|
|
شكسپير وماركس وجهان لعبقرية سبر أغوار صراعات الإنسان ومصيره
الهيموت عبدالسلام
الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 20:14
المحور:
الادب والفن
لم يكن ماركس مجرد قارئ نهِم لوليام شكسبير، بل كان يحفظ مقاطع طويلة من مسرحياته، وآستشهد بها عشرات المرات في رسائله وكتبه بما فيها كتاب رأس المال. وصف الكثير من الباحثين العلاقة بينهما بأنها حوار فكري عبر الزمن، حيث استعار ماركس من شكسبير صورا أدبية لفهم مفاعيل المال والسلطة والجشع والاغتراب على النفس البشرية. إن أسرة ماركس كانت تعيش ما يشبه "عبادة شكسبير"، فقد كانت زوجته "جيني" وبناته يقرأن مسرحياته باستمرار، وكانت ابنته "إليانور" من أبرز المروجات لأعمال شكسبير في الأوساط الاشتراكية والعمالية وكانت تعتبر كتب شكسپير إنجيل الأسرة، إن الأسرة كانت تخرج في نزهات الأحد إلى ضواحي لندن، وأن أفرادها بمعية ماركس كانوا يتبادلون مقاطع شكسبير وهم يسيرون في الطريق إلى متنزه هامبستيد هيث. العلاقة بين ماركس وشكسپير ليست علاقة أستاذ بتلميذ بل علاقة عملاقين تحاورا رغم المسافة الزمنية التي تفصلهما ، عاش شكسپير قبل ماركس ب 200 سنة ، والفرق أن أحدهما كشف أعماق النفس البشرية بالمسرح، والآخر كشف وفكك آليات النظام الرأسمالي بالنقد الاقتصادي والفلسفي، لذلك يبدو أحياناً وكأن ماركس يفككك آليات الراسمالية بعين شكسبير، بينما يقرأ شكسبير الإنسان بعينٍ سبقت ماركس بقرون.
أشارت دراسة "أيها المعدن اللعين" لِ Christian smith أن ماركس اقتبس من شكسبير ما لا يقل عن 176 مرة في مجموع كتاباته، وأن الإحالات والاقتباسات شملت 29 مسرحية من أصل 37 مسرحية معتمدة في المجموعة التي درسها الباحث. كتب عدد من الباحثين الكثير عن هذه العلاقة الغريبة بين هاتين العبقريتين ، فما كان يجمعها هو أن ماركس لم ينظر إلى الأدب بوصفه زينة للثورة وليس استراحة فكرية، بل بوصفه إحدى وسائل فهم الواقع الإنساني الذي تسعى الثورة إلى تغييره. ولذلك كان يعود إلى شكسبير باستمرار، لا ليبحث عن نظرية اقتصادية، بل عن الحقيقة الإنسانية التي تعجز الأرقام عن قولها، ومن أعمق الأفكار التي تتكرر في تلك الدراسات أن الصراع الطبقي وحده لا يفسر الإنسان، كما أن الأدب وحده لا يغير العالم، لكن حين يلتقيان يتكاملان، يصبح الأدب وعياً وفهما عميقا بالصراع، ويصبح الصراع دفاعاً عن الإنسان.
يؤكد الناقد الماركسي "تيري إيغلتون" أن شكسبير لا ينبغي أن يُختزل في كونه شاعر سلطة ، بل لأنه منح اللغة والدراما القدرةَ على التعبير عن آمال البشر وهواجسهم ومخاوفهم وصراعاتهم، ولهذا ظل يُقرأ إلى اليوم، كان ماركس يقتبس كثيرا من شكسبير في كتابه رأس المال، فحين أراد أن يشرح كيف يحوّل المال القيم الإنسانية إلى سلع، وجد أن شكسبير سبق الاقتصاديين إلى تصوير هذه المفارقة بلغة شعرية نافذة، لقد احتاج ماركس إلى خيال شكسبير لكي يمنح نظريته وجها إنسانياً، ولذلك قال بعض الدارسين إن شكسبير علّم ماركس كيف يفككك الرأسمال بينما علّم ماركس القراء كيف يقرأون شكسبير؛ فالأول كشف دراما الإنسان، والثاني كشف دراما المجتمع والطبقات، ولا تكتمل صورة التاريخ إلا باجتماعهما. وإذا كان ماركس قد وجد في شكسبير صورةً للذهب ليس باعتباره فتنة بصرية أو معدنا لامعا لبيع الاشياء وشرائها، بل هو قادر على أن يجعل القبيح جميلا و الباطل حقا والجبان شجاعا و الوضيع نبيلا واللص محترما ، إن الذهب حين ينتقل بريقه من المعدن إلى المجتمع يستطيع أن يفرق الاديان وأن يوحدها، وذلك ما أكده ماركس في مخطوطاته الاقتصادية والفلسفية 1948 حيث سمى الذهب بِ "الإلاه المرئي" الذي يظهر كقوة خارقة تحول الصفات الإنسانية إلى أضدادها، و تجعل الذي يمتلكه قادرا على امتلاك ما لا يستطيع الحصول عليه يقدراته الإنسانية. من أقوى الأدلة على علاقة ماركس بالأدب استشهاده بمسرحية شكسبير تيمون الأثيني في مخطوطاته الاقتصادية والفلسفية ،تدور المسرحية حول تيمون، الرجل الذي ينفق ثروته بسخاء على أصدقائه، ثم يكتشف عندما يفقد كل أمواله، أن كثيراً من العلاقات التي حسِبها صداقة لم تكن سوى صداقة مصالح. وفي المشهد الشهير الذي يستحضره ماركس، يتأمل "تيمون" الذهب باعتباره قوة قادرة على قلب المعايير: تحويل الخطأ إلى صواب، والحقارة إلى نبل، لم يكن ماركس يستشهد هنا بالزخارف الشعرية على أهميتها بل لقد وجد في كلام شكسبير تصويراً مكثفاً لما يريد تحليله نظريا وفلسفيا . أما عن تاجر البندقية: تتحدث المسرحية عن تاجر مرابي اسمه شيلوك يقرض أنطونيو قدرا من المال، وحين يعجز انطونيو عن سداد القرض يصبح مطالبا بتعويضه برطل لحم من جسده ويتشبت التاجر بشرطه حرفيا المنصوص عليه في العقد وألا تضيع قطرة دم حين يقتطع رطل اللحم من جسم أنطونيو .
لم ينشغل ماركس فقط بقوانين الرأسمالية وآلياتها وبتشريح علاقات الإنتاج والصراع الطبقي والمادية الجدلية والتاريخية بل وكذلك بعوالم الشعر والمسرح والأسطورة، كان الأدب يسكن حياته الفكرية كما تسكنها الفلسفة والاقتصاد السياسي. وإذا كان قد أمضى سنوات في تفكيك منطق رأس المال، فقد وجد في شكسبير ما يساعده على فهم ذلك الكائن المعقد الذي يقف وراء الأرقام والمعادلات، الإنسان برغباته ومخاوفه وتناقضاته وأوهامه وصراعاته. تروي شهادة "بول لافارغ" صهر ماركس وكاتب سيرته، أن ماركس كان يعود إلى إسخيلوس كل سنة، ويقرأه بلغته اليونانية الأصلية، وأنه كان يضعه إلى جانب شكسبير في منزلة استثنائية بين عبقريات المسرح، اما الشاعر الألماني "غوته" كان من الشعراء الذين حفظ ماركس كثيراً من أشعارهم، وكان يستشهد به في أحاديثه ويمثل غوته عالَماً أدبياً تتشابك فيه الرغبة والمعرفة والعمل والطموح ، و معاناة التوفيق بينما يتطلع له الفرد وحدود العالم الذي يعيش فيه. لم يكن كارل ماركس مجرد فيلسوف وناقد للاقتصاد السياسي، بل كان قارئاً شرِها للأدب والشعر والمسرح والفلسفة، وجد في الإبداع الأدبي مختبراً لفهم الإنسان وتناقضاته وصراعاته ومصيره، فقد افتتن بشكسبير وإسخيلوس، وكان يعود إلى التراجيديا اليونانية بلغتها الأصلية، كما أحب شيلر وهاينه، واهتم بهوميروس ودانتي وسرفانتس وبلزاك، فضلاً عن الشاعر الاسكتلندي روبرت بيرنز، وتكشف كتاباته ومراسلاته وشهادات المقربين منه عن ثقافة أدبية واسعة امتزجت بقراءاته للفلسفة اليونانية، ولا سيما أرسطو وبأعماله النقدية مع لهيغل وفويرباخ وبرودون وغيرهم. إن العمل الفني عموما ليس مجرد انعكاس ميكانيكي للبنية الاقتصادية وأن عظمة الإبداع لا تُقاس بمستوى التطور التقني أو المادي وحده، فالأسطورة كانت مادة الفن اليوناني وأساسه، لأنها عبّرت عن الطريقة التي تخيّل بها الإنسان القديم الطبيعة والعلاقات الاجتماعية ولا زالت مثار مُتعة لحد الآن.
إن الأدب والإبداع الإنساني في المشروع الماركسي يكشف التناقضات التي يعيشها الإنسان، ويمنحنا معرفة بالشخصيات والدوافع والعلاقات الاجتماعية، بينما يساعد النقد الفلسفي على مساءلة الأفكار السائدة والمفاهيم المؤطرة ويكشف النقد الاقتصادي للشروط المادية التي تنتج الاستغلال والاستلاب ،إنه بقدر ما نحتاج إلى فهم منطق الرأسمال وآليات تراكمه، وكيفية إنتاج القيمة وفائض القيمة وما ينطوي عليه ذلك من استغلال واحتكار واغتراب، نحتاج أيضاً إلى الفن والإبداع والخيال لتوسيع أفق الرؤية، لأن فهم العالم لا يكتمل بتحليل شروطه الاقتصادية وحدها، بل يتطلب أيضاً استكشاف كيف يعيشه الإنسان، وكيف يتألم داخله، وكيف يتخيله ويحلم بتجاوزه. فالفلسفة تنقد الأفكار، والاقتصاد السياسي يكشف البنى والعلاقات المادية، أما الأدب والفن فيمنحان التناقضات الإنسانية صوتاً وصورةً وعمقاً وجدانياً. إننا لا نحتاج إلى فهم العالم فحسب، بل إلى امتلاك الخيال الذي يساعدنا على تصوّر عالم آخر، والوعي النقدي الذي يكشف استحالة استمرار هذا العالم على حاله، والإرادة الجماعية القادرة على تغييره. مسار ماركس الكبير والمتنوع يقول أنه لا يكفي أن نفهم كيف يراكم الرأسمال ثروته، وكيف ينتج فائض القيمة والاستغلال والاغتراب، بل ينبغي أن نفهم أيضاً كيف يعيش الإنسان هذه العلاقات، وكيف تتشكل رغباته ومخاوفه وأحلامه داخلها، هنا تلتقي الفلسفة بالاقتصاد السياسي، ويلتقي التحليل بالأدب والفن والخيال، فالعلم يكشف آليات نمط الإنتاج، والنقد يفكك تناقضاته، والفن ينفذ إلى أعماق التجربة الإنسانية، والخيال يفتح أفق الممكن، أما تغيير العالم فيحتاج إلى ممارسة بشرية قادرة على تحويل المعرفة والرغبة في التحرر إلى فعل تاريخي.
#الهيموت_عبدالسلام (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
السردية اليهودية
-
ديمقراطية قن الدجاج
-
حين يصبح الفن وثيقة
-
طاحونة التشهير
-
إدغار موران: العيش داخل المعنى و على حافة السؤال
-
في أبجديات الحروب
-
تخيلوا فقط
-
من يحكم العالم؟
-
حول فيضان واد الشعبة بآسفي
-
دروس من ممالك الحشرات
-
اقتراح متواضع
-
الديمقراطية هي الحل
-
الحياحة الرقمية
-
العطب قديم
-
ملحمة غزة
-
من وحي التغاريد
-
ضربات قوة أم ضربات ضعف
-
لديهم نفط هائل وهذا النفط لنا (ترامب)
-
سيكولوجية الأنا الرقمية
-
أين اختفى التين الشوكي فاكهة الفقراء
المزيد.....
-
فيلم «خروج آمن» يحصد النجمة الذهبية في ختام مهرجان الجونة ال
...
-
ذكرى iPod الـ25 تتحول إلى مشغل موسيقى رقمي على Apple Music
-
فيلم -البارح العين ما نامت-.. جمال المكان وقسوة الأعراف
-
ريمون شويتي يوثق مسيرته الفنية وذاكرة بيروت في سيرة ذاتية جد
...
-
تُوفي عقب السقوط على المسرح.. زوجة لاعب كمال أجسام تحذر من ح
...
-
فنانة تركية ترسم لوحة لمحمد صلاح وتحلم بتقديمها له بنفسها (ف
...
-
الأمير وليام يكشف عن شغفه بالسينما والموسيقى وطموحاته القديم
...
-
فضل شاكر يصالح المسرح مجدداً بعد 14 سنة من الغياب، كيف تفاعل
...
-
“الخدمات البيطرية” تبحث تعزيز التعاون المشترك مع روسيا في ال
...
-
جلسة تناقش الحقوق الثقافية وحقوق الإنسان في معرض أربيل الدول
...
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|