أحمد الزكروطي
الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 02:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
العراق والدولة الوطنية
ما بين انحسار مشروع الهيمنة الايراني و بقاء ايران كدولة
......................................................
لقد اعتدنا على شيوع الاخطاء المنهجية في قراءة التحولات الجيوسياسية الكبرى, خاصة في الخلط بين الدولة والمشروع الايديولوجي, حيث غالبا من ينظر اليهما على انهما حقيقة واحدة, في حين ان كلاً منهما ينتمي الى منطق مختلف في النشأة والوجود والاستمرار والانحسار. فالدولة و حسب الادبيات السياسية والقانونية, بناء تاريخي مؤسسي, يمتلك مصادر متعددة للبقاء و قدرة عالية على اعادة انتاج نفسه حتى بعد الهزائم او الانهيارات الكبرى التي تمر بها الدولة, لأنها تستند الى العناصر الاساسية لتحقيق مفهوم الدولة, مثل الاقليم والسكان و السلطة و المؤسسات والاقتصاد و الذاكرة التاريخية. اما المشروع الايديولوجي , فهو بناء سياسي لا يكتفي في البقاء داخل الجغرافية والسكان او الحدود الوطنية, بل يستمد وجوده من قدرته على تجاوز هذه الحدود , وانتاج النفوذ, وصناعة الحلفاء, والمحافظة على السردية التي تمنحه الشرعية, وامكانية اعادة تغذية حضوره باستمرار. ولهذا قد تنهار او تتراجع المشروعات الايديولوجية , الى درجة الانحسار داخل حدودها الوطنية , بينما تبقى الدولة قادرة على استعادة توزيع توازنها و تنظيم ذاتها والدخول في دورة تاريخية جديدة, رغم فقدانها لقدرها على التأثير خارج جغرافيتها الوطنية .
علما ان التاريخ السياسي الحديث عبارة عن منجم من التجارب والامثلة على هذا التمييز. فقد انتهى المشروع النازي الذي يعد النموذج الابرز لنظرية المجال الحيوي, الا ان المانيا لم تنته , حتى وام بقيت منقسمة الى قسمين لمدة اربعة عقود من الزمن. كما انتهى المشروع القومي العربي كمشروع عابر للدولة بعد هزيمة 1967, غير ان مصر لم تنتهي, بل اعادت تعريف اولوياتها و استعادت جزءا من مكانتها من خلال حرب اكتوبر, ثم عبر اعادة ترتيب مصالحها الوطنية . وهكذا المشروع السوفيتي, و تفكك الكتلة الشرقية, وانكماش المجال الجيوسياسي الذي حكمته موسكو لعقود, لكن بقيت روسيا دولة كبرى, اعادة بناء ادوات نفوذها انطلاقا من الدولة لا من الايديولوجيا. لذلك فلمشروعات الجيوسياسية ليست كيانات ابدية, وانما دورات تاريخية ترتبط بموازين القوة, والموارد, وفعالية النخبة, وقدرتها على المحافظة على الشرعية الرمزية التي تمنح المشروع معناه. فالدولة تبحث عن شروط بقائها, اما المشروعات الايديولوجية فتبحث عن شروط تمددها , وعندما لا تستطيع المحافظة على فائض القوة والموارد والشرعية, فانها ستبدأ تدريجيا بفقدان قدرتها على انتاج المجال الذي تعيش فيه .
و اذا كان هذا التمييز لفهم تجارب تاريخية متعددة, فان الحالة الايرانية تبدو اليوم واحدة من اكثر النماذج التي تكشف اهمية الفصل بين بقاء الدولة وانحسار مشروعها الاقليمي , لذلك تستحق ان تُقرأ بعيدا عن الانفعالات السياسية, وبعيد عن ثنائيات الهزيمة والانتصار. فايران ليس دولة هشة حتى يكون مصيرها متعلق بمصير مشروعها الاقليمي , اي ان انهيار مجالها الحيوي لا يفضي بالضرورة الى انهيارها الداخلي , الا اذا كان هناك مشروع و ارادة دولية واقليمية تذهب بإران الى ابعد من ذلك. اما ايران من حيث هي دولة, تمتلك من مقومات البقاء والنهوض, مقارنة بكثير من دول المنطقة, لانها تتمتع بنشاط صناعي متقدم نسبيا في عدد من المجالات , وقاعدة علمية, وطاقة بشرية نوعية, و مؤسسات دولة راسخة, واستثمارات ذاتية في التكنلوجيا و الصناعات العسكرية , والهندسة العكسية, والبحث العلمي, واكتفاء في امنها الغذائي يصل الى نسبة 80% ـ85% تقريبا, لانها تمنح الدولة قابلية الاستمرار حتى في ظل بيئات اقليمية مضطربة, وهذه العناصر بمجملها تمثل رصيدا حيويا للدولة الايرانية بوصفها دولة , لا لمشروع بوصفه مشروع.
غير ان قوة الدولة لا تعني بالضرورة استمرار قدرتها على قيادة مشروع يتجاوزه فضائها الوطني , ولا يكفي وحده لصناعة نفوذ او هيمنة . فالمشاريع الايديولوجية الكبرى لا تدار بالسلاح فقط, وانا تقوم على ما يمكن تسميته باقتصاد الهيمنة, اي التوازن الدقيق بين القوة الصلبة المباشرة والقوة الرمزية الناعمة. فكل مشروع يتجاوز حدوده يحتاج الى سردية تمنح تمدده معنى, وقيادة تمتلك شرعية تتجاوز البنية الادارية للدولة, والى منظومة متكاملة من شبكات الحلفاء, و موارد اقتصادية قادرة على تمويل النفوذ, وبيئة اجتماعية تؤمن بان هذا المشروع يمثل مستقبلها لا مجرد مصالح دولة اخرى . لكن ما ان يبدأ التآكل يطال جزءا من هذه الاركان, سيصبح المشروع امام مرحلة المراجعة والانحسار, حتى وان بقية الدولة نفسها محتفظة بقدر كبير من قدراتها .
لم يكن المشروع الايراني منذ عام 1979 مجرد سياسة خارجية, بل محاولة لبناء فضاء سياسي يتجاوز الجغرافية الايرانية. فقد تبلور المشروع بصيغته الحديثة قبل وصول الخميني الى الحكم بكثير , مع بلورة نظرية ولاية الفقيه الذي تحول بعد الثورة الى مشروع دولة مبني على فكرة نصها :ان الفقيه الجامع لشرائط ( العالم الديني العادل و المجاهد ) يتولى القيادة السياسية والدينية العامة للامة في عصر غيبة الامام المعصوم, ليكون نائبا عاما عنه في ادارة شؤون الدولة والمجتمع . والدولة هنا لا تعني دولة ايران , وانما دولة الامام الكونية. وقد تجسدت هذه الفكرة من حيث من خلا فكرة ان الثورة لا تكتمل داخل حدودها الوطنية, وانما تكتسب معناها من قدرتها على انتاج امتداداتها الاقليمية, ومن هنا لم يكن النفوذ الايراني قائما على السلاح وحده, بل على انتاج وعي سياسي جديد, استطاع ان يجعل مفاهيم, مثل المقاومة, والمظلومية, و وحدة الساحات, وتحرير فلسطين, تتحول من مجرد شعارات الى مصادر للشرعية في نظر قطاعات واسعة من المجتمعات العربية. ولم تكن هذه الهيمنة الايديولوجية تُفرض بالقوة العسكرية فقط, وانما بالقدرة على جعل الاخرين ينظرون الى العالم من خلال السردية نفسها .
غير ان الهيمنة بوصفها قدرة على تحويل الموارد الاقتصادية والرمزية والعسكرية الى نفوذ سياسي مستدام , هي بخلاف السيطرة, لانها تبدأ بالانهيار العسكري, وانما بتآكل قدرتها على اقناع اتباعها. فحين تفقد السردية قدرتها على التعبئة, وتصبح كلفة المشروع اكبر من عوائده, وتتعرض حلقات التحالف للاستنزاف, و تبدأ الضغوط الاقتصادية والاجتماعية باعادة تشكيل اولويات الداخل, يصبح المشروع امام لحظة انتقال تاريخية. والسؤال هنا ليس ما اذا كانت ايران قد فقدت نفوذها بالكامل, فمثل هذا الحكم يفتقر الى الدقة, وانما الاصح هو ما اذا كانت البيئة التي انتجت صعود المشروع خلال العقود الماضية ما تزال قائمة تمتلك الفعالية نفسها و الشروط نفسها التي سمحت بالتمدد. فالتغيرات الدولية والاقليمية, واستنزاف الموارد, وتراجع بعض حلقات التحالف, والضغوط الاقتصادية, و التحولات الاجتماعية داخل الفضاء الايراني, كلها تشير الى ان المشروع يواجه مرحلة تختلف نوعيا عن مرحلة الصعود, وان قدرته على انتاج النفوذ لم تعد كما كانت عليه قبل سبعة اكتوبر عام 2023. و قد تكون المفارقة ان تراجع المشروع الايراني لا يعني بالضرورة ضعف الدولة, بل قد يكون بداية مرحلة جديدة في تاريخها, اذ قد تدفع هذه التحولات بايران الى اعادة ترتيب اولوياتها, و الانتقال من الاستثمار المكلف في المجال الاقليمي التوسعي, الى التركيز بصورة اكبر على اعادة بناء الداخل, وتعزيز الاقتصاد , و تطوير التكنلوجيا, ومواجهة التحديات الاجتماعية , لان منطق الدولة يختلف عن منطق الايديولوجيا. فالدولة تستطيع عن تتخلى عن مشروعها وشعاراتها الطوباوية كي تبقى, اما المشروع فلا يستطيع التخلي عن التمدد دون ان يفقد جزءا من مبرر وجوده .
لكن السؤال الاكثر اهمية لا يتعلق بايران, بقدر ما يتعلق بالعراق نفسه. فمنذ 2003 تشكلت علاقة معقدة و شائكة بين النظام السياسي العراقي و المجال الايراني, تجاوزت حدود الجوار الجغرافي او المصالح السياسية المتبادلة, لتأخذ طابعا بنيويا, اعاد تشكيل جزء كبير من آليات السلطة والشرعية داخل الدولة العراقية. و لم يكن هذا التشابك نتيجة قوة المشروع الايراني وحدها, بقدر م كان نتيجة مباشرة لحالة الانهيار التي اصابة الدولة العراقية بعد سقوط النظام السابق, اذ لم يؤدي انهيار مؤسسات الدولة الى فراغ امني وساسي فحسب, الى الى فراغ المرجعية الوطنية ايضا, وهو الفراغ الذي اتاح للمشاريع العابرة للحدود ان تتحول من عوامل تأثير خارجية الى مكونات فاعلة داخل المجال السياسي العراقي. فالمشاريع الاقليمية لا تفرض حضورها على مجتمعات متماسكة تمتلك دولة قادرة على احتكار الشرعية وانتاج هوية وطنية جامعة, وانما تجد فرصتها التاريخية في الدولة التي تتشظى فيها السلطة, وتتعدد فيها مصادر الولاء, و تتنافس فيها السرديات على تعريف الهوية السياسية للمجتمع و الدولة. ومن هنا فان النفوذ الخارجي ليس سببا اوليا للازمة بقد ماهو احد تجلياتها و نتائجها, لأنه لا يعمل في الفراغ, بل يحتاج دائما الى بنية داخلية تستقبله, و تمنحه الشرعية, و تعيد انتاجه بصورة مستمرة. ولذلك لم يعد المشروع الايراني في العراق مجرد مشروع خارجي, بل تحول, عبر الزمن الى جزء لا يتجزأ من البنية السياسية والاقتصادية التي اعادت انتاج النظام نفسه, من خلال شبكات الولاء, والاقتصاد الريعي, و المحاصصة, وتوزيع النفوذ خارج منطق الدولة. ولهذا فان اختزال الازمة العراقية في النفوذ الايراني وحده لا يقل اختزالا عن الاعتقاد بان تراجع هذا النفوذ سيكون كافيا لانتاج دولة وطنية, لأن البنى المؤسسية, وشبكات المصالح, و انماط الشرعية, والثقافة السياسية التي تشكلت و ترسخت طوال اكثر من عقدين, لا زالت تمتلك القدرة الذاتية على اعادة انتاج نفسها حتى مع تغير البيئة الاقليمية, بل ان التاريخ يعلمنا ان الفراغ الذي يتركه مشروع اقليمي من دون اصلاح داخلي سرعان ما تستثمره مشاريع اخرى, لان المشكلة لا تكمن في هوية المشروع الخارجي, وانما في استمرار القابلية البنيوية التي تسمح لأي مشروع عابر للحدود بان يجد في الداخل العراقي بيئة مناسبة للنفوذ و اعادة انتاج الهيمنة . لذلك فان التحدي الحقيقي امام العراق لا يتمثل في التخلص من نفوذ الاقليمي بعينه, وانما في استعادة الدولة لوظيفتها باعتبارها المنتج الاعلى للهوية الوطنية, فحين تعجز الدولة عن انتاج الهوية السياسية الجامعة, ستتقدم الهويات الفرعية والمشاريع العابرة للحدود لملء هذا الفراغ. وعندئذ لا يعود الصراع صراعا على النفوذ فحسب, بل سيصبح صراعا على تعريف الوطن نفسه, وعلى الجهة التي تمتلك حق انتاج الشرعية و تحديد معنى الانتماء .
واخيرا يضعنا المقال وجها لوجه امام السؤال الاهم : هل يمتلك العراق, بعد اكثر من عقدين من الزمن, على اعادة تشكيل نظامه السياسي بصيغته الراهنة, الارادة والقدرة على انتاج مشروع وطني مستقل ؟ و هل تسمح بنيته السياسية و الاجتماعية بالانتقال من دولة تُدار بمنطق الولاءات والهويات الفرعية الى دولة تستند الى مبدأ المواطنة و المؤسسات الشرعية و الدستورية ؟ ام ان المشكلة لم تعد في المشروع الايراني وحده, بل في قابلية البنية العراقية لاعادة انتاج اي مشروع خارجي يجد فيها بيئة مناسبة؟ . لذلك نرى ان مستقبل العراق لن يتحدد بمقدار تراجع النفوذ الايراني, وانما بمقدار ما ينجح العراقيون في اعادة بناء الدولة باعتبارها المرجعية العليا للهوية والسيادة والشرعية . فالمشاريع الاقليمية مهما بلغت قوتها, ما هي الا موجات تاريخية عابرة, اما الدولة الوطنية فلا يحميها الا مشروع وطني يجعلها المرجعية العليا للسيادة والهوية والشرعية, ويحولها الى غاية في ذاتها, لا مجرد ساحة تتنافس عليها مشاريع الاخرين .
.....................................
#أحمد_الزكروطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟