أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد الزكروطي - رسالة دي فانس الاخيرة بين الثابت و المتغير في الاستراتيجية الامريكية اتجاه ايران















المزيد.....

رسالة دي فانس الاخيرة بين الثابت و المتغير في الاستراتيجية الامريكية اتجاه ايران


أحمد الزكروطي

الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 13:44
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


رسالة دي فانس الى ايران:
الثابت و المتغير في الاستراتيجة الامريكية اتجاه ايران
ليس كل تغير في لغة الخطاب السياسي هو دليل على تغير في الاهداف, وليس الانتقال من التهديد الميداني المباشر يعني بالضرورة انتقال من سياسة الاخضاع الى سياسة التسوية. فقد يكون المسار الدبلوماسي الاملائي, هو امتداد لمنطق القوة نفسه, لكن بوسائل اخرى, خاصة و ان هذا المسار يجري الآن في ظل اجواء حصار اقتصادي و بحري و جوي, و تهديد عسكري قائم, مع تفاوت واضح في معادلة القوة بين طرفي المواجهة.
الرسالة في يد فانس, نائب الرئيس الامريكي, دلالتها تتجاوز الترتيبات البروتوكولية, لما يتمتع به من تمثيل سياسي مكثف الذي ارتأت واشنطن من خلاله فتح نافذة الاتصال, كونه احد اقطاب الادارة الامريكية, اضافة لتجربته التفاوضية المباشرة مع الطرف الايراني, بعيدا عن الصخب التصعيدية لبعض وجوه البيت الابيض. اما مستلم الرسالة من الطرف الايراني محسن رضائي ممثل المرشد الاعلى و رئيس المجلس الاعلى للأمن القومي الذي لا يقل اهمية عن التمثيل الامريكي , لصلته بمركز القرار المرتبط بالمرشد. لذلك فان مستوى التواصل قد تجاوز الواجهة الدبلوماسية لكلا الطرفين من اجل وصول الرسالة الى دوائر اكثر حصرية من دوائر صناعة القرار, وهو ما يعني ان واشنطن تحاول, وفي اللحظة الحرجة, اختبار امكانية التوصل الى انفراجات تفاهمية عبر شخصيات تمتلك مركزية و وزنا سياسيا و امنيا تتجاوز حدود التمثيل الدبلوماسي او الشكلي .
اما تعامل ترامب مع الرسالة, خاصة في طريقة تعليقه الذي بدى متأرجحا بين التقليل من شأن الاتصال و اضفاء الطابع الانساني عليه, عبر ربطه بتوفير المساعدات الطبية لايران, و بين اسلوبه التهكمي المعهود الذيل يميل دائما الى الاثارة و الاستفزاز مع ابقاء الدلالة السياسية مفتوحة على اكثر من محمل تأويلي. لذلك قد تكون الاشارة متعلقة بواقع الضغوط التي تعاني منها ايران, او محاولة لتصوير الاتصال على انه مبادرة لا تتضمن اي اعتراف بأي موقع تفاوضي متكافئ لطهران. وبالرغم من عدم امكانية الجزم في اي من المعنى المقصود تحديدا, لكن الاهم هو ان ترامب لم يقدم الاتصال على انه تنازلا سياسيا امريكيا, و لم يمنح ايران في خطابه العلني صفة الطرف المتكافئ الذي استدعته واشنطن الى طاولة المفاوضات. وهو ما يدلل على ان واشنطن تستطيع ان تفتح قناة اتصال مع طهران, من دون ان تتخلى عن خطابها القائم على تفوق موقعها العسكري و التفاوضي. وهنا يصبح الاتصال نفسه جزءا من ادارة الضغط و ليس بالضرورة مؤشرا على تراجعه او ركونه الى التسوية .
الا ان كل هذه المتغيرات , وبالرغم من اهميتها, لا تكفي وحدها لقراءة اتجاه السياسة الامريكية والحكم عليها, دون النظر الى الثوابت الاستراتيجية الاربعة, التي لا يمكن لواشنطن التخلي عنها, وان كانت غير منصوص عليها حرفيا في رسالة دي فانس, والتي لم يُنشر مضمونها كاملا, على اقل تقدير, لحد الان , وانما باعتبارها خلاصة للأهداف الامريكية, و واللازمة المتكررة على لسان و مواقف الادارة الامريكية و تصريحاتها , والتي تُعد الدافع الرئيسي للحرب. و اولى هذه المحددات الثابتة هو عدم امتلاك ايران للسلاح النووي, بغض النظر عن الآلية و التفاصيل المتعلقة في تحقيق هذا المحدد. اما ثاني هذه المحددات, فهو ملف القدرات الصاروخية البالستية, خاصة تلك التي تشكل تهديدا استراتيجيا على اسرائيل و القواعد و المصالح الامريكية في المنطقة. وثالث هذه المحددات, هو ما يرتبط بمضيق هرمز و انهاء القيمومية الايرانية الجيوسياسية, و منع توظيفه كورقة تحكم بموازين الحركة المائية, وابتزاز مصالح الاخرين. اما اخر هذه المحددات, فهو منظومة الاذرع الاقليمية المسلحة, التي اسست ايران من خلالها نفوذا عابرا للجغرافية الايرانية, حتى شكلت احدى اهم ادوات التأثير في موازين القوى الاقليمية و وسيلة لتوسيع المجال الحيوي الايراني, والضغط على الخصوم من خلال عدة جبهات, دون الحاجة الى الدخول في مواجهة مباشرة .
و من خلال ما تقدم, فان الثابت في الموقف الامريكي لا يقف عند حدود منع ايران من امتلاك السلاح النووي, بل يذهب الى اعادة هيكلة موقعها الاستراتيجي بالكامل, اي ايران دولة غير نووية, و بقدرات بالستية مقيدة, و بلا قيمومية جيوسياسية و تفاوضية, وبلا منظومة اذرع اقليمية مسلحة تهدد الولايات المتحدة و حلفائها.
و في هذا السياق يمكن فهم طبيعة المواجهة بين منطق القوة الامريكية و منطق المقاومة الايرانية للإملاءات الامريكية. فواشنطن بحصارها البحري والاقتصادي و تلويحاتها باستئناف العمليات, و توظيف تفوقها العسكري و المالي والسياسي لرفع كلفة الرفض الايراني. لا تفعل ذلك من اجل انتزاع تنازلات شكلية, وانما لزعزعة الثقة في حسابات الكلفة لدى صانع القرار الايراني, و ايصاله الى قناعة بان كلفة الاحتفاظ بأوراق القوة ستصبح اكبر بكثير من كلفة التخلي عنها. لكن في المقابل فان طهران تدرك جيدا ان التنازل عن اوراق القوة التفاوضية قبل الحصول على ضمانات سياسية واقتصادية و امنية قد يجعلها امام وضع استراتيجي يصعب التراجع عنه. لذلك هي تتمسك برفع الحصار البحري, والافراج عن الاصول المجمدة, وايقاف العمليات العسكرية, قبل الدخول في تسوية تضع برنامجها النووي وامكنياتها وادوات قوتها على طاولة التفاوض. كما انها تحاول الاحتفاظ بهامش المناورة في مضيق هرمز, وعلى ما تبقى من امكانيات تحريك اذرعها الاقليمية, باعتبارها عناصر مهمة في معادلة الردع المتساوية.
لذلك فإن الخلاف بين الطرفين لا يتوقف عن حدود مضمون التنازلات , و انما بترتيبها ايضا. فواشنطن تريد خطوات ايرانية ملموسة قبل تقديم ضمانات و تنازلات مقابلة, و طهران مصرة على ان تكون الضمانات تسبق اي تخل عن ادوات دفاعها وردعها التي تضمن لها البقاء. علما ان هذه ليست مجرد مشكلة اجرائية في عملية التفاوض, بل هي تعبير عن عمق ازمة الثقة ما بين الطرفين, و ازمة في تعريف كل طرف لمعنى التسوية المقبولة, بل وحتى لمعنى الحرب. غير ان هذه المعادلة تكشف عن حجم المعضلة الايرانية و مدى تعقيدها, لأنها ليست مجرد اختلاف على ترتيب اولويات التنازلات. فالنظام الايراني لا يتعاطى اوراق قوته على انها ادوات قابلة للتخلي عنها من دون ان تترتب على ذلك نتائج داخلية, لان المشروع الاقليمي و الامتداد العقائدي و السياسي خارج الحدود و منظومة الاذرع المسلحة, ليست عناصر منفصلة عن بنية شرعية النظام و هويته السياسية. فجمهورية خميني الاسلامية, منذ قيامها, تأسست على تصور يمنحها دورا يتجاوز حدود الجغرافية الوطنية للدولة الايرانية, مع الربط بين شرعيتها الداخلية وبين قدرتها على التأثير و التمدد في المجال الاقليمي. لذلك فان التخلي عن هذه المرتكزات الايديولوجية, لا يعد مجرد مراجعة للسياسة الخارجية, وانما يفتح الباب امام ازمة في تعريف النظام نفسه, وفي تبرير وجوده واستمراره. اذن كيف سيكون حال نظام, وعلى مدى نصف قرن تقريبا, جعل من مفهوم تصدير الثورة و مقاومة الهيمنة الامبريالية و شرعنة التمدد الاقليمي, بنية من بنيات خطابه التأسيسي, بعد ان يتخلى عن اهم ادوات هذا المشروع, ثم يسوق هذا التخلي الى جمهوره على انه انتصارا سياسيا لا تراجعا عقائديا ؟
لذلك, لا يمكن استبعاد عودة المواجهة العسكرية, في حال سقطت ورقة دي فانس الاخيرة. لكن الحرب القادمة لا يمكن ان تكون مجرد جولة من بين الجولات, او انها مجرد ضربات تستهدف المنشآت النووية و البنية العسكرية. ففي حال قررت واشنطن توسيع اهدافها الاستراتيجية, فقد تصبح الاولوية هي تدمير و تحييد ما تبقى من اوراق القوة التي تستطيع ايران من استخدامها في مواجهة امريكا و حلفائها. و بالطبع قد يشمل ذلك استهداف القدرات المهددة للملاحة في مضيق هرمز, والبنية العسكرية الداعمة للأذرع الاقليمية, و منظومات الصواريخ, و مراكز القيادة و السيطرة, والقدرات التي تتيح لايران نقل المواجهة الى ساحات متعددة, مثل الحوثين و حزب الله و الفصائل المسلحة العراقية, الذين لا يمثلون مجرد اطراف منفصلة في مشهد اقليمي مرتبك, وانما اجزاء من منظومة نفوذ ايرانية. كل ذلك سيكون مرافقا لاستمرار الحصار البحري و الجوي و الاقتصادي, مع تضييق طرق الامدادات, بما يجعل ايران اكثر عزلة وانكفاء داخل حدودها, وهو سيناريو يختلف عن اسقاط النظام عسكريا, كونه يستهدف تقليص قدرته على ممارسة النفوذ, حتى وان بقيت مؤسساته السياسية قائمة .
فبين الموقف الامريكي المنطلق من التفوق العسكري الذي لا جدال علية, و الاقتصاديات الضخمة الممتدة حول الكرة الارضية, الذي يريد ايران بلا قدرة نووية, ومن دون منظومة بالستية, ومن دون قيمومية جيوسياسية على هرمز, ومن دون اذرع اقليمية. وبين الموقف الايراني المتعكز على بعض ادوات المشاكسة و الازعاج, وعلى العقيدة , و الخبرة التاريخية و الثابت السسيولوجي في ادارة التفاوض, الذي يريد الاحتفاظ بما يكفي من هذه القدرات لضمان بقائه, او على الاقل, ألا يفقدها كلها قبل ان يحصل على ضمانات تحول دون تعرضه لمزيد من الاخضاع و الضغط لاحقا. فبين هذين الموقفين المتقاطعين رؤية ومنهجا. فان رسالة دي فانس لا تبدو مجرد دعوة لاستئناف المفاوضات, وانما هي اخر اختبار لإمكانيات التوصل الى صيغة تعيد ترتيب شروط المواجهة من دون ان تضطر واشنطن الى استئناف حرب واسعة, ومن دون ان تضطر طهران الى اعلان الهزيمة السياسية و العقائدية. لكن فيما اذا فشلت جهود الفرصة الاخيرة, فان الحرب ستكون ليست فقط خيارا لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه المفاوضات, بل سيصعب على كل الاطراف, المباشرة وغير المباشرة, ليس فقط السيطرة على سقفها الادواتي, بل حتى على حدود جغرافية ميدانها, و سقفها الزمني, و شكل نهايتها, خاصة بعد ان خسر الجمهوريون في الانتخبات النصفية, والتي قد تدفع ترامب الى الانتقام من كل الاطراف التي يعتقد انها كانت وراء هذه الخسارة , خاصة ايران .



#أحمد_الزكروطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الامانة الوطنية والمهنية بين الغياب الواقعي والحضور الخطابي
- إران و ثلاثية الازمن ـ الزمن العسكري, الزمن الاقتصادي, الزمن ...
- معرض بغداد الدولي للكتاب و إنهيار الحساسية الأخلاقية
- العقل الإيراني و احتكار الجغرافية الأستراتيجية / و التحول في ...
- العراق والدولة الوطنية - مابين انحسار مشروع الهيمنة الإيراني ...
- حين تفقد الكتلة لغتها : قراءة نقدية في النُصب التذكاريةالعرا ...
- العراق بين الدولة الفاسد وفساد في الدولة
- القبور بوصفها خطابا
- مطب مثالية العقل العربي في محاكمة معيارية العقل الغربي
- العراق والاستقرار السلبي : دولة عالقة بين الهشاشة والفشل
- إيران وخطاب اللحظات الأخيرة : بين الانتحار والاستسلام
- العراق بين الدولة المؤجلة والانفعال الطائفي
- هل نحن أمام نهاية إيران الثيوقراطية ؟
- الحاكمية الشيعية بين النفي والحضور


المزيد.....




- وزير الأمن الداخلي الأمريكي يعتزم إجراء تحقيق بعد الانتخابات ...
- مستشار لترامب: نتائج الانتخابات كانت -أكبر من أن تُزوّر-
- من الأحمر إلى الأزرق.. سكان تكساس يحتفلون بفوز تاريخي للديمق ...
- الولايات المتحدة تبدأ تفكيك حاملة -إنتربرايز- النووية
- بمشاركة روسية.. جامعة النور العراقية تستضيف مؤتمرا دوليا لبح ...
- كشف تفاصيل عملية قادش: كيف شكلت مصر تهديدا لإسرائيل وأجبرتها ...
- بوتين: قادة إفريقيا انبهروا بالتوافق الديني في روسيا
- مصر تدعو واشنطن وطهران إلى التهدئة وتجنب العودة للمواجهة الع ...
- بيسكوف: دميترييف ولانتراتوفا سيمثلان روسيا في لقاء ميلانيا ت ...
- الجزائر.. عناوين روسية في معرض الكتاب


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد الزكروطي - رسالة دي فانس الاخيرة بين الثابت و المتغير في الاستراتيجية الامريكية اتجاه ايران