أحمد الزكروطي
الحوار المتمدن-العدد: 8830 - 2026 / 9 / 16 - 20:18
المحور:
قضايا ثقافية
معرض بغداد الدولي للكتاب و انهيار الحساسية الاخلاقية
..................................................
من حيث المبدأ, ان من اهم مستلزمات الاشتغال بالشأن العام هو توفر الحيادية و الشعور بالمسؤولية الاخلاقية اتجاه المجتمع بالكامل, خاصة عندما يتعلق الامر بتشكيل الوعي الجمعي وانتاج المعنى الوطني. لذلك فان استضافة خطاب تاريخي مؤدلج و منحاز في فضاء ثقافي عام, و موجه الى جمهور لا زال يئن من وطأة الجرح الطائفي والانقسام المجتمعي, هو دليل قاطع على اخفاق الفاعل السياسي والعقائدي والثقافي في تحمل المسؤولية الاخلاقية. علما ان الاشكالية لا تتعلق فقط بخطاب الكاتب ابراهيم العسال, وانما بالتناشز المثير للجدل بين مهمة الفضاء الثقافي و وظيفة الخطاب, مما جعلنا امام اشكالية ثلاثية الابعاد, اخلاقية و ثقافية و معرفية .
لذلك و من منطلق المسؤولية الاخلاقية كان المؤسسة الثقافية ان تسأل نفسها السؤال التالي: هل كان هذا هو الخطاب المناسب والمنسجم مع هذا المقام ( معرض بغداد للكتاب ), و بالذات في هذه اللحظة الحرجة اجتماعيا وسياسيا ؟. علما الوعي الجمعي العراقي غير مؤهل للتعاطي مع هذه السرديات, بروح الاسترخاء الثقافي, خاصة وان ذاكرة تعج بالانقسامات المذهبية والسياسية, و العنف الطائفي و الحرب الاهلية , وصراعات الهوية لا زالت طرية لم تجف بعد. فان الحفر المقصود في التاريخ الخلافي, و استدعاء واقعة كربلاء ويزيد , و اشكالية فدك, و معركتي صفين والجمل, وموقف ابن تيمية من يزيد, عبر منبر مؤسسي, وفي لحظة عراقية شديدة الحساسية , هو انكشاف واضح وصريح عن انعدام الحياد تماما, اضافة الى انه اخفاق خطير في المسؤولية الاخلاقية للمؤسسة. لان هذه الوقائع التاريخية, وغيرها من الوقائع ذات الطابع العقائدي الخلافي , يمكن ان تتحول الى ميكانزم فعال في تحريك الذاكرة الجمعية, حيث لا تعود هذه الوقائع مجرد وقائع حدثت في الماضي, بل ستصبح وقائع غالبية مفرداتها تُعاش في الحاضر و يُعاد تشكيلها. وعليه فان كل خطاب يحاول اعادة ترتيب الماضي وفق منطلقاته الايديولوجية والمذهبية , حتما سيسهم في اعادت ترتيب الحاضر وصياغته وفق ذات المنطلقات .
لذلك كان يفترض بالمؤسسة الثقافية ان تكون فضاء وطنيا محايدا فارها لتعدد الروايات, لا جهازا لتسويغ و تسويق رواية مذهبية دون اخرى , و هو الاصل الوظيفي للفضاء الثقافي الحقيقي, حيث يوسع من افق السؤال, لا غلقه داخل اجابة متبناة مسبقا كما هو شأن الخطاب المؤدلج. فالباحث الحقيقي في فضاء ثقافي ما, يفترض ان يطرح الرواية والرواية المقابلة مع استعراض واضح للمنظومة المصدرية التي تستند اليها كلا الروايتين , اضافة الى طرح نقاط الاختلاف بينهما, وما يمكن اثباته , وما دار حولهما من ممارسات تأويلية . اما خلاف ذلك, فقد يتحول الفضاء الثقافي من فضاء يحرر العقل من سلطة السردية الى فضاء يساعد على ترسيخ سلطة السردية. وقد تصبح الواقعة التاريخية المعاد انتاجها سياسيا وثقافيا, قادرة على تفسير علاقات القوة و الهيمنة في الحاضر, الدائرة حول إعادة تعريف الاخر على ضوء المعطيات التاريخية المذهبية المتعلقة في سيقاها و لحظتها التاريخية , وهو ما يؤكد لنا على ان الهيمنة لا تتحقق فقط عبر السيطرة على الحاضر, بل احيانا كثيرة قد تتحقق عبر السيطرة على آليات تذكُّر ذلك التاريخ. لذلك, فان ما يُحول الدولة الى اداة منتجة لخطاب منحاز و ذاكرة غير بريئة , هو عندما يتم تسخير مواردها و مؤسساتها و منصاتها الثقافية والاعلامية لتكثيف و تسويق سردية بعينها دون غيرها, حيث تنتقل الدولة هنا من وظيفة ادارة الجغرافية الوطنية و المجتمع الى وظيفة ادارة الذاكرة الاجتماعية المنحازة. و هنا مكمن الخطورة الحقيقي , حيث يصبح من هو مهيمن على الدولة, سوف يتعدى حدود امتلاك السلطة السياسية, ليصل الى تخوم القدرة على تحديد اي من الذاكرات يجب ان تُستحضر و تُرسخ في ثقافة و وعي المجتمع . لذلك فان معرض بغداد للكتاب لم يكن مجرد حادثة منفردة او اجتهاد فردي, وانما هو دالة واضحة و جوهرية على من هو مالك حق انتاج المعنى اليوم في العراق, والذي تشي به الاستمرارية و الإلحاح , والنشاط المؤسسي, و تسخير كافة ممكنات الدولة, واستبعاد او تهميش سرديات الاخر, و اقران تلك الذاكرة بشرعية الواقع السياسي, والتي كلها لا تتحدث فقط عن احياء الذاكرة, وانما عن تفكيك الذاكرة ثم اعادة هندستها وفق رؤية ايديولوجية. رغم ذلك فالاشكالية لا تكمن في ان العراق اليوم يستعيد ذاكرته, وانما في ان فاعلا بعينه من الفواعل السياسية والثقافية يسعى وبشكل حثيث الى اعادة هندسة ذاكرته, بحيث تصبح الواقعة التاريخية معيارا لتصنيف الواقع وتعريفه, الى درجة يصبح الواقع وسيلة لإعادة تشغيل وتثبيت الواقعة التاريخية و شرعنة سرديتها.
ان المعرفة التاريخية لا تقوم على استحضار الوقائع فحسب, وانما على منهجية التعامل معها كذلك, لأن الواقعة التاريخية , مثل (كربلاء ويزيد, ومعركتي الجمل وصفين, وفدك, وابن تيمية) فيما لو طُرحت عبر سردية بذاتها, من دون اي مسائلة منهجية لمنظومة المصادر, و تعارض الروايات, و اخذ المعطايات الزمانية والمكانية بعين الاعتبار, و تطور و تنوع التأويلات التاريخية التي تفرضها اللحظة السياسية والاجتماعية , حينها لا نكون امام بحث تاريخي ملتزم بالقواعد المنهجية و المعرفية المحكمة, وانما امام استخدام فج وقسري للتاريخ بهدف ادلجة الوعي عبر ذاكرة انتقائية منحازة وغير بريئة. وعليه فان المؤسسة الثقافية عندما تستضيف خطابا, كما مارسه الكاتب المصري ابراهيم العسال, فإنها لا تقدم للجمهور مجرد معلومات , وانما تمنح المتحدث شرعية المكان , حيث أن المؤسسة الثقافية لا تمنح الخطاب الطائفي منبرا فقط , بل كذلك تمنحه نسبة من شرعيتها الرمزية. لذلك تصبح هنا مسؤولية المؤسسة الثقافية الراعية لهذا الفضاء الثقافية اكبر من مسؤولية المحاضر نفسه, لان المحاضر ولأسباب معينة , قد تجده ينتقل بخطابه من المستوى المنهجي و المعرفي الرصين الى مستوى مغازلة الفاعل السياسي والثقافي, وكذلك الى مستوى مغازلة الجمهور العقائدي الشيعي. و ممارسة مثل هكذا خطاب ذات مؤديات ايديولوجية, هو امر سائد في الاوساط العربية الفكرية والثقافية و الاعلامية اليوم, سواء كان لأغراض التكسب او لأغراض هوياتية معينة, بسبب ما تمر به المنطقة بتسونامي حاد من الاستقطابات المذهبية والطائفية. الا انه و في كل الاحوال لا يتحمل صاحب الخطاب مسؤولية ما سينعكس من نتائج خطيرة على الواقع العراقي اجتماعيا وسياسيا. فالمشكلة ليست في ما قاله العسال, بل المشكلة تبدأ عندما يُختزل التاريخ المركب الى سردية اخلاقية ذات طابع ثنائي, و التي تتراوح ما بين الهيمنة والاذعان, و التمركز والتهميش, و من ثم يعاد اسقاط هذه الثنائية على المجال السياسي و الاجتماعي الواقعي .
في العموم قد لا يضطر الخطاب الطائفي , من اجل اقصاء او تسقيط الاخر, للجوء الى التنكيل والتشهير به او التحريض عليه, وان كان هذا الاسلوب هو السائد اليوم في العراق, لكن قد يكتفي احيانا بإعادة بناء التاريخ بالطريقة التي تجعل جماعة بعينها , ان تظهر باستمرار على انها المظلوم و المهمش التاريخي, واظهار الآخر على انه المسؤول تاريخيا عن ذلك الظلم و التهميش. لذلك و بمرور الزمن يتحول الآخر من شخص معاصر الى امتداد رمزي لشخصية تاريخية. وهذه هي الاشكالية المعرفية الحساسة, حيث ينتقل الذنب من الفرد التاريخي الى الجماعة المعاصرة, وهذا من اخطر آليات انتاج الطائفية العدائية, لان الفرد المعاصر يبدأ في محاكمة الآخر لا على اساس ما يفعله اليوم, وانما على اساس موقع الجماعة التي ينتمي اليها في سردية تاريخية عمرها عشرات القرون, اي يصبح للواقعة التاريخية و بمجمل مقدماتها و مخرجاته العقائدية و السياسية والاجتماعية امتداد حي في الواقع. فمثلا, استحضار ابن تيمية عبر خطاب ابراهيم العسال لم يكن استحضارا معرفيا وحسب, بل استحضارا ذات وظيفة رمزية و رسالة قصدية تتجاوز البحث التاريخي, كونه يشكل في الذاكرة المذهبية المعاصرة , دلالة على الآخر السني ـ السلفي لدى مساحة واسعة من الخطاب الشيعي. لذلك فان استعراض ابن تيمية في هذا السياق لا ينبغي قراءته فقط على انه مجرد مناقشة موقف ابن تيمية من يزيد, و انما هو استدعاء مقصود لشخصية اصبحت رمزا للصراع المذهبي والطائفي الحديث. فخطاب ابراهيم العسال بهذه اللحظة الحرجة سياسيا واجتماعيا , وبهذه النزعة الطائفية, يشي باننا لسنا امام نقد منهجي ومعرفي وعلمي لفكرة ابن تيمية, بل نحن امام ظاهرة خطابية خطيرة جدا تسعى الى اعادة احياء و تنشيط وظيفة ابن تيمية داخل الذاكرة الطائفية المعاشة اليوم, الهدف منه تحويل المسؤولية التاريخية الى مسؤولية جماعية شاملة, اي الانتقال من التاريخ الى الادانة الاخلاقية الجماعية, بمعنى انه لا مجال للفصل او القطيعة التاريخية والحضارية بين ما دار في الماضي و ما يدور اليوم. و هذه هي صناعة الذاكرة الطائفية ذات العادم غير الاخلاقي خلاقي المضر بالجانب الانساني والحضاري و الاجتماعي .
ان من المفارقات الخطيرة والمؤلمة هي ان يتحول منبر ثقافي مهم ( معرض الكتاب) الى فضاء طائفي موبوء, يستحضر الوقائع التاريخية الاكثر جدلا و اختلافا , والاكثر قابلية على اثارة الذاكرة الطائفية, من دون ادنى رادع اخلاقي, ومن دون اي مسائلة معرفية ومنهجية عميقة لها, لهو مؤشر فاضح على ان المؤسسة الثقافية قد تخلت عن وظيفتها المعرفية في تعاطي التاريخ تعاطيا منهجيا مسؤولا, و محاكمة السائد المنحرف و مواجهة التطرف, لتتحول الى فضاء يجتر الماضي الخلافي وفق رؤية طائفية مؤدلجة, ويتبنى لكل ما هو منتج للانقسامات المجتمعية. اضافة الى ان ما حصل في معرض الكتاب, هو دليل على ان الهوية قد فقدت قدرتها على انتاج معنى حاضرها, فبدأت في استدعاء ماضيها على انه مصدر للشرعية, حتى تحولت الذاكرة من مستودع للتجربة الانسانية الى اداة للسلطة و الهيمنة, فراحت اللغة بكل قدرتها المعجمية والدلالية العمل على الانتقاء, والذاكرة مندفعة بكل انحيازها على استحضارما يُراد استحضاره, و كذلك الخطاب بكل ما يمتلكه من بلاغة ايديولوجية على ترتيب السردية و تسويقها, والسلطة بكل ما تمتلكه من ادوات على منح تلك السردية قدرتها على الانتشار. وعند اكتمال هذه الحلقة المفرغة ستصبح الذاكرة ايديولوجيا, وستتحول لاحقا الى جهاز لصياغة الحاضر وادارته. وكل ذلك يتناسب طرديا مع حجم عجزنا عن بناء سردية وطنية جامعة تستوعب التعدد, اي كلما زاد حجم عجزنا, ازداد هوسنا بالسرديات الفرعية و الجزئية. لذلك نحن لسنا بصدد نقد خطاب ابراهيم العسال, بل نحن مشغولين في نقد جوهر البنية الثقافية التي تبنته, والتي اتاحت له المنبر عبر تسخير موارد الدولة ومؤسساتها ومنصاتها الثقافية والاعلامية من اجل استدعاء التاريخ الخلافي وفق رؤية ايديولوجية طائفية, وعبر نزعة القوة والهيمنة .
..........................................
#أحمد_الزكروطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟