أحمد الزكروطي
الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 15:45
المحور:
الادب والفن
حين تفقد الكتلة لغتها: قراءة نقدية في النُّصب التذكارية العراقية
تمثال الجواهري للفنان نداء كاظم أنموذجًا
صحيحٌ أن لكل فنان رؤيته الفنية الخاصة وخياراته الجمالية في بناء عمله الفني، غير أن هذه الخيارات لا تستمد مشروعيتها من ذاتيتها الخالصة وحدها، بل من قدرتها على تأسيس منطقها الداخلي المتماسك، المستند إلى مبررات فلسفية ومعرفية وجمالية وتقنية، قادرة على إقناع المتلقي المختص قبل غيره. فالفن، حتى في أكثر تجلياته تجريدًا وتمردًا على القواعد والمبادئ الأكاديمية، لا يقوم على نفي النظام، وإنما على إنتاج نظام أو نسق بديل يمتلك منطقه الخاص. وإلا فإن الحدود الفاصلة بين الحرية والفوضى، وبين الابتكار والاعتباط، تصبح حدودًا سائلة وملتبسة، يتحول فيها الفضاء الفني من مجال لإنتاج المعنى إلى فضاء مفتوح للمصادفة والذوق العابر. لذلك، لا يكتسب العمل الفني شرعيته من حق الفنان في الاختلاف فحسب، وإنما من قدرته على تحويل هذا الاختلاف إلى ضرورة جمالية يمكن الدفاع عنها عقلًا وبصرًا. فكل خروج على القاعدة يفترض معرفة عميقة بها، وإلا أصبح تجاوزها مجرد عجز يتخفى وراء شعار الحرية الإبداعية. وبمعنى آخر، ليس كل كسر للقواعد أو تمرد عليها إبداعًا، وإنما يكون كذلك حين ينجح في إنتاج نظام جمالي أكثر قدرة على التعبير من النظام الذي تجاوزه. وهذا هو المبدأ الذي حكم روائع الأعمال الفنية العالمية، كلاسيكية كانت أم حداثية؛ إذ لم تكن ثوراتها مجرد إنكار للقواعد، بل إعادة تأسيس لها على أسس أكثر عمقًا. وفق المعايير الفلسفية والفنية والجمالية لفن النحت، ولا سيما النُّصب التذكارية ذات النزعة الإنسانية الكلاسيكية أو التعبيرية، يبدو أن هناك منطقًا تشكيليًا يكاد يحكم عددًا غير قليل من النُّصب العراقية. وهذا، بطبيعة الحال، ليس حكمًا عامًا على جميع النحاتين العراقيين ولا على المشهد النحتي العراقي بأسره؛ إذ نجد أعمالًا رفيعة المستوى، إلا أننا نلحظ في المقابل غيابًا واضحًا لعدد من العناصر التي تُبنى عليها النُّصب التذكارية خاصة، والأعمال النحتية عامة. وفي مقدمة هذه العناصر البنية الديناميكية، القائمة على المحور الديناميكي، والتوازن غير المتماثل، والحركة الموجية أو الحلزونية، والتوزيع الوظيفي للكتل والخطوط، بما يكشف عن التوتر الداخلي، والهرمية البصرية، والإيقاع، والعلاقة العضوية مع الفراغ. كما يغيب في كثير من الأحيان البناء المثالي للمثلث الديناميكي، الذي يتشكل من قاعدة هندسية بسيطة، وكتلة رئيسة تتجه قطريًا نحو الأعلى، وتنتهي عند نقطة بصرية عليا، كرأس أو راية أو رمز، بما يمنح النصب إحساسًا بالصعود والانبعاث بدل الجمود. وهذا يؤكد أن الجمال ليس سكونًا، بل هو توازن بين قوى متعارضة. لذلك فإن النُّصب العظيمة لا تبدو وكأنها واقفة فحسب، بل تمنح المتلقي إحساسًا بأنها تعيش لحظة تفكير، أو مقاومة، أو حركة، رغم أنها مشيدة من الحجر. ولهذا تستلهم غالبية النُّصب الحديثة الناجحة هذه القواعد، حتى وإن كانت أعمالًا تجريدية، لأنها استطاعت أن تحقق ما يمكن تسميته بـ«الديناميكية البصرية»، أي ذلك الشعور بأن العمل يمتلك طاقة داخلية تستمر حتى بعد أن يغادره المتلقي.
إن فرضيتنا النقدية التي تنطلق من قراءة الخيارات الجمالية و الرؤية الفنية للنحات العراقي ,ولا سيما في مجال النُصب التذكارية, لا تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة , ولا تتوقف عند حدود رصد الاخطاء, بل تحاول تفسيرها تفسيرا فلسفيا ومعرفيا. فالمسألة في جوهرها ليست تشريحية فحسب، وإنما هي سؤال عن الكيفية التي يفهم بها النحات العراقي معنى الكتلة والحركة. ومن هنا، فإن الأزمة الحقيقية في كثير من النُّصب العراقية ليست أزمة تقنية، بقدر ما هي أزمة في تصور معنى الحركة بوصفها لغة فكرية، لا مجرد وضعية جسدية. فكل حركة لأي عضو من أعضاء الجسد ينبغي أن تؤدي وظيفة رمزية قبل أن تؤدي وظيفة تشريحية؛ إذ تمتلك الحركة لغة فلسفية قادرة على تجسيد كثير من المعاني التي يُراد إيصالها إلى المتلقي، كالإرادة، والتوتر، والانتصار، والألم، والكرامة، وغيرها من الانفعالات الإنسانية. أما حين تتحول الكتلة إلى مجرد وضعية ساكنة، خالية من أي توتر داخلي، فإن العمل النحتي يفقد قدرته على إنتاج المعنى، مهما بلغت دقة تنفيذه. فكيف إذا اقترن ذلك باعتلالات تشريحية واضحة؟ عندئذٍ يصبح من الطبيعي أن يفقد العمل جانبًا مهمًا من قيمته الجمالية والتعبيرية. أما الكتلة، فهي ليست مجرد حجم، بل طاقة فنية كامنة، لا يجيد استنطاقها إلا من أدرك قوانين البناء الإنشائي على المستويات الفيزيائية والجمالية والتعبيرية في آنٍ واحد. فالكتلة لا تُقاس بوزنها، وإنما بالاتجاهات التي تولدها داخل الفراغ. وعظمتها لا تأتي من ثقلها المادي، وإنما من قدرتها على أن تجعل المتلقي يشعر بأن خامة العمل تنطوي على حركة، سواء أكان العمل من الحجر أم البرونز أم أي مادة أخرى. أما الكتلة التي تتراكم فوق نفسها من دون محاور إنشائية واضحة، فإنها تتحول إلى مادة ثقيلة فاقدة للهندسة الخفية التي تجمع بين محور الارتكاز، ومحور الحركة، والخط البصري، والتوازن بين القوى المتعاكسة. ولهذا فإن أي إخفاق في أحد عناصر هذه الهندسة أو في بنيتها الإنشائية سيدفع المتلقي إلى الشعور باضطراب بصري وذوقي ونفسي، حتى وإن لم يكن متخصصًا. نعم، إن الوجه في أي عمل نحتي يمثل مركز الثقل الانفعالي، لأنه الكاشف الأول عن الانفعالات الداخلية للشخصية. أما اليد، فهي عقدة الجسد التعبيرية، بل يمكن عدّها لغة قائمة بذاتها؛ فهي تشير، وتقود، وتمنح، وترفض، وتبارك، وتقاوم، وترضى. ولذلك فإن حذف اليد أو إخفاءها لا يعني إخفاء عضو تشريحي فحسب، بل قد يعني اختفاء نصف الخطاب التعبيري للعمل الفني، ما لم يكن ذلك قائمًا على مبرر جمالي أو تكويني واضح. ولعل ما أثار قرائح المعنيين بالخطاب الجمالي، والتشكيلي منه على وجه الخصوص، وهي ظاهرة إيجابية وصحية رغم اختلاف زوايا النظر، هو العمل الذي قدمه النحات المبدع نداء كاظم في تمثاله التذكاري لشاعر العراق الكبير محمد مهدي الجواهري. فقد انطوى هذا العمل، في نظر عدد من المختصين، على اعتلالات بنائية واضحة دفعت كثيرًا من المهتمين بالنقد التشكيلي إلى مقارنته بمنجز الفنان نفسه، الذي عُرف بأعمال رصينة اتسمت بجودة التنفيذ، والصدق التعبيري، والوفاء للأسس الأكاديمية، مثل تماثيل الفراهيدي، وأبي تمام، وأبي جعفر المنصور، وعبد الملك نوري، والسياب، وسعدي يوسف، وغيرها من الأعمال التي حظيت بتقدير نقدي وفني واسع. ومن هنا، بدا تمثال الجواهري استثناءً في مسيرة هذا الفنان، وكان سببًا في إثارة هذا الجدل الواسع، واستفزاز قرائح المهتمين بالمشهد التشكيلي، إبداعيًا ومعرفيًا. وحرصًا منا على أن يبقى النقاش في إطاره المعرفي والفني، بعيدًا عن الانطباعات العامة، سننتقل إلى الجانب التطبيقي من هذه القراءة النقدية، متناولين تمثال الجواهري تحديدًا، وما انطوى عليه من خيارات جمالية ورؤى فنية، في محاولة لفهم منطقه التشكيلي وآلياته التعبيرية.
أما الإشكالية الأعمق في هذا العمل، فهي ــ في تقديرنا ــ أكبر من جميع الملاحظات السابقة، لأن تلك الملاحظات قد لا تكون سوى أعراض لإشكالية أكثر جوهرية، تتمثل في أن النصب يبدو وكأنه صُمِّم انطلاقًا من الصورة الفوتوغرافية، لا من منطق النحت ذاته. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين الفنَّين؛ فالمصوِّر يلتقط لحظة، أما النحات فيبني نظامًا من القوى. ولذلك فإن أعظم التماثيل الإغريقية لم تكن نسخًا حجرية للموقف الطبيعي، بل كانت إعادة خلق للجسد وفق قوانين التوازن، والإيقاع، والحركة الكامنة. فهناك فرق كبير بين من ينحت القوى التي تحرك الجسد، وبين من يكتفي بنحت الجسد بعد أن تتوقف تلك القوى. ولعل هذا هو أحد المآزق التي تعانيها تجارب نحتية معاصرة كثيرة. وعليه، فإن الأزمة التي تعانيها بعض النُّصب العراقية لا تكمن في الخامة، ولا في طبيعة المادة، ولا في التقنيات التنفيذية، وإنما في غياب الوعي الذي يجعل الكتلة تفكر، والحركة تنطق، والفراغ يشارك في إنتاج المعنى. فالنصب العظيم لا يُقاس بارتفاعه أو بضخامة كتلته، وإنما بمقدار الطاقة البصرية والفكرية التي يختزنها. فكل عمل نحتي يفقد محوره الديناميكي، وتوازنه البنيوي، ولغته التشريحية، لا يفقد طاقته الجمالية فحسب، بل يفقد أيضًا قدرته على تمثيل الذاكرة التي شُيِّد من أجلها. لأن النُّصب التذكارية ليست تماثيل صامتة، وإنما هي ذاكرة متجسدة في هيئة كتلة، ولغة بصرية تُعيد إنتاج التاريخ في الفضاء العام. وأخيرًا، وهو الأهم، إذا نظرنا إلى النُّصب التذكارية بوصفها خطابًا حضاريًا، أدركنا أنها لم تُنشأ لتزيين المدن فحسب، بل لتكون إعلانًا عن مستوى الوعي الجمالي والثقافي للمجتمع. فكل نصب هو، في جوهره، وثيقة فلسفية تخبرنا كيف يفهم هذا المجتمع الإنسان، والبطولة، والسلطة، والذاكرة، وكيف يصوغ صورته عن ذاته وهويته الوطنية. ومن هنا، فإن أي ضعف في البناء التشكيلي لا ينعكس على العمل وحده، بل يمتد أثره إلى الصورة الحضارية التي تنتجها المدينة عن نفسها، وإلى الكيفية التي تُقدِّم بها ذاكرتها الجمعية للأجيال المقبلة. فالنُّصب التذكاري، في نهاية المطاف، ليس حجرًا يُشاد في الساحات، بل فكرة تُجسَّد في الفضاء العام، وصورة تبقى شاهدة على مستوى الوعي الجمالي والثقافي للأمة التي أقامته .
..................................
#أحمد_الزكروطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟