أحمد الزكروطي
الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 04:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
العراق بين الدولة الفاسدة , و فسادٌ في الدولة
......................................................
على مدى ربع قرن من الزمن تقريبا و نحن نسمع جعجعة ولا نرى طحينا . تتغير الحكومات و تتبدل الوجوه والعراق لا يزال يخوض معارك تحت عنوان (مكافحة الفساد) , حيث يتم الاعلان بين الحين والاخر , وعلى مدار المواسم الانتخابية , عن حملات ملاحقة بعض المسؤولين الفاسدين , لكن النتيجة النهائية تبدو صفر , نعم قد يتراجع الفاسدون كأفراد , و بصورة تكتيكية لحين مرور عاصفة البروباكندا السياسية , بينما يبقى الفساد عبارة عن نظام قائم بذاته و مستقر بجميع آلياته . قد تكون المشكلة الكبرى لا تكمن في ضعف الادارة السياسية وحدها , وانما في قصور الرؤية التي يُنظر من خلالها لظاهرة الفساد نفسها . فعندما يُختزل الفساد في اسماء او ملفات او قضايا جنائية , فبالتأكيد سيظل العلاج يدور في حدود السطح او القشور من الظاهرة , بعيد كل البعد عن البنية العميقة التي انتجته و تعيد انتاجه بصورة تأسيسية مستمرة .
ان حجم الاعتداء على المال العام في العراق منذ 2003 ولحد الآن , قد تجاوز حدود لا يمكن وصفه بالانحراف الاداري او المالي , ليصبح احد اهم المحددات التي تحكم عمل الدولة والمجتمع في آن واحد , حيث لم يعد المال العام يُدار كملكا للمجتمع , بل تحول الى موضوع للتنازع بين قوى سياسية , وشبكات اقتصادية , و فصائل مسلحة , و وسطاء , وتجار مصالح , الى درجة اصبح الفساد جزءا لا يتجزأ من آلية توزيع القوة والنفوذ , لا مجرد خروج عليها .وهنا يصبح السؤال الاكثر اهمية هو , كيف اصبح الفساد ممكنا و متاحا الى هذا الحد ؟ وليس , من هو السارق ؟ لذلك فان الاجابة لا يمكن اختزالها بعامل او عاملين فقط , بل تتداخل فيها عدة عوامل مترابطة فيما بعضها ترابطا سببيا , فمنها ما هو سياسي , ومنها ما هو اجتماعي , ومنها ما هو نفسي , ومنها ما هو اقليمي .
ان الفساد الحاصل في العراق هو ليس انحرافا اخلاقيا لأفراد او مجموعة او جماعة , بل هو خاصية بنيوية عميقة لنظام سياسي بأكمله , فعندما تتحول مؤسسات الدولة الى مجرد ادوات لتوزيع الريع والغنائم , حتما سيصبح الفساد ظاهرة مُمأسسة و مستقرة . فنظام المحاصصة الذي تأسس بعد 2003 , ادى الى انتقال التنافس من تقاسم السلطة الى تقاسم الموارد , حتى انزلق الى مستوى التناهب , فبدلا من ان تكون مؤسسات الدولة ادوات لانتاج المصلحة العامة , تحولت تدريجيا الى مجرد فضاءات لتوزيع الريع السياسي و الاقتصادي , مما ادى الى تحول الموقع الاداري بوابة للنفوذ المالي اكثر من كونه مسؤولية عامة . وكل ذلك كان بسبب الثقافة السياسية للطوائف , التي فتحت الابواب امام النفوذ الاقليمي, اضافة الى الاقتصاد الريعي النفطي , وغياب احتكار الدولة للعنف ,و انهيار الخدمة المدنية , وضعف القضاء , وضعف الرقابة البرلمانية .
صحيح ان الثقافة لم تكن سببا بدئيا دائما , بل قد تكون نتيجة ايضا . فان استمرار هذه المنظومة السياسية الفاسدة لربع قرن من الزمان تقريبا , قد ادى الى تغيرات عميقة في بنية الثقافة العامة . فحين يشاهد المواطن بشكل واضح و صريح , وعلى مدار الساعة , ان الفساد لا يُعاقبْ , وان الثراء غير المشروع يتحول الى مصدر مكانة اجتماعية و نفوذ سياسي , حتما ستبدأ المعايير الاخلاقية نفسها بالتآكل ,. وهنا لا يعود الفساد مجرد سلوك فردي, بل يتحول الى ثقافة تتكيف معها الجماعة , ويصبح الحصول على المنفعة الخاصة, ولو على حساب المصلحة العامة, سلوكا يجد له تبريرات اجتماعية متزايدة , وهنا تنشأ العلاقة الجدلية الدائرية بين النظام الفاسد والثقافة الفاسدة , حيث ان النظام الفاسد ينتج ثقافة فاسدة , والثقافة الفاسدة تُعيد انتاج النظام الفاسد , و هكذا دوليك . وفي سياق هذه العلاقة الجدلية , لا يمكن اغفال طبيعة تمثلات الفاعلين السياسيين , على مختلف انتماءاتهم , لمفهوم الدولة ذاته . اذ يبدو ان جزءا كبيرا من الازمة يعود الى هشاشة فكرة الدولة الوطنية امام هويات فرعية عابرة او منافسة للدولة , سواء كانت تلك الهوية طائفية او قومية او سياسية . فعندما تتراجع الدولة بصفتها الاطار الجامع للولاء , حتما سيتراجع معها الاحساس الاخلاقي بالمال العام , ويصبح الاستحواذ عليه اقل اثارة للشعور بالذنب , واقل استفزازا واثارة لحفيظة لمجتمع , لانه لم يعد ينظر اليه على انه ملكا لكيان سياسي جامع ( الدولة ) . ومن هذا المنطق , يمكن معرفة و فهم حقيقة اختلاف انماط تعاطي القوى السياسية مع الدولة , مفهوما و اجراء , ليس باعتباره تعبيرا عن خصائص ثابتة للمكونات لاجتماعية , بل باعتباره نتاجا لرؤى سياسية متباينة حول طبيعة الدولة و مفهومها و وظيفتها و مصدر شرعيتها , مما ادى الى تحويل الانتماءات الى مشكلة , نتيجة توظيفها الايديولوجي داخل النظام السياسي .
نعم , قد يكون العامل الاقليمي لا يصنع الفساد , بل قد يستثمر فساد البنية الداخلية , الا ان ما بعد الانهيار المدوي للدولة العراقية في 2003 , قد فتح الباب على مصراعيه اما المشاريع الاقليمية كلها وبدون استثناء . فمن هم من كان يبحث عن موطئ قدم , ومنهم من كان يحاول تعزيز ما كان عليه من حضور في الساحة العراقية قبل الانهيار , ومنهم من حاول ابعد من ذلك بكثير , الى درجة محاولة الهيمنة و بسط النفوذ السياسي والاقتصادي و العسكري و الامني و الاجتماعي والثقافي . لذلك لا يمكن عزل المشهد العراقي عن الفواعل الاقليمية , وفي مقدمتها ايران , حيث وجدت في هشاشة الدولة العراقية ما بعد 2003 , فرصتها التاريخية الذهبية في تعظيم نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري والامني و الثقافي والاجتماعي , الى اقصى درجة ممكنة , وبشتى الوسائل المتاحة , ودون ادنى مراعات للمحددات التي تفرضها قيم الجوار و احترام السيادة وعدم التدخل . علما ان منظومة هذا النفوذ مهما بلغ حجمها , ما كان لها ان تحقق اهدافها و آثارها لولا وجود البيئة الداخلية , ليس فقط القابلة للاختراق , بل كذلك لبيئة المرحبة و المستعدة عقائديا واجتماعيا و ثقافيا لاستقبال و تقبل نفاذ هذا التمدد في عمق البنية السياسية والاجتماعية للعراق , فغالبية الفاعلين السياسيين الشيعة , وغالبية المجتمع الشيعي , وجدت في هذا التدخل , بل النفوذ العميق , مصدرا لتعزيز هويتها و مواقعها و مصالحها .
ان اخطر ما انتجته هذه المعادلة الشائكة والمعقدة , هو التشوه النفسي , الذي اصاب العلاقة بين المواطن والدولة في الصميم . فمع تشتت الانتماءات باتجاه الفضاء الاقليمي , و تآكل الشعور بالمواطنة , وتراجع الثقة بالمؤسسات , بدأ المال العام يفقد حرمته ومكانته الاخلاقية في الوعي الجمعي , ولم يعد السؤال عند الغالبية العظمى : هل يجوز الاعتداء عليه ؟ بل : متى تتاح الفرصة للوصول اليه والاستفادة منه ؟ وهذه ليست ادانة اخلاقية للمجتمع بقدر ما هي توصيف صريح و جارح لنتيجة خطيرة تفرزها الانظمة السياسية التي تمارس تطبيع العقل الجمعي على التعايش مع الفساد , ومن ثم تقبله كأمر واقع , واخيرا جعله قاعدة للسلوك العام .
لهذا تبدو الحملات الموسمية لمكافحة الفساد ,حتى لو افترضنا جدلا , توفر حُسن النية لدى القائمين عليها , ستبقى عاجزة عن تحقيق تحول حقيقي في ظاهرة الفساد , اذا بقيت محصورة في ملاحقة افراد أو شبكات محدودة وضيقة , دون مراجعة البنية السياسية التي انتجت ابتداء كل هذا الفساد الشامل . فمكافحة الفساد هي ليس حملة امنية , بل هي مشروع وطني لإسترجاع الدولة و اعادة بنائها , و اعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع , وبين المواطن و المال العام . واخيرا , فعلى كل صاحب شأن مركزي في المجال السياسي العام , قبل ان يتخذ اي خطوة باتجاه الاصلاح ومحاربة الفساد , عليه ان يطرح على نفسه السؤال التالي : هل الفساد في العراق هو انحراف عن الدولة , ام انه اصبح الطريقة التي تُدار بها الدولة ؟ نعم هناك فرق كبير جدا بين دولة فيها فساد , و بين دولة يقوم نظامها على الفساد , اي دولة فاسدة . اعتقد ان الاجابة على هذا السؤال هي التي تحدد طبيع و ماهية و جرعة العلاج .
..............................................
#أحمد_الزكروطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟