أحمد الزكروطي
الحوار المتمدن-العدد: 8655 - 2026 / 3 / 23 - 18:40
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
الحاكمية الشيعية بين النفي النظري و الحضور الواقعي
قراءة في مقال الدكتور على مرهج المعنون بـ ( مفهوم الحاكمية الشيعية ) :
المقال و منذ جملته الاستهلالية الاولى ( لا اعرف لماذا يكرر كثير من المحللين السنة والشيعة في العراق , بل وفي الاعلام العربي مفهوم "الحاكمية الشيعية") , يؤسس لسلطة معرفية , تدعي الحياد ظاهرا, لكنها ترسم ومنذ البداية حدود الخطأ والصواب , و تنتج ( آخرا جاهلا ) يستدعي تدخلا معرفيا من قبل الكاتب , صاحب الفهم الصحيح , لإعادة المعنى الى نصابه المرجعي الاصيل , والذي من خلاله حدد الكاتب , من يحق له الاجابة . اذن هو استهلال غير بريء , بل هو تأطير مسبق لذهنية للقارئ . لذلك فالجملة لا تعبر عن حالة جهل , بقدر ما هي استراتيجية بلاغية , او ما يمكن تسميته بالجهل المصطنع , اي ( لا اعرف) هو تمهيد لـ ( انا الوحيد الذي يفهم ) , وهو ما يوحي الى تأسيس مبكر لتفوق معرفي مبطن دون التصريح به بشكل مباشر .
ينطلق الدكتور على المرهج في مقاله من موقف واضح و صريح , و هو رفضه لمصطلح (الحاكمية الشيعية) باعتباره مفهوما غير اصيل بالنسبة للفكر الشيعي , بل هو نتاجا اعلاميا ملتبسا , استدعت الضرورة المعرفية الى فك هذا الالتباس و التفريق فقط , بين مفهومي ( ولاية الفقيه ) و ( الحاكمية ) , كما ادعى الكاتب , حيث راح يبني تأصيلاته التاريخية والفكرية , عبر ربط مفهوم ( الحاكمية ) بمنظومة الاخوان المسلمين , العقائدية والسياسية , و خصوصا بفكر سيد قطب و حسن البنا , وقبلهم ابو الاعلى المودودي , الذين خلطوا بين المفاهيم الايديولوجية و السياقات السياسية الواقعية , لذلك قام الكاتب بحشر المفهوم في اضيق معانيه , اي توقيف المصطلح عند معناً بحد ذاته , كي يثبت عدم جواز نقله الى فضاء عقائدي اخر , ومن ثم يسهل عليه نفيه فيما بعد , بالرغم من ان المعنى ذات دينامية مؤجلة و متحركة , وهذه تعد مغالطة تأصيلية , حيث افترض الكاتب , ان عدم و جود المصطلح في التراث الشيعي الكلاسيكي , يعني بالضرورة ليس هناك اي حضور واقعي للظاهرة التي يناقشها في مقاله هذا , وهو خلل منهجي واضح , لان المفاهيم دائما يُعاد انتاجها خارج سياقاتها المرجعية الاصيلة . علما ان الاعلام , وخاصة التعبوي المنحاز , لا يستخدم المفاهيم و المصطلحات بدلالاتها المدرسية و المعجمية , بل دائما يستخدمها ويستثمرها كأدوات توصيف سياسي , اي حتى لو لم يكن مفهوم ( الحاكمية الشيعية ) مفهوما فقهيا , فقد يكون وصفا سيسيولوجيا لواقع سياسي فارضٌ لكثير من متبنياته بكل قوة على الدولة والمجتمع .
لذلك نجد الكاتب يبذل الجهد الجهيد للفصل بين (حكم شيعة السلطة ) و ( الحاكمية الشيعية ) . لكن من حقنا ان نسأل , هل المصطلح يستخدم على انه مفهوما فقهيا ؟ ام انه توصيفا واقعيا لهيمنة جماعة مذهبية على الدولة ؟ . وهنا تحصل المفارقة , حيث المقال يفترض الاول , بينما الخطاب الاعلامي غالبا ما يقصد الثاني , وهذا ما مارسه المقال في نقده لشيء لم يكن مقصودا اصلا , بل المقصود ما هو شائع في العقل الجمعي الذي فرضه الواقع السياسي , الى درجة جعل الناس تشعر بالحاجة الماسة الى هذا المصطلح , وهو ما اخفق فيه المقال عندما سعى الى تحويل سؤال الواقع الى سؤال الخطأ اللغوي , بهدف نزع الشرعية عن الخصوم بناء على موقع تفوق الكاتب في قدرته على تحويله من سياسي الى لغوي , في حين نرى ان الكاتب مندمجا و منفعلا بالظاهرة التي ينتقدها , من خلال اعادة انتاج مصطلح ( الحاكمية الشيعية ) و وضعه في مركز خطابه التحليلي .
بالرغم من ان المقال يبدو تحليليا , الا انه يحمل انحيازا دفاعيا واضحا عبر قراءته الايديولوجية الضمنية , حيث انبرى المقال الى تبرئة المرجعيات الشيعية , خصوصا السستاني . عبر نفيه لأي بعد طائفي في ممارسة السلطة , وتأكيده على دستورية الدولة و حياديتها , و هذا استدعاء لخطاب الدولة الحديثة للتغطية و التمويه على التعقيد الحاصل في علاقات القوة الفعلية, لذلك فالاحالة الى الدستور هو ليس مجرد وصفا , بل هو تقنية خطابية لإضفاء الشرعية . وهذا ما جعل المقال ليس حياديا بالقدر الذي يحقق صفته التحليلية , بل طفح من بين سطوره الكثير من النزعة التصحيحية والتسويغية , والدفاع ضد اي اتهام طائفي للدولة والسلطة , وهو ما يؤدي الى اعادة تأهيل السلطة (السياسية ـ الدينية ) عبر تبرئتها مفاهيميا .
ان التبسيط المفرط الذي مارسه المقال في وصف الاختلاف بين مفهومي الحاكمية و ولاية الفقيه , عبر طرحه لثنائية حادة , حيث قابل بين ( الحاكمية ) والشورى و الخلافة من جهة , وبين ( ولاية الفقيه) والنص الالهي و الامامة من جهة اخرى , و هو تسطيح واضح و مقصود , حيث الحاكمية لدى سيد قطب ليست مجرد شورى , بل هي سيادة الهية مطلقة , و ولاية الفقيه في تطبيقاتها الحديثة , خصوصا في نموذجها الايراني , تحمل عناصر ( حاكمية ) واضحة , وهو احتكار تفسير الارادة الالهية . اي ان الفارق بين المفهومين ليس جوهريا كما تصوره المقال , بل هناك تقاطع وظيفي رغم بعض الاختلافات الجذرية , بمعنى ان كلا المفهومان يرتبطان بحكم الهي , تمثيل ارادة الله , سلطة دينية , لذلك فالحدود التي حاول الكاتب رسمها بين المفهومين انهارت , و هو ما يسمى بالانزلاق الدلالي . فالكاتب هنا لا ينفي الحاكمية الشيعية فقط , بل يذهب الى وضع الحدود لما يُتخيل على انه تفكيرا مشروعا حول الطائفية والسلطة , وكذلك يعيد تعريف ما يمكن قوله وما لايمكن قوله عن السلطة في العراق و آليات انتاجها و ممارستها , وبالمقابل يصمت عن علاقة الدين بالسلطة السياسية , وآليات النفوذ غير الرسمية , مثل المرجعية , الاحزاب , شبكات ذات بعد اقليمي , وهذا الصمت هو صمت غير حيادي , بل هو جزء من خطاب التبرئة والتنزيه للدولة والسلطة وفواعلها المحورية التي تقف خلف القرار السياسي .
للأسف الشديد فات على الكاتب طرح السؤال الاهم , وهو ( لماذا انتشر مصطلح الحاكمية اصلا ؟ ومن المستفيد من استخدامه ؟) حتى راح ساري المفعول كالنار في الهشيم بين النخب الثقافية والاعلامية والسياسية , بل وحتى عامة الناس . الاجابة قد تتمحور حول الشعور بوجود هيمنة سياسية لطائفة بعينها دون غيرها , الذي استدعى الربط بين هذه الهيمنة والشرعية الدينية , محاولة لتفسير الواقع من خلال مفاهيم فقهية جاهزة . اذن المصطلح قد يكون اداة تفسير اجتماعي , و ليس ادعاء فقهي , وهذا هو البعد السسيولوجي الذي غاب عن الكاتب , او قد يكون هو اقصاء لغوي متعمد , وذلك لنزع الشرعية عن مصطلح الحاكمية الشيعية , و بالنتيجة يصبح اي استخدام للمصطلح هو استخدام غير شرعي , و كذلك قد يكون اقصاء سسيولوجيا , كون المقال يرفض التعامل مع المصطلح بوصفه تعبيرعن تجربة اجتماعية , او ادراك شعبي للسلطة , لذلك يتعمد اقصاء المعنى الذي ينتجه الناس , لصالح المعنى المدرسي والمرجعي , وهنا يمارس الكاتب الغاء جائرا للخبرة الاجتماعية .
و اخيرا , وبالرغم من اهمية المقال , لما مارسه من كشف للخلط المفاهيمي الذي اعاد الجدل الى جذوره المعرفية والفكرية و الاصل النظري لمصطلح , الا انه فشل في فهم وظيفته الراهنة في الخطاب السياسي , لما مارسه من اختزال تعسفي للمفهوم في اصله التاريخي , وتجاهل الاستخدام و الاستثمار السياسي والاعلامي للمصطلح , اضافة الى النزعة الدفاعية التي اضرت كثيرا بحسه النقدي و التحليلي . واخطر ما في المقال هو ليس ما قاله عن ( الحاكمية ) بل بما حاول من ان يمنعنا من قوله بعدها .
....................................................................
احمد الزكروطي
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟