، وتراجع الانخراط العسكري المكلف، وتعيد الاعتبار للقانون الدول وحقوق الإنسان؟ أم سيكتفون بالاحتفال بهزيمة خصمهم وتحويل الغضب الشعبي إلى رصيد انتخابي مؤقت؟

فالانتخابات لا تمنح المعارضة صك براءة، كما أنها لا تجعل كل من يفوز ممثلاً تلقائياً للإرادة الشعبية في كل شيء. إنها تمنح الفائز فرصة ومسؤولية وتحتفظ للمواطن بحق المحاسبة من جديد.
ليست العبرة في أن ترامب خسر، ولا أن الديمقراطيين ربحوا، العبرة أن المواطن الأمريكي أثبت أن الحاكم، مهما امتلك من نفوذ ووسائل قوة يظل خاضعاً للمساءلة، وأن صناديق الاقتراع تستطيع أن تعاقب من يغامر بمستقبل البلاد، ويثقل كاهل مواطنيها، ويخلط بين مصالح الدولة وحساباته السياسية، تلك هي قيمة الإرادة الشعبية، أن يكون المواطن لا الحاكم هو صاحب الكلمة الأخيرة في تجديد التفويض أو سحبه، وأن تظل السلطة مسؤولية مؤقتة، لا امتيازا دائما، وأن تظل الحرب قراراً يستوجب المساءلة، لا بطولة يُطلب من الناس دفع ثمنها وبصمت.



#الهيموت_عبدالسلام (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كسر الصمت
- هل يعنيكم فوز لولا دي سيلڤا في البرازيل؟
- شكسپير وماركس وجهان لعبقرية سبر أغوار صراعات الإنسان ومصيره
- السردية اليهودية
- ديمقراطية قن الدجاج
- حين يصبح الفن وثيقة
- طاحونة التشهير
- إدغار موران: العيش داخل المعنى و على حافة السؤال
- في أبجديات الحروب
- تخيلوا فقط
- من يحكم العالم؟
- حول فيضان واد الشعبة بآسفي
- دروس من ممالك الحشرات
- اقتراح متواضع
- الديمقراطية هي الحل
- الحياحة الرقمية
- العطب قديم
- ملحمة غزة
- من وحي التغاريد
- ضربات قوة أم ضربات ضعف


المزيد.....




- وزير الأمن الداخلي الأمريكي يعتزم إجراء تحقيق بعد الانتخابات ...
- مستشار لترامب: نتائج الانتخابات كانت -أكبر من أن تُزوّر-
- من الأحمر إلى الأزرق.. سكان تكساس يحتفلون بفوز تاريخي للديمق ...
- الولايات المتحدة تبدأ تفكيك حاملة -إنتربرايز- النووية
- بمشاركة روسية.. جامعة النور العراقية تستضيف مؤتمرا دوليا لبح ...
- كشف تفاصيل عملية قادش: كيف شكلت مصر تهديدا لإسرائيل وأجبرتها ...
- بوتين: قادة إفريقيا انبهروا بالتوافق الديني في روسيا
- مصر تدعو واشنطن وطهران إلى التهدئة وتجنب العودة للمواجهة الع ...
- بيسكوف: دميترييف ولانتراتوفا سيمثلان روسيا في لقاء ميلانيا ت ...
- الجزائر.. عناوين روسية في معرض الكتاب


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الهيموت عبدالسلام - هزيمة ترامب انتصار للإرادة الشعبية