أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد الزكروطي - القبور بوصفها خطابا















المزيد.....

القبور بوصفها خطابا


أحمد الزكروطي

الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 00:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


القبور بوصفها خطابا ايديولوجيا .
قبر خامنئي المحتمل في العراق مثالا :
في العادة عندما لا تتجاوز القبور فضائها الثقافي و الاجتماعي , فان وظيفتها ستنحصر في الجانب الروحي والنفسي , لغرض العظة والاعتبار والتذكر . لكن ما ان تدخل هذه القبور الفضاء الايديولوجي , فانها ستتحول حتما الى خطاب سياسي هوياتي , لان الرموز عندها لم تعد مجرد اشارات محايدة او عابرة او بريئة , وحتى الاماكن كذلك لم تعد مجرد جغرافيا صامتة . فكل قبر يحتوي على جثمان شخصية مركزية جدلية و إشكالية , حتما سيحمل معه سردية خاصة لانتماء معين , وكذلك كل مكان عندما يدخل فضاء السياسة والذاكرة والسلطة , سيتحول الى اداة لصراع المعاني و الرموز .
و من هنا فان الجدل القائم اليوم حول فكرة تشييع و دفن جثمان المرشد الايراني علي خامنئي في العراق , لا يمكن اختزاله في البعد الروحي او الطقوس الجنائزية التقليدية , لان القضية في جوهرها تتعلق في سؤال ابعد واعمق مما هو عليه في ظاهر الامور , اي انها تتعلق بمن يمتلك حق انتاج الرموز في المجال العراقي السيادي والتاريخي حصرا ؟ وهل تبقى جغرافيا العراق ركن من اركان الهوية العراقية , ام انها ستتحول الى جغرافيا للصراع بين مشاريع ايديولوجية عابرة للحدود ؟ ومن هم الفاعلين الحقيقين في هذا الصراع ؟ وما هي الآليات الاستراتيجية في هذا الصراع , كأدوات للبقاء اولا , ومن ثم الاستمرار , ومن ثم التأثير , ومن ثم المنافسة , واخيرا الظفر في لحظة الهيمنة السياسية والايديولوجية .
ان الهوية بطبيعتها ليست حقيقة مكتملة و نهائية , بل هي صيرورة دائمة من بناء المعاني . لذلك فان انهيار ما بعد 2003 قد كشف عن هشاشة البنية السياسية والاجتماعية و الرمزية للعراق , و قد ازاح الغطاء القسري عن ازمة الهوية العراقية , التي لم تكن مجرد ازمة سلطة او خلاف سياسي في سياق الدولة والحكم , بل كانت ازمة مرتبطة ارتباطا جدليا بتصورات عميقة حول الانتماء والذاكرة و الولاءات , بل حول الدولة ذاتها . لذلك فقد ادى انهيار مؤسسات الدولة الى بروز قوى اجتماعية و سياسية ذات مرجعيات متعددة ,وكان من بينها تيارات مرتبطة ارتباطا عقائديا بالمشروع الايراني , ومتأثرة به ايديولوجيا وسياسيا , حتى اصبحت علاقتها بمفهوم الدولة العراقية موضع جدل واسع وحاد في التناقض , الى درجة اصبحت تشكل هذه التيارات دولة قوية فاعلة في اطار دولة رسمية هشة , وخارجة عنها قانونيا و سياسيا و تنفيذيا في نفس الوقت .
ان الدولة في طبيعتها الجوهرية تحاول دائما ان تجعل من الارض والذاكرة والتاريخ عناصر مشتركة تنتج شعورا عاما بالانتماء . ولكن عندما تفقد الدولة قدرتها على انتاج سرديتها الوطنية الجامعة , ستترك فراغا مشاعا لصراع السرديات والهويات المختلفة و المتقاطعة , منها ما هو ديني , ومنها ما هو طائفي , ومنها ما هو اثني , ومنها ما هو سياسي , كلها تحاول ملء هذا الفراغ كلٌ حسب رؤيتها و تصوراتها الخاصة . و في خضم هذا الصراع السردي ستظهر الاشكالية الجوهرية , و التي ستتجسد في تقديم و اعلاء شأن الرموز الايديولوجية العابرة للحدود على حساب الرموز الوطنية . وهنا تحدث التحولات الخطيرة التي تجعل الفرد والمجتمع يعيش فوضى الانتماءات داخل هويات متعددة تتصارع على تعريف الماضي والحاضر والمستقبل , بل وحتى على تعريف العراق نفسه .
ان عراق ما بعد 2003 اصبح مختبرا ومثالا مكثفا شديد الوضوح على صراع و فوضى الانتماء هذا , لأنه بلد لم يعاني فقط من ازمات سياسية , بل من ازمة قاسية في انتاج المعنى الجامع , لان الدين و المذهب والطائفة والقومية و الذكرة التاريخية , كلها اصبحت ادوات سياسية قادرة على تعبئة الجماهير واعادة ترتيب الولاءات , لذلك فان تحويل شخصية سياسية اقليمية ذات حضور ايديولوجي مكثف الى رمز دائم داخل العراق كجغرافيا , و داخل البنية السكانية كنسيج اجتماعي , حتما سيضيف طبقة اخرى من التعقيد السياسي والاجتماعي والطائفي الى المشهد العراقي الداخلي , الذي هو في الاصل منذ اكثر من ربع قرن يعاني الفوضى الانتمائية وهذا الصراع السردي . علما ان الخطورة لا تكمن في القبر بحد ذات بوصفه قبرا وحسب , بل في ما يمثله هذا القبر المحتمل من مركز رمزي يمكن ان يُستثمر سياسيا و عقائديا , لان التاريخ ينبئنا عن ادلة واضحة على ان الرموز الجدلية الكبرى والاشكالية , كثيرا ما تتحول الى ادوات تعبئة اجتماعية و سياسية , وقد تصبح مواقعها مراكز جذب للولاءات و الهويات و الانتماءات المتصارعة .
ان الطقوس والشعائر و الرموز الدينية ليست في ذاتها مشكلة اجتماعية , فهي جزء من تاريخ الامم والشعوب و المجتمعات , وتعبر عن وجدانها . لكن المشكلة الجوهرية تبدء في لحظة تحول هذه الرموز والشعائر والطقوس الى ادوات لاعادة تشكيل المجال السياسي , وكذلك عندما تطرح الهويات الفرعية نفسها كبديل عن الدولة لا كمكون من ضمن مكوناتها . لذلك فان القبر في هذه الحالة , لم يعد مجرد مكان دفن , بل سيصبح مؤسسة رمزية , و مركز لتكثيف المعنى و الذاكرة , ومجالا حيويا لاعادة انتاج الخطاب الهوياتي , و وسيلة لتعميق الانقسام بين معنى الدولة و معنى الايديولوجيا .
و عليه فان المشكلة الاعمق التي ما زال العراق يصارع معاناتها , هي ازمة بناء الدولة الحديثة , اي الدولة التي تكون فيها الهوية الوطنية هي الاطار العام الجامع , وهوية حامية لكل الانتماءات الفرعية . لذلك فان اي خطوة تنمح رمزية سياسية دائمة لشخصية مرتبطة بمشروع اقليمي سياسي توسعي , وبتاريخ معاصر كانت له انعكاساته المباشرة على العراق والعراقيين ( الحرب العراقية ـ الايرانية ) التي امتدت لثماني سنوات , وما خلفته من جروح عميقة , حتما ستجعله امرا قابلا لاعادة انتاج الانقسامات القديمة داخل المجتمع العراقي . فالعلاقة بين الدول , لا تقرأ عبر التصريحات الرسمية فقط , بل كذلك عبر ذاكرة وخطاب الشعوب ايضا .
واخيرا فالعراق ليس بحاجة اطلاقا الى رموز جديدة تزيد من ثقل الانقسامات وعمقها , فما لديه و ما يعاني منه , قد يصل الى حد التخمة الرمزية الهوياتية , بل ما يحتاجه حقا هو استعادة معنى الدولة , واعادة بناء ذاكرة وطنية مشتركة لا تقوم على الاستقطابات الطائفية و الاثنية . بل الاعتراف بالتنوع و صيانة السيادة و هويتها الوطنية . فالسؤال الحقيقي ليس : اين سيدفن الجثمان , بل ما الذي سيدفن معه و ما الذي سيًبعث من جديد ؟ و ما هي الاستحقاقات التي ستترتب لإيران بذمة العراق , بصفتها المرجعية السياسية والوطنية لهذا الجثمان , ومن ثم لهذا القبر( الخطاب ) المفتوح على كل الجبهات والاحتمالات الايديولوجية ؟
...................................



#أحمد_الزكروطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مطب مثالية العقل العربي في محاكمة معيارية العقل الغربي
- العراق والاستقرار السلبي : دولة عالقة بين الهشاشة والفشل
- إيران وخطاب اللحظات الأخيرة : بين الانتحار والاستسلام
- العراق بين الدولة المؤجلة والانفعال الطائفي
- هل نحن أمام نهاية إيران الثيوقراطية ؟
- الحاكمية الشيعية بين النفي والحضور


المزيد.....




- طائرة إيرانية تعيد التوتر بين الحوثيين والسعودية.. وتهديد با ...
- فضيحة فساد تهز معبد رام ماندير في الهند.. هل تهدد إرث مودي ا ...
- قبل تشييع خامنئي.. إليكم أبرز الجنازات المليونية التي شهدها ...
- بعد توترات بسبب إيران.. ترامب ونتنياهو يتفقان على لقاء -قريب ...
- -همسة- رونالدو قبل ركلة الجزاء تشعل جدلاً واسعاً.. هل قال -ب ...
- مسؤولون إيرانيون ووفود أجنبية يلقون التحية على نعش خامنئي.. ...
- -شارل ديغول- تغادر منطقة الشرق الأوسط وتعود إلى فرنسا
- بوتين: المنطقة العازلة الأمنية ستتسع إذا استمرت الهجمات على ...
- قائد القوات الروسية يعلن دخول الجيش الروسي إلى دوبروبوليه وأ ...
- بوتين يعلن تحرير 133 بلدة وأكثر من 3 آلاف كيلومتر مربع في دو ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد الزكروطي - القبور بوصفها خطابا