أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - الهيموت عبدالسلام - السردية اليهودية















المزيد.....

السردية اليهودية


الهيموت عبدالسلام

الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 02:47
المحور: الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
    


الشعوب ليست فقط جماعات من البشر تتقاسم نفس المكان، بل هي جماعات تسعى لأن تتقاسم نفس الحكاية، كل شعب يحتاج لكي يتحول من أفراد متفرقين إلى نحن، إلى سردية تقول له: من نحن؟ من أين جئنا؟ ماذا عانينا؟ من هم أبطالنا؟ ما أرضنا؟ وما تطلعاتنا، وما المستقبل الذي نريده؟ ولهذا كانت السرديات الكبرى واحدة من أقوى الأدوات التي صنعت التاريخ.
السرديات الكبرى قد تبدأ من أحداث حقيقية وحروب حقيقية وتراجيديات حقيقية وشخصيات تاريخية حقيقية، لكنها تنتقي من الماضي ما يمنح الجماعة معنى وهوية ومصيرا، ولذلك يمكن للسردية أن تمنح الإنسان الإحساس بالانتماء والتضامن والاستمرارية بين الأجيال و البطولات والتضحيات.
استطاعت السرديات الكبرى أن تجعل الإنسان مستعدا للتضحية بحياته من أجل أن يتجاوز مصلحته الفردية، مات الناس من أجل الوطن والثورة والدين والحرية والاستقلال والعدالة. وبفضل السرديات استطاعت جماعات بشرية هائلة أن تتعاون رغم أنها لا تعرف بعضها بعضا، إن السردية تمنح الملايين قصة مشتركة تجعلهم يتصرفون كما لو كانوا شخصا واحدا.
تبدأ المشكلة حين تتحول السردية من قصة تساعد الإنسان على فهم العالم إلى حقيقة مقدسة لا يجوز مساءلتها او انتقادها ، وذلك حين تقول كل جماعة ما : قصتي هذه ليست مجرد قصة، بل هي القصة الحقيقية والوحيدة، فيصبح المختلف خصما وربما عدوا لا يُقبَل تأويله او اختلافه بل يعتبر تهديدا وجوديا للسردية ذاتها.

لعبت السرديات الكبرى دورا إيجابيا وحاسما في بناء المجتمعات الإنسانية، فالسردية الدينية منحت الإنسان معنى يتجاوز وجوده الفردي، وربطت حياته بمبادئ أخلاقية عامة، والسردية الوطنية حوّلت أفرادا متفرقين إلى مواطنين يتقاسمون ذاكرةً ومصيرا مشتركا، وأسهمت في مقاومة الاحتلال وبناء الدولة الحديثة، أما السرديات التحررية والثورية فقد منحت المظلومين لغةً للمطالبة بالحرية والمساواة والكرامة، بينما جعلت السردية الديمقراطية من إرادة المواطنين وحقوقهم أساسا ومصدرا للشرعية السياسية،و السرديات الاشتراكية والعمالية لعبت دورا مهما في الدفاع عن الفئات الفقيرة وحقوق العمال والتبشير بمجتمع خالص من الطبقات والاستغلال، وبذلك لم تكن السرديات الكبرى مجرد أوهام وأساطير، بل كانت في مراحل كثيرة قوة تاريخية مكّنت البشر من التضامن والتنظيم والتضحية من أجل قيم تتجاوز المصلحة الفردية.
القيمة الإيجابية للسردية لا تكمن فقط في كونها تحكي الماضي، بل في قدرتها على تحويل الماضي إلى مشروع للمستقبل، فسردية الاستقلال تستطيع أن توحّد شعبا في مواجهة الاستعمار، وسردية الحرية تستطيع أن تحشد الناس ضد الاستبداد، وسردية حقوق الإنسان تستطيع أن تتجاوز الحدود القومية لتجعل كرامة الفرد قيمة مشتركة بين البشر. غير أن هذه الوظيفة الإيجابية تنقلب إلى نقيضها عندما تتوقف السردية عن كونها وسيلة لفهم الذات وتتحول إلى حقيقة مقدسة وفي تحولها من مصدر للمعنى والتضامن والتضحية إلى أداة للاحتكار والإقصاء والتبرير .
من هذا المنطلق وبهذا المدخل يقارب "يوفال نوح هراري" المؤرخ والمفكر الإسرائيلي الذي اشتهر عالميا بكتبه التي تبحث في تاريخ البشرية ومستقبلها، ومن ضمنها "كتاب 21 درسا للقرن الحادي والعشرين" الذي سيصاحبنا في هذا المقال.
يوفال هراري لا يهاجم السرديات الكبرى لأنها سرديات فحسب، فهو يرى أن الإنسان نفسه كائن سردي، وأن الحضارات والدول والأديان والأمم لا تستطيع الاستمرار من دون سرديات أو قصص مشتركة.
ومن أكثر الأمثلة حساسية بالنسبة إلى يوفال هراري السردية التي وُلد داخلها هو نفسه وهي السردية اليهودية، يوفال هراري يهودي إسرائيلي، نشأ داخل المجتمع الإسرائيلي، وعرف من الداخل القصص التي تُروى عن اليهود: شعب قديم، وشعب اختاره الله، وأرض الميعاد وأورشليم المقدسة، والشتات، والاضطهاد، والمذابح، والهولوكوست، ثم اغتصاب أرض وإقامة الدولة الصهيونية على أرض فلسطين.

إن فكرة الاختيار الإلهي لموقع حساس في السردية اليهودية وأن اليهودية تتحدث عن عهد خاص بين الله وبني إسرائيل، وعن شعب اختير ليحمل عهدا وشريعة ،هنا يرى هراري خطورة الفكرة التي تنتقل من مفهوم ديني يتعلق بالعهد والمسؤولية إلى تصوير أن الجماعة اليهودية صاحبة مكانة استتنائية في التاريخ، تقول هذه الجماعة بصيغة أخرى نحن لسنا مجرد شعب من باقي الشعوب بل نحن أصحاب دور استتنائي في التاريخ وهذا ما يرفضه هراري بقوة أن تجعل جماعة نفسها محورا في العالم وأن تتحول من فكرة دينية إلى بناء قومي و سياسي .
تأتي بعد ذلك واحدة من أكثر حلقات السردية اليهودية خطورة وهي أرض الميعاد، فالارض في السردية التوراتية ليست مجرد قطعة جغرافية، بل هي أرض مرتبطة بالعهد والوعد الإلاهيين،
مدينة القدس يقول هواري جزء من ذاكرة دينية وتاريخية أمر لا يحتاج إلى الإنكار ، أما أن تنتقل المدينة من مجال ديني إلى خطاب قومي وسياسي ومن مدينة تاريخية إلى مدينة أبدية ، فالمدينة لم تكن يوما ذاكرة لجماعة واحدة فقط، إنها أيضا مدينة فلسطينية وعربية وإسلامية ومسيحية، فضلا عن تاريخها المتعدد قبل ظهور القوميات الحديثة أصلا، وهنا تصبح المشكلة ليست في الذاكرة بل في احتكار المعنى والحقوق والذاكرة.

القضية ليست مجرد استعادة لذاكرة تاريخية، بل ستصبح صراع سرديتين على المكان نفسه، السردية اليهودية والسردية الفلسطينية، اليهود يقولون: هذه أرض آبائنا، ونحن شعب عانى النفي والاضطهاد وعدنا إلى موطننا التاريخي، أما الفلسطيني فيقول: هذه أرض عاش فيها أجدادنا وآباؤنا، ونحن الذين كنا هنا عندما بدأت عملية الاستيطان والتهجير والإحلال و إقامة المشروع الصهيوني، كل طرف يملك ذاكرة حقيقية، وكل طرف يملك ضحايا حقيقيين، وكل طرف يستطيع أن يروي التاريخ من زاوية تجعله يبدو صاحب الحق الكامل، ولكن مَن الضحية ولمَن ؟
تتكون السردية اليهودية ضمن سلسلة طويلة من المحن: الشتات، الاضطهادات الأوروبية، المذابح، معاداة اليهود، ثم الهولوكوست، وهنا لا يستطيع النقد الجاد أن يتجاهل ان الهولوكوست ليست سردية بمعنى أنها اختراع رمزي؛ إنها جريمة ارتكبها النظام النازي وحلفاؤه والمتعاونون معه ضد اليهود وغير اليهود، لكن السؤال الذي يطرحه هراري كيف تتحول الذاكرة التاريخية للمأساة إلى عنصر دائم في تعريف الذات السياسية؟ هل كل شعب تعرض للاضطهاد يجب ان يكون في حالة هجوم دائم وفي حالة توسع دائم؟ وهل من تعرض للاضطهاد يجعل وجوده السياسي مسألةَ حياة او موت؟ المأساة هنا ليست سردية تحفظ ذاكرة الضحايا من النسيان ،بل أصبحت أداة لتبرير سياسات الحاضر ،إن مأساة الماضي لا تمنح أحدا شيك بياض مفتوح لاقتلاع شعب آخر مستقر في أرضه ولا دخل له في المأساة لا قريب و لا من بعيد.

يقول هراري إن الإسرائيليين يتعلمون منذ الطفولة أن اليهودية تكاد تكون نجمة التاريخ البشري، وأن التعليم الإسرائيلي يقدم لهم تاريخا يبدأ بالعهد القديم، ويمر بالهيكل الثاني ومملكة إسرائيل والشتات، والهولوكوست ثم الصهيونية وقيام إسرائيل، بحيث يبدو هذا المسار وكأنه يلخص هذه الحبكات الأساسية في التاريخ الإنساني كله وليس جزءا من تاريخ شعوب العالم .
إن اليهودية لعبت دورا متواضعا ولم تكن أبدا صاحبة مشروع أخلاقي عالمي بل يرى هراري ان المسيحية هي التي أخذت بعض عناصر التراث اليهودي وحولتها إلى رسالة كونية موجهة لجميع البشر، وهنا يستحضر استعارة شديدة القسوة وهي «اليهودية هي أم المسيحية مثل أم فرويد» يقول فيها إن فرويد ما كان ليولَد من دون أمه و كذلك فإن المسيحية ما كان لها أن تظهر دون اليهودية، لكن عندما نكتب تاريخ علم النفس الحديث لا نخصص فصلا لأم فرويد ،وبالمثل يرى أن وجود اليهودية شرط مهم لفهم ظهور المسيحية، لكن هذا لا يعني أنها كانت القوة الرئيسية في تاريخ البشرية .
اكثر من ذلك أن اليهودية بخلاف المسيحية والإسلام والبوذية، كانت تاريخيًا دينا قبَليا وخاصا بجماعة محددة، دينا يهتم أساسا بمصير شعب وأرض محددين، وليس بتحويل البشرية كلها إلى جماعة دينية واحدة، وحتى عندما ننظر إلى تاريخ الإنسان منذ ظهور Homo sapiens نرى أن الزراعة والمدن والكتابة والنقود والحضارات الكبرى ظهرت قبل اليهودية بزمن طويل. ويستشهد هراري بنصوص من العهد القديم والتلمود وبعض التفاسير الحاخامية ليَخلُص إلى أن الأخلاق اليهودية التاريخية كانت أخلاقا داخلية للجماعة أكثر منها أخلاقا كونية، ثم يقارن ذلك بالمسيحية المبكرة، وخاصة في رسائل "بولس"الذي قدم تصورا أكثر عالمية للمساواة بين البشر، مستشهدا بفكرة أنه "لا يهودي ولا يوناني، ولا عبد ولا حر، ولا ذكر ولا أنثى لأنكم جميعا واحد في المسيح يسوع“.

يجادل هراري كثيرا بأن عدد أفراد الجماعة أو كثافة ذاكرتها لا يبرران منحها مكانة مركزية في سردية البشرية، مثلما أن محدودية تأثير جماعة ما لا تنتقص من سرديتها ومن كرامة أفرادها،إن إسهام اليهود في تطور الحضارة أمر مبالغ فيه لأن إنجازات العلماء والمفكرين لا تعود لتراثهم اليهودي بل للبيئات الفكرية والعلمية التي عاشوا فيها والتي طورتها مجتمعات متعددة، يضيف أن كثيرا من العلماء اليهود البارزين ظهروا في القرن التاسع عشر والعشرين بعد العلمنة والتحرر اليهودي والاندماج في الجامعات والمجتمعات الأوروبية ،وإينشتاين كان يهوديا ولكن نظرية النسبية ليست فيزياء يهودية كما ان كون نيوتن إنجليزيا لا يجعل الجاذبية إنجليزية وكون ابن الهيثم عربيا لا يجعل علم البصريات ملكية عرقية للعرب ، فرويد يهودي ولكن عقدة اوديب استمدها من أسطورة يونانية ، أما ادعاء اليهود أنهم اخترعوا الأخلاق فإنه قبل اليهودية بحوالي الفين سنة عرف المصريون القدماء تصورات أخلاقية مرتبطة بالعدل والنظام، وناقشت نصوص بلاد الرافدين مسؤولية الإنسان ومعاناة المظلوم، وطوّر اليونان فلسفات الفضيلة، وناقش كونفوشيوس واجبات الإنسان والعلاقات الاجتماعية، وظهرت في الهند تقاليد فلسفية وأخلاقية عميقة. كما أنتج الفلاسفة المسلمون، مثل الفارابي وابن مسكويه، أعمالًا في الأخلاق استفادت من التراث اليوناني وطوّرته.



#الهيموت_عبدالسلام (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ديمقراطية قن الدجاج
- حين يصبح الفن وثيقة
- طاحونة التشهير
- إدغار موران: العيش داخل المعنى و على حافة السؤال
- في أبجديات الحروب
- تخيلوا فقط
- من يحكم العالم؟
- حول فيضان واد الشعبة بآسفي
- دروس من ممالك الحشرات
- اقتراح متواضع
- الديمقراطية هي الحل
- الحياحة الرقمية
- العطب قديم
- ملحمة غزة
- من وحي التغاريد
- ضربات قوة أم ضربات ضعف
- لديهم نفط هائل وهذا النفط لنا (ترامب)
- سيكولوجية الأنا الرقمية
- أين اختفى التين الشوكي فاكهة الفقراء
- طلال لحلو و أرسطو والديمقراطية


المزيد.....




- سوريا.. بعد القبض عليه من هو علي كيالي -معراج أورال- المتهم ...
- السلام بين إسرائيل ولبنان يحتاج لمزيد من الدعم الأمريكي للبن ...
- الـ CIA تسرّب معلومات خطيرة تخص حلفائها
- ملايين المُسيّرات وآلاف الصواريخ الموجّهة لا تغيّر مسار الصر ...
- Gigabyte تطرح أحد أبرز حواسبها في الأسواق الروسية
- اضطرابات النوم قد تكون مؤشرا لحالة صحية خطيرة
- أبرز ما يميز جهاز آبل المنزلي الذكي الجديد
- مسيرة -غاربيا- الانتحارية الروسية الحديثة تضرب أهدافا برية و ...
- دراسة: سرعة ذوبان الجليد الأزلي تعتمد على المناخ وعلى شكله
- الصين.. تحضيرات لانطلاق مبيعات الكروس أوفر -جيلي كولراي- الم ...


المزيد.....

- علاقة السيد - التابع مع الغرب / مازن كم الماز
- روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي ... / أشرف إبراهيم زيدان
- روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس ... / أشرف إبراهيم زيدان
- انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي / فاروق الصيّاحي
- بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح / محمد علي مقلد
- حرب التحرير في البانيا / محمد شيخو
- التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء / خالد الكزولي
- عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر / أحمد القصير
- الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي / معز الراجحي
- البلشفية وقضايا الثورة الصينية / ستالين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - الهيموت عبدالسلام - السردية اليهودية