أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - الهيموت عبدالسلام - طاحونة التشهير














المزيد.....

طاحونة التشهير


الهيموت عبدالسلام

الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 07:52
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


قد يحقق التشهير لأصحابه مكاسب سياسية واقتصادية، وقد ينجح أحيانا في إسكات بعض الأصوات والأقلام، وقد ينجح في تحريف النقاش العمومي عن مساره الصحيح لكنه يترك وراءه خسائر كبيرة إذ يُعلّم الاجيال الحالية أن الإثارة أهم من الكرامة، و التهمة أقوى من الحجة، والإنتقام أهم من الخلاف، والإشاعة أفضل من سلاح المعرفة .
وقد تكسب الكراهية جولة وقد ينتصر الضجيج موسما، لكن المجتمعات التي تجعل من الانتقام ثقافة، ومن التشهير وسيلة، تدفع ثمن ذلك من رصيدها الأخلاقي ومن قدرتها على إنتاج مواطنين أحرار، قادرين على الاختلاف دون عداوة، وعلى النقد دون تشويه، وعلى الدفاع عن أفكارهم دون اغتيال معنوي لخصومهم ،و تخسر فرصا في التقدم والتطور والعيش المشترك.

الحروب الأهلية الدموية التي عرفتها البوسنة ورواندا و إسپانيا و لبنان سبقها هذا النوع من التحريض الإعلامي واستباحة الأجساد و تشويه السمعة و اعتبار فئة مجتمعية أخرى دخيلة و تهديدا وجوديا للوطن، بضع سنوات فقط كانت كافية لإشعال حروب اهلية طاحنة أسالت الكثير من الدماء والخراب ولم يكن وقودُها الاختلاف السياسي و الفكري كما يحصل في كل أرض المعمور بل كانت الكراهية والشيطنة و الاستئصال والاغتيال الرمزي.
حين يتحول التشهير إلى أسلوب مألوف في إدارة الخلاف، لا تعود الضحية شخصا بعينه بل يصبح الوطن كله ضحية إذ تتآكل الثقة بين الناس، وتفقد الكلمات معناها، ويتحول المجال العمومي من فضاء للحوار إلى ساحة للمطاردة ، ومن مدرسة لبناء المواطنة إلى حلبة للانتقام وتصفية الحسابات ، وهكذا يتراجع المجتمع عقودا للوراء من مجتمع المعرفة لصالح مجتمع الإشاعة، و من نعمة الحوار والاختلاف الخلاق لصالح الصراخ و الكراهية و الاستباحة .
وكما أن الدخان الكثيف لا يكشف النار وحدها بل يكشف اضطراب احتراقها، فإن الكلمات المتشنجة والمشبعة بالاحتقار لاتؤذي ضحيتها فقط ، بل تفضح الفوضى التي تعصف بصاحبها، فالنفس المثقلة بالضغينة لا ترى في الاختلاف فرصة للفهم بل تهديداً، ولا ترى في النقد حوارا بل مؤامرة، ولا ترى في الإنسان خصما فكريا بل فريسة محتملة.

في البدء كان التشهير مجرد مزحة ثقيلة، أو تلميحا خبيثا قيل على سبيل التسلية، وسخرية من العاهات ومن أوضاع اجتماعية ومن جراح لم يخترها الناس وحظيت بالتصفيق والإعجاب ، حتى أصبح التشهير لعبة وطنية يحظى بالعناية وطقسا يوميا عاديا للافتراس المعنوي، واعتقد الجمهور في ظل الإحباط والقمع والانسداد وعدم القدرة على تصريف الضغط في مساره الطبيعي أن نهش الآخرين يمنح شعورا زائفا بالقوة، وأن تحطيم سمعة إنسان قد يكون أقصر الطرق لهروب الإنسان من مواجهة نفسه، و بدأ الوحش ينمو ويكبر وكل يوم يطالب بفضيحة أكبر ، وبعد أن اعتاد الجمهور المشهد الفضائحي لم تعد جرعة البارحة تكفي، و ما كان يثير الصدمة والفرجة والإثارة بالأمس أصبح اليوم عاديا وباهتا، وكما يحدث في كل أنواع الإدمان أصبحت اللعبة تحتاج إلى جرعات متزايدة من الإثارة ،لم يعد يكفي التشكيك بل صار لا بد من التشويه، ولم يعد يكفي التشويه بل صار لا بد من الإذلال ، ولم يعد يكفي الإذلال بل صار لا بد من التدمير الكامل للشخص أمام الجمهور بأية وسيلة كانت، وهكذا تحولت السمعة البشرية إلى مادة تستهلك لساعات ، ثم يبدأ البحث المحموم عن ضحية الغد، فالجمهور الذي تعود على الفرجة لا يغفر لمن لا يقدّم له وجبة جديدة إلا ان تكون اكثر عريا وانسلاخا .

أصبحت اللعبة تشبه طاحونة لا تعرف التوقف، فالمشهِّر لم يعد يملك حرية التراجع لأن جمهوره ينتظر وجبته اليومية ، والجمهور نفسه لم يعد قادرا على الاستغناء عن فرجته اليومية التي توفرها له حفلات الافتراس الجماعي .
و يبلغ الوحش مراحله الأكثر رعبا فبعد أن كان يلتهم الأفراد، يجر أسرته وأصدقاءه و يستدعي صوره و أخطاءه الصغيرة والكبيرة وماضيه ليعلقها في ساحة الفرجة . وهكذا نشأت علاقة تواطؤ غريبة بين الوحش و جمهوره كل طرف يظن أنه يستخدم الآخر، بينما كلاهما أصبح رهينة للعبة نفسها.



#الهيموت_عبدالسلام (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إدغار موران: العيش داخل المعنى و على حافة السؤال
- في أبجديات الحروب
- تخيلوا فقط
- من يحكم العالم؟
- حول فيضان واد الشعبة بآسفي
- دروس من ممالك الحشرات
- اقتراح متواضع
- الديمقراطية هي الحل
- الحياحة الرقمية
- العطب قديم
- ملحمة غزة
- من وحي التغاريد
- ضربات قوة أم ضربات ضعف
- لديهم نفط هائل وهذا النفط لنا (ترامب)
- سيكولوجية الأنا الرقمية
- أين اختفى التين الشوكي فاكهة الفقراء
- طلال لحلو و أرسطو والديمقراطية
- الكتابة فعل مقاومة وامتداد للحياة
- لأول مرة مؤتمر يهودي مناهض للصهيونية على الصعيد الدولي
- حوار متخيل بين -بنيامين نتنياهو- و -علي الحسيني الخامنئي-


المزيد.....




- أُطلقت لأول مرة عام 1999.. لعبة يابانية تعود بقوة في أجزاء م ...
- باحثون يصنعون فستانًا من أخشاب سفينة دُفنت قبل قرون
- تحليل.. هل ينجح روبيو في تبديد -مخاوف- الخليج من الاتفاق مع ...
- إيران تعلن تشكيل لجنة مشتركة مع عُمان بشأن مضيق هرمز
- ترامب يُكذّب إيران: وافَقَت على أعلى مستويات التفتيش النووي ...
- تأشيرات ليوم واحد.. وفد من طالبان يزور بروكسل لبحث ملف الهجر ...
- نواب فرنسيون يتقدمون بمشروع قانون لحظر منتجات المستوطنات الإ ...
- لافروف: أوروبا تمثل مجددا التهديد الرئيسي للأمن الدولي
- قناة روسية: نبيذ يودي بحياة 3 سياح روس في جزيرة بالي
- لافروف: لا أريد حتى مجرد الاشتباه بأن قمة -ألاسكا- صممت لكسب ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - الهيموت عبدالسلام - طاحونة التشهير