الهيموت عبدالسلام
الحوار المتمدن-العدد: 8877 - 2026 / 11 / 2 - 18:47
المحور:
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
تأسست منظمة «كسر الصمت» (Breaking the Silence) في مارس 2004 على يد مجموعة من الجنود الإسرائيليين السابقين الذين خدموا في مدينة الخليل، لم تراقب هذه المنظمة المؤسسة العسكرية من الخارج ، بل من تجربة أشخاص ارتدوا الزي العسكري، ونفذوا الأوامر، وشاهدوا كيف تُدار الحياة اليومية للفلسطينيين تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، ومنذ تأسيسها جعلت المنظمة من شهادات الجنود وسيلة لفتح نقاش داخل المجتمع الإسرائيلي حول الاحتلال، والمسؤولية الأخلاقية عن الأفعال التي تُرتكب باسم الأمن، والثمن الإنساني المترتب على استمرار السيطرة العسكرية على الشعب الفلسطيني.
تقول المنظمة في صفحتها الرسمية إنها جمعت شهادات من أكثر من 1400 جندي إسرائيلي منذ تأسيسها، وتشمل هذه الشهادات روايات عن الخدمة العسكرية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وعن الاعتقالات والتفتيش وهدم المنازل والعنف ونهب الممتلكات وقواعد الاشتباك والتعامل مع المدنيين.
تكتسب هذه الشهادات أهمية استثنائية لأنها لا تأتي من مراقبين بعيدين عن ساحة الحرب، بل من جنود عاشوا تفاصيلها من الداخل، وشاهدوا بأعينهم ما يجري في الميدان، وشارك بعضهم في العمليات العسكرية أو كانوا قريبين من اتخاذ القرارات وتنفيذ الأوامر، إنها تفتح كوة كبيرة في حائط الكيان الصهيوني واتساع الهوة بين الخطاب الرسمي الذي يقدم الجيش باعتباره ملتزما بأخلاقيات الحرب، وبين الممارسات الفعلية على الأرض، وتكمن اهمية الشهادات في أنها تنقل النقاش من مستوى الاتهامات الخارجية إلى شهادة صادرة من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، بما تحمله من تفاصيل عن الأوامر وقواعد الاشتباك واستهداف المدنيين والتدمير الميداني والقتل العمد للمدنيين، والإبادة بوصفها جريمة ضد الإنسانية، والتجويع واستخدامه سلاحاً للحرب، والتهجير القسري و الاستهداف العشوائي للمدنيين، والتدمير الواسع والممنهج للمنازل والبنية التحتية واستهداف المستشفيات والمنشآت الطبية،والتعليمية والدينية والثقافية، والاعتداء على الجثامين والتمثيل بها.
1. الشهادة الأولى
" يوتام فيلك" ضابط مدرعات يتحدث عن قتل الفلسطينين العزل، في يناير 2025، نشرت وكالة أسوشيتد برس (AP) مقابلة مع "يوتام فيلك" وهو ضابط خدم في سلاح المدرعات الإسرائيلي وشارك في العمليات داخل قطاع غزة، تحدث عن تعليمات بإطلاق النار على الأشخاص الذين يدخلون منطقة عازلة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية من دون تصريح، وقال إنه شاهد مقتل ما لا يقل عن اثني عشر شخصاً، وإن أكثر المشاهد رسوخا في ذاكرته كان مقتل فتى فلسطيني أعزل، وأضاف أن ما بقي عالقا في ذهنه لم يكن مجرد واقعة القتل، بل ما اعتبره تعبيراً عن سياسة لا ترى الفلسطينيين باعتبارهم بشرا متساوين في القيمة.
2. الشهادة الثانية
" يوفال غرين" مُسعف احتياط غادر وحدته بعد أمره بإحراق منزل ،عمل "يوفال غرين" مسعفا عسكريا في الاحتياط نحو خمسين يوما في جنوب قطاع غزة، وفي مقابلة نشرتها صحيفة «الغارديان» في يوليوز 2024 قال إنه شاهد جنودا يكتبون على جدران منازل فلسطينية وينهبون ممتلكات ويأخذون أشياء من البيوت بوصفها تذكارات، كما قال إن أمرا بإحراق منزل بأنه اللحظة التي حسمت قراره، وقال إنه سأل قائد السرية عن سبب إحراق المنزل، لكن الإجابات لم تقنعه، فقرر ألا يشارك في تلك العملية وغادر في اليوم التالي.
3. الشهادة الثالثة
"مايكل أوفير زيف " ضابط احتياط عمل في متابعة العمليات تحدث إلى صحيفة «الغارديان» عن تجربته في متابعة التحركات الميدانية عبر شاشات المراقبة، وعن دوره في تنسيق الدعم وطلب أهداف للغارات الجوية، قال إنه كان يرى أحيانا مبنى يرتفع في الهواء أو سيارة تختفي وسط الدخان، وإن بعض زملائه كانوا يستقبلون تدمير غزة بفرح وحماس وأضاف أن طلبات إطلاق النار كانت تحصل بحسب تجربته على الموافقة في معظم الأحيان، وأن إجراءات التنسيق مع سلاح الجو بدت له أقرب إلى الروتين الإداري. كما أعرب عن قلقه من غياب الوضوح الكافي في قواعد الاشتباك، مقارنة بما عرفه خلال خدمته السابقة. وأشار إلى مقتل ثلاثة رهائن إسرائيليين برصاص القوات الإسرائيلية نفسها في ديسمبر 2023، بعد أن اقتربوا وهم يلوحون بأعلام بيضاء بوصفه حادثة زادت شكوكه في طريقة عمل المنظومة العسكرية كلها. إثر ذلك قرر "زيف" عدم العودة إلى الخدمة بعد أن خلص إلى أنه لا يثق بأهداف الحكومة من استمرار العمليات.
4. الشهادة الرابعة
"طال فاردي" مدرّس مدني ومدرّب لمشغلي الدبابات في الاحتياط، قد عاد إلى الخدمة بعد عمليات السابع من أكتوبر 2023، قال في المقابلة نفسها إنه لم يعد يرى مبررا لاستمرار العمليات العسكرية بالطريقة التي تجري بها. وبحسب روايته، فإن استمرار الحرب لا يضمن إعادة الرهائن، بينما يعرّض الجنود الإسرائيليين والمدنيين الفلسطينيين لمزيد من الموت. وتكتسب شهادته لِلْGuardien يوم 27 يوليوز 2024 أهميتها من كونها صادرة عن شخص عاد إلى الخدمة بعد الهجمات التي استهدفت الإسرائيليين، لا عن شخص لم يشارك في التعبئة العسكرية، لقد قبل الخدمة أولاً ثم وصل إلى قناعة بأن الاستمرار فيها لم يعد قابلا للتبرير ، وهي شهادة على تصدع القناعة لدى بعض العسكريين.
5. الشهادة الخامسة:
جندي مشاة سابق، في تحقيق نشرته وكالة أسوشيتد برس APفي يناير 2025، تحدث جندي مشاة إسرائيلي سابق اشترط عدم الكشف عن هويته خشية الانتقام منه. قال إنه شاهد إحراق نحو خمسة عشر مبنى خلال فترة قصيرة من خدمته، واعتقد أن تدميرها لم يكن ضروريا، وأضاف أنه لم يشعل النار بنفسه، لكنه وقف يحرس المنزل أثناء إحراقه، ولذلك شعر بأنه شارك في الجريمة، وتكتسب هذه الرواية أهمية لأنها لا تأتي من شخص يصف أفعال الآخرين فحسب، بل من جندي يعترف بموقعه داخل الحدث وبالمسؤولية التي يشعر بها تجاهه.
6. الشهادة السادسة
هي شهادة من رتبة أعلى، "عاميرام ليفين" لواء متقاعد و قائد سابق للقيادة الشمالية ونائب سابق لمدير الموساد، في The Times of Israel غشت 2023 انتقد ليفين ما وصفه بتواطؤ الجيش مع اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، واعتبر أن المؤسسة العسكرية أصبحت شريكا في واقع خطير حين لا تمنع الاعتداءات على الفلسطينيين، كما شبّه نظام السيطرة في الضفة الغربية بنظام الفصل العنصري، هذه التصريحات ليست اعترافا منه بارتكاب جريمة محددة في غزة، لكنها تقدم نقدا صادرا عن مسؤول أمني وعسكري رفيع لبنية السيطرة العسكرية في الضفة الغربية، وتفتح نقاشاً عن مسؤولية القيادة لا مسؤولية المنفذين وحدهم.
شهادات الجنود وانسحابهم من الجيش هي واحدة من عشرات الظواهر التي تواجه الكيان والتي ادخلوها في أزمة استراتيجية تتجاوز حدود الحرب العسكرية إلى سؤال قدرتها على ضمان مستقبلها السياسي والأمني والاقتصادي، فالعزلة الدولية لم تعد مجرد تراجع في الصورة الدبلوماسية إذ أحصى معهد سياسات الشعب اليهودي 159 إجراء تقييديا ودبلوماسيا في 65 دولة وكياناً، بينها 94 إجراء غير أكاديمي سارياأ المفعول و37 إجراء أكاديمي وفق بيانات 26 أكتوبر 2026، وفي بريطانيا امتدت القيود إلى صادرات السلاح والتعاملات المرتبطة بالمستوطنات، بينما طُرحت أوروبيا إجراءات لتقييد الجانب التجاري من اتفاق الشراكة مع إسرائيل، أما اقتصاديا فيقدر بنك إسرائيل خسائر الناتج التراكمية منذ اندلاع الحرب حتى نهاية 2025 بنحو 177 مليار شيكل أي ما يعادل 8.6% من الناتج الداخلي السنوي، فيما قُدّرت كلفة الحرب بين 2023 و2026 بنحو 350 مليار شيكل دون احتساب تكاليف العملية العسكرية ضد إيران التي بدأت في فبراير 2026، ويتوقع صندوق النقد أن يبلغ الدين العام 70.1% من الناتج الداخلي في 2026 مع استمرار ارتفاع الإنفاق الدفاعي وضغوط نقص اليد العاملة، هذه الأرقام إلى جانب الانقسام الداخلي واستنزاف الجيش وتراجع الثقة والعزلة الدوليتين تكشف مأزقا استراتيجيا، فإسرائيل قد تحتفظ بتفوقها العسكري وبعلاقات قوية مع حليفتها أمريكا، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في تحويل القوة العسكرية إلى أمن مستدام وشرعية دولية واستقرار اقتصادي مما يعني يعني أن كلفة استمرار سياساتها ومخاطرها الاستراتيجية تتراكم على أكثر من جبهة في وقت واحد.
#الهيموت_عبدالسلام (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟