أحمد الزكروطي
الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 02:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ايران و ثلاثية الازمنة
الزمن العسكري , الزمن الاقتصادي, الزمن التفاوضي :
..........................................................................
في اغلب المعارك والحروب يحتل عامل الزمن موقعه الاستراتيجي في معادلة المواجهة, وفي احيان كثيرة لم يكن محايدا, بل يتحول الى احد اهم العناصر التي يمكن توظيفها في مقدمات ومخرجات المواجهة. لذلك فالدول التي تعي عدم امكانية قدراتها العسكرية في تحقيق الحسم الميداني السريع, قد تلجأ الى الاستثمار في عامل الزمن عبر ابطاء وتيرته الى الحد الذي يمكن أن يحول تفوق الخصم إلى عبء سياسي واقتصادي عليه. وهذه هي طبيعة الحروب الممتدة وغير المتكافئة، حيث الزمن لا يمكن أن يكون ضمانة مطلقة لصالح طرف دون طرف آخر، حتى لو كان هذا الطرف هو الأقوى عسكريا, لا بل قد يتحول إلى مصدر قوة للطرف الأضعف في حال لو تمكن من استدراج خصمه إلى مطب فائض الكلفة، أي عبر تكتيكات عسكرية تحول دون قدرة الخصم على حسمها وتغطية متطلباتها .
لذلك كان عامل الزمن, طوال مراحل المواجهة الايرانية ـ الامريكية, هو واحد من اهم الارصدة الاستراتيجية التي تتعاطاها ايران باعلا دراجة الدقة والحرص, حيث لم يكن الزمن بالنسبة لها مجرد استراحة مقاتل بين كل جولة مواجهة واخرى, او بين كل ضربة و ردة فعل, و انما كان جزء لا يتجزأ من آلية الصمود و البقاء نفسها. فكل نوبة مواجهة تنتهي دون حسم عسكري, و دون ان تؤل الى نتيجة نهائية و واضحة, هو بمثابة فرصة ذهبية تُمنح لإيران لاستعادة انفاسها, واعادة ترتيب اوراقها, و اعادة ترميم ما يمكن ترميمه مما اعطبته المواجهة, و رفع كلف الحرب على خصومها عبر الاحتفاظ على مستوى من القدرة على الرد و التهديد و المناورة .
و نتيجة متابعتنا لمجريات مسرح المواجهة منذ بدايتها في 28/ شباط/ 2026, و لحد كتابة هذا المقال وجدنا ان جوهر الرهان الايراني في هذه المواجهة قائم على فكرة غاية في الاهمية بالرغم من بساطتها. بما ان ايران تعلم علم اليقين بانها ليس لديها الامكانية على تحقيق انتصار عسكري تقليدي, لذلك فهي مكتفية بمنع خصومها من تحقيق الحسم السريع للمواجهة, و ألا تنهار قبل ان يتعب خصمها من الاستمرار في هذه المواجهة. انه اسلوب حرب الاستنزاف في اكثر صورها تعقيدا و خطورة, اي ليس عدم الاكتفاء باستنزاف خصمك فقط, و انما عليك ان تحول الزمن نفسه الى منتج للاستنزاف. الا ان هذه المعادلة لا تحقق غاياتها ما لم تجعل كلفة مرور الوقت على خصمك اعلى مما كلفته عليك. وهذه هي الاشكالية الايرانية بعينها, و التي سيتحول الزمن الى سلاح فيها ذي حدين, حيث المعادلة التي كانت تظهر و تُفهم في بداية الامر على انها مواجهة ثنائية , بين ايران من جهة , وامريكا واسرائيل من جهة اخرى, قد اخذت بالاتساع جغرافيا لتصبح معركة بين قدرات مختلفة على تحمل عامل الزمن و تموينه , ثم ادارته, خاصة بعد دخول مضيق هرمز في صلب المواجهة كورقة ضغط استراتيجية لتحويل الزمن الايراني الى ضغط عالمي, اي خنق الاقتصاد العالمي عبر حبس الطاقة, ومنعها من الوصول الى مستهليكيها .
لذلك فان ايران عندما طرحت ورقة مضيق هرمز و بحسب تقديراتها و توقيتاتها و قرائتها لمجمل الخطوط المتوازية المتعلقة بالجوانب العسكرية و السياسية و الاقتصادية, سواء على المستوى الاقليمي او الدولي . لم تطرحه على انه مجرد ممر مائي, بل طرحته كورقة جيوسياسية ذات قدرة عالية التأثير في الاقتصاد العالمي, و هو تقدير لا يخلو من المنطق, كونه يمثل احد اهم نقاط الاختناق في منظومة الطاقة الدولية , خاصة وان ايران قد ادركت بان المواجهة ذاهبة الى مسارات ليس من صالحها. لذلك كان منطق الورقة واضحا جدا, اي اذا كان بإمكان ايران تعطيل مضيق هرمز , و جعل تدفقات الطاقة اكثر صعوبة و كلفة, فان الحرب لم تعد حربا على ايران وحسب, بل ستتحول الى ازمة عالمية, وهذا هو ما تريده ايران بالضبط من ورقة هرمز, بمعنى ان ايران لم تطرح ورقة هرمز على انها ورقة عسكرية وحسب, بل كانت محاولة لتحويل الجغرافية الى رصيد اقتصادي, الذي بدوره قد يتحول الى ضغط سياسي, الذي من ان يدفع الخصوم نحو التفاوض, و قد يتحول الى زمن اضافي لصالح ايران. وهذه هي فلسفة المماطلة والتسويف التي تعتمدها ايران كاستراتيجية للصمود والبقاء, والتي ستؤدي الى رفع كلفة استمرار المواجهة على الولايات المتحدة و حلفائها, لتجعلها اكبر من قدرتهم على تحملها و امكانية تغطيتها.
لذلك فان ايران عندما طرحت ورقة مضيق هرمز و بحسب تقديراتها و توقيتاتها و قرائتها لمجمل الخطوط المتوازية المتعلقة بالجوانب العسكرية و السياسية و الاقتصادية, سواء على المستوى الاقليمي او الدولي . لم تطرحه على انه مجرد ممر مائي, بل طرحته كورقة جيوسياسية ذات قدرة عالية التأثير في الاقتصاد العالمي, و هو تقدير لا يخلو من المنطق, كونه يمثل احد اهم نقاط الاختناق في منظومة الطاقة الدولية , خاصة وان ايران قد ادركت بان المواجهة ذاهبة الى مسارات ليس من صالحها. لذلك كان منطق الورقة واضحا جدا, اي اذا كان بإمكان ايران تعطيل مضيق هرمز , و جعل تدفقات الطاقة اكثر صعوبة و كلفة, فان الحرب لم تعد حربا على ايران وحسب, بل ستتحول الى ازمة عالمية, وهذا هو ما تريده ايران بالضبط من ورقة هرمز, بمعنى ان ايران لم تطرح ورقة هرمز على انها ورقة عسكرية, بل كانت محاولة لتحويل الجغرافية الى رصيد اقتصادي, الذي بدوره قد يتحول الى ضغط سياسي, ومن ثم الى دفع الخصوم نحو التفاوض, والذي في النهاية قد يتحول الى زمن اضافي لصالح ايران. وهذه هي فلسفة المماطلة والتسويف التي تعتمدها ايران كاستراتيجية للصمود والبقاء, والتي ستؤدي الى رفع الكلفة استمرار المواجهة على الولايات المتحدة و حلفائها, وان تجعلها اكبر من قدرتهم على تحملها و امكانية تغطيتها.
ان الاوراق الجيوسياسية الكبرى والمركبة, و التي غالبا ما تُطرح في اللحظات المفصلية و الحرجة من المواجهة, سواء كانت من هذا الطرف او ذاك, هي نتيجة للظروف و المعطيات التي يمر بها كل منهما, والتي تدفعه اما باتجاه حسم الامر, او باتجاه ايقاف التدهور. لا تقاس فقط بأحداث الضرر بالخصوم, وانما بقدرتها على دفع الخصوم باتجاه تغيير سلوكهم. وهذا لم يحدث, لحد الآن, على اقل تقدير, لا على مستوى الخطاب و السلوك الدبلوماسي , ولا على مستوى الميدان, لذلك يجب ألا نقع في مطب الخلط و عدم التمييز بين مفهومي ( القدرة على الايذاء, و القدرة على الاكراه ) اللذان لهما المكانة المعرفية المهمة في قراءة و تحليل الحروب . نعم قد تكون ايران استطاعت ان تجعل تجارة و اقتصاد خصومها اكثر كلفة, وكذلك جعلت اسعار الطاقة مرتفعة, و كذلك استطاعت تحويل المرور البحري عبر هرمز اكثر خطورة ومجازفة. لكن رغم كل ذلك, لا يعني ان ايران بالضرورة قد استطاعت دفع خصومها نحو التراجع . علما ان الاكراه يبدأ لحظة تحول الضرر الى منتج للألم الذي قد يدفع الخصوم الى تغيير سلوكه. لذلك هنا تكمن المفارقة القاسية, حيث بدأت القيمة الاستراتيجية لورقة هرمز تواجه انقلابا نوعيا , كونها بدأت بالاشتغال المعاكس لما ارادت له ايران من انتاج شروط جديدة للصراع من اجل تحسين موقعها في معادلة المواجهة .
صحيح ان حركة النفط و التجارة قد تعرضت فعلال لارتباك والاضطراب. لكن الاسواق و الدول المنتجة و شركات النقل استطاعت ان تعيد بناء جزء كبير من منظومة الحركة النفطية, و اعادة تنظيم طرق التصدير والنقل. فكثير من البيانات الحديثة الصادرة عن مراكز عالمية مختصة بهذا الشأن, تشير الى ان الصادرات النفطية الخارجة من الشرق الاوسط تجاوزت مستويات ما قبل الحرب في بعض الحالات, وقد بلغ تدفق النفط عبر مضيق هرمز حوالي 4.2مليون برميل يوميا, اي 80% من مستوى ما قبل الحرب. و رغم كل ذلك, لا يعني بالضرورة ان هرمز قد فقد قيمته الاستراتيجية بالكامل, فالمضيق لازال يشكل نقطة اختناق جيوسياسية شديد الحساسية, و حركة النفط عبره لا زالت تحتاج الى حماية عسكرية ومسارات لوجستية استثنائية, و كلفة النقل والتأمين مرتفعة , الا ان العالم بالمقابل بدأ يتعلم كيف يتعايش مع هذه المخاطر و يتكيف معها .
ان هذا التكيف و التعايش والاحتواء لورقة مضيق هرمز, هو من كان وراء قلب المعادلة نوعيا و وظيفيا . فاذا كانت ورقة المضيق تراهن على ان العالم لا يستطيع تحمل الم هرمز, فان اي امكانية على توزيع هذا الالم او التخفيض من منسوبه, او الالتفاف عليه, حتما سيقلل من قيمتها الاكراهية, وهذا فعلا ما بدأت ملامحه تظهر على مسرح المواجهة. فالعالم اليوم بدأ غير مضطر الى اعادة الوضع الى ما كان عليه قبل الحرب من اجل ان يفشل الرهان الايراني بالكامل, بل يكفي ان يتمكن من امتصاص جزء كبير من الازمة, واعادة توزيع كلفتها, و منعها من ان تتحول الى اختناق كامل, وعليه لم يعد هرمز ورقة تستطيع ايران ان تستخدمها لصالحها فقط في تحديد مسارات المواجهة, وانما اصبحت جزء من لعبة اوسع واعقد. اي من يملك امكانيات المناورة النوعية والحيوية في مجال الطاقة و كلفتها و مخزونها ومساراتها البديلة, وحماية كل ذلك عسكريا. وهذا ما جعل الحرب ان تنتقل من حرب على المضيق الى حرب على قدرة كل طرف على التكيف مع مستجدات المضيق الجيوسياسية .
و عليه فان هذا التحول في مسارات و اداء ورقة مضيق هرمز, هو الذي سيجعل عامل الزمن اكثر خطورة على ايران من غيرها, لأنها لا تمتلك المرونة ذاتها التي يمتلكها خصومها في التكيف مع ما افرزته ورقة هرمز من اضطرابات سياسية و لوجستية و اقتصادية, فالمشكلة لدى ايران هي الاكثر تركيبا و تعقيدا, كونها لا تحتاج فقط الى التكيف مع مستجدات هرمز, بل هي تحتاج ايضا الى تمويل استمرار الحرب, الذي حول الوقت الى عامل غير متكافئ. فمقابل العالم , وخاصة اطراف المواجهة المباشرة , بثقل اقتصاداتها الاكثر مرونة و قدرة على استحداث البدائل و استخدام الاحتياطيات و تحمل الكلفة . هناك ايران باقتصادها المقيد والمحاصر والمنهك , والتي هي بأمس الحاجة لبيع النفط و الحصول على العملة الصعبة, و الحفاظ على احتياطها النقدي, و تمويل الدولة والاقتصاد و الحرب في آن واحد. ومن هنا بالذات يتحول الفرق بين قدرة النظام العالمي على امتصاص الصدمة , وقدرة ايران على تحويل مجرد الصمود الى جوهر المعركة , اي اصبح الصمود بالنسبة الى ايران هو غاية و معيارا لقياس قدرتها على الاستمرار, ولسان حالها يقول: ما زال النظام قائما اذن نحن منتصرون .
لذلك فان اخطر ما تمر به ايران اليوم هو ليس فقط انخفاض الصادرات, وانما تزامن ذلك مع تآكل القدرة النقدية الداخلية, حيث الريال الايراني اليوم بلغ مستوياته القياسية الخطيرة في الانخفاض, والذي تجاوز الثلاثة مليون ريال مقابل الدولار, اضافة الى حجم التضخم الذي وصل تخوم %89.8 , و هو اكبر مؤشر على عمق الضغط الذي يتعرض له الاقتصاد الايراني مع استمرار الحرب والحصار والقيود على جميع الواردات و الصادرات النفطية و التجارية. علما ان العملة هنا ليس مجرد مؤشر مالي, بل هي كذلك مؤشر مهم على الزمن الذي تستطيع الدولة شراءه و تحويله الى رصيد استراتيجي. وهذه هي اللحظ التي يبدأ فيها الزمن الاقتصادي يتعاكس مع الزمن العسكري. نعم قد تكون ايران قادرة عسكريا على الاستمرار بالحرب, لكن قدرتها الاقتصادية على تمويل هذا الاستمرار قد تآكلت , لان الحرب قد تتفوق على قدرة الاقتصاد الايراني لتمويلها نتيجة طول امدها. وهنا يتحول الاقتصاد الى جبهة حرب بحد ذاته, وهو ما يجعل الزمن الاقتصادي اكثر خطوة من الضربة العسكرية احيانا, فالضربة العسكرية قد تحدث في لحظة ميدانية معينة, اما التضخم الاقتصادي فيحدث كل ساعة وكل يوم. وهذا هو الاستنزاف البطيء الذي لا ينتج مشهدا دراماتيكيا واحدا ممكن ان توظفه الدولة في التعبئة الداخلية, بل يتشضى الى الاف الاضرار الصغير التي ستتراكم ببطء حتى تتحول في مجموعها الى ازمة بنيوية يصعب تداركها, حتى سياسيا وامنيا .
و هذا هو الفرق بين الحرب العسكرية والحرب الاقتصادية, فالحرب العسكرية تشتغل على ضرب القدرة على الاستمرار, بينما الحرب الاقتصادية تشتغل على ضرب البنى الاستراتيجية المنتجة للقدرة على الاستمرار. وهنا بالذات تدخل ايران في معادلة اكثر تعقيدا وحساسية, حيث صحيح ان ايران تستطيع استخدام القوة العسكرية لمنع خصومها من تحقيق نصر سريع وحاسم, لكن هذه القوة نفسها تدفع الخصوم الى استدعاء حصار اشد وقد يكون خانق, الذي بدوره سيؤدي الى انخفاض اقسى في الايرادات, وتراجع اخطر في العملة, و ارتفاع اعلى في كلفة الاستيراد. لذلك فان القوة العسكرية هذه ستصبح جزء ثقيل من الآلية التي سترفع من كلفة الصمود. وهنا ستتحول بنية المواجهة من سؤال في الحرب الى سؤال في الصمود و مدى اقتصاديته , فاقتصاد الصمود لا يعني بالضرورة امكانية الدولة على البقاء وحسب, بل يعني قدرتها على تمويل هذا البقاء من دون ان يؤدي تمويل الحرب الى تدمير القاعدة الاقتصادية التي يفترض انها تحمل الحرب بكل تفاصيلها و انعكاساتها اللحظية والمستقبلية, وهذه هي من اكثر المفارقات تعقيدا و خطورة في الحروب الطويلة. قد يمكن لإيران ان تكون قادرة على الاستمرار عسكريا, لكنها في الوقت نفسه تصبح اقل قدرة على تحمل استمرارها اقتصاديا. وهذا هو الحد الفاصل بين القدرة على القتال والقدرة على تمويل هذا القتال, وهو ايضا يعد الفاصل بين النصر التكتيكي و الاستدامة الاستراتيجية . وهنا ستصبح كل ساعة تمر هي جزء من معادلة الاستنزاف. فالساعة الحربية التي تمر قد تعني ضربة عسكرية جديدة, لكن الساعة نفسها خارج ميدان المعركة, تعني خسارة محتملة في الايرادات, و تراجعا في العملة, وارتفاعا في الكلفة .
وهنا يتحول الردع الى مطب استنزاف جديد, فلكي تحافظ ايران على مصداقية قدرتها في التحكم بمضيق هرمز, اذن لا بد من الاستمرار في الضغط بهذه الورقة. لكن الاستمرار بالضغط حتما سيدفع الاخرين الى بناء آليات تكيف جديدة معه, و مع كل آلية تكيف جديدة ستتراجع القيمة الاكراهية للتهديد, وبالتالي ستكون ايران مضطرة الى التصعيد اكثر فاكثر لإنتاج الاثر المراد الوصول اليه. وهذه هي مفارقة الردع, اي كلما احتاجت ايران الى اثبات قدرتها على استخدام ورقة هرمز, ارتفعت معها كلفة الحفاظ على هذه الورقة, و كلما ارتفعت كلفة الورقة الهرمزية ارتفعت معها الحاجة الى استخدامها لإثبات ان الكلفة لم تذهب سدى, وهذه الحلقة المفرغة يمكن ان تجعل ورقة هرمز, التي يفترض ان تمنح ايران قوة تفاوضية اكبر, ستتحول تدريجا الى مصدر استنزاف جديد. وهذا لنا التحول النوعي و العميق في معادلة ورقة هرمز .
لم تعد المسألة تتعلق بإمكانية ايران على اغلاق المضيق, بل تتعلق بمدى إمكانية ايران من جعل اغلاقه و تهديده اكثر كلفة على العالم و اقل كلفة عليها. فالبيانات العالمية المختصة , حتى الان, على اقل تقدير, تشير الى ان الاسواق العالمية لم تعد تتعامل مع ازمة هرمز على انها انقطاعا تاما في الامدادات النفطية. فبالرغم من ان ايران نجحت في رفع كلفة الطاقة العالمية, الا انها لم تنجح بالضرورة في تحويل هذه التكلفة الى شلل اقتصادي عالمي, بل ان استمرار الاطلاقات النفطية عبر الخليج العربي, وان كانت تشوبه بعض المخاطر و التكاليف, الا انها خلقت مفارقة شديدة الحساسية, اي كلما استطاع العالم ان يحافظ على حراك الطاقة, ولو بوسائل استثنائية, ستتقلص بالمقابل قدرة ايران على احتكار المضيق كأداة لإجبار الخصوم على تغير مسار الحرب, اي انفراط عقد الاحتكار الايراني لهرمز. نعم قد تزداد كلفة الطاقة و التأمين, لكن لا يعني بالضرورة ان النتائج السياسية ستذهب لصالح ايران, وهذا ما سيوضحه مفهوم ( قابلية الاستبدال الاستراتيجي), اي كلما كانت لدى الخصم مرونة و مكانية لا نتاج البدائل و استحداث الخيارات, ستتراجع حتما القدرة الاكراهية للورقة التي ارتكزت على نقطة اختناق واحدة. وهنا لا يضغط الزمن على طرفي المواجهة بذات الالية, نتيجة لتباين الظروف والامكانيات لكل طرف. فاذا كان احد الطرفين يستثمر الوقت في تطوير بدائله و توسيع خياراته, بينما الطرف الاخر يستخدمه في استهلاك موارده لمجرد تحقيق الصمود, حتما سيكون الزمن في هذه الحالة منحازا وظيفيا, وان بدى ظاهريا محايدا, لجانب الطرف الذي يمتلك امكانية انتاج شروط تعريف مفردات المواجهة و تعاطي مستجداتها بمرونة اكبر.
و هنا يظهر دور الزمن التفاوضي على سطح المعادلة, حيث لا يبدأ التفاوض لحظة توقف اصوات الطائرات والصواريخ, بل يبدأ لحظة اعادة كل طرف حساباته في طبيعة العلاقة بين كلفة الاستمرار وكلفة التسوية. ومن هذه الزاوية, فان الزمن الاقتصادي يمكن ان يؤثر في الزمن التفاوضي, اي اذا اصبح الاستمرار في الحرب يستهلك الموارد الايرانية بسرعة اكبر من قدرتها على انتاج مكاسب استراتيجية و شروط جديدة في تعريف المواجهة, فان قيمة التفاوض ستكون باهظة بالنسبة لإيران. اما في حال نجحت ايران في جعل كلفة الحرب على خصومها تتراكم بوتيرة اسرع من كلفتها عليها, فان الزمن سيعود الى العمل لصالح ايران , وهذا يعني ان المعركة ليست فقط حول الميدان, وانما حول من يمتلك منحنى الكلفة الافضل. لذلك لا بد من معاينة منسوب الم الحرب, وعلى مَنْ مِنَ الطرفين تتزايد وتيرة المه الحربي والاقتصادي والسياسي بصورة اسرع من الاخر. هل هو اكثر سرعة في الطرف الايراني, ام في النظام الاقتصاد والسياسي للطرف الاخر؟ فالضربة الاخيرة قد لا تفصح عن اتجاه الحرب, لكن اتجاه منحنى الكلفة قد يكون هو من يخبرنا عن اتجاه الحرب, و هو ما يمكن بموجبه اعادة تعريف مفهوم ( الصمود). علما ان الصمود ليس مجرد ان تبقى الدولة قادرة على الرد, بل الصمود الاستراتيجي هو ان تبقى قادرا على الرد من دون ان تؤدي عملية الرد نفسها الى استهلاك شروط بقائك. لذلك وجدت ايران نفسها مضطرة لخوض معركة اصعب واعقد مما كانت تتصورها. انها معركة منع تحول الزمن الى اداة لخنق قدراتها على الصمود نفسه, الذي هو بمثابة غايتها الاستراتيجية ومعيار قياس قدرتها على الاستمرار.
لم تعد المعركة بين طائرة وطائرة, او بين صاروخ وصاروخ, او بين سفينة وسفين, او مضيق و قوة بحرية, بل المعركة اصبحت شرسة رغم نعومتها, انها معركة بين اقتصاديات الزمن. من يستطيع ان يشتري يوما اضافيا؟ و من يصل اولا الى النقطة الحرجة لتي يصبح فيها الاستمرار في الحرب اغلى من التفاوض؟ عند هذه النقطة تحديدا تتقاطع الجبهات الثلاث, اي جبهة الزمن العسكري الذي يحدد قدرة الاطراف على الاستمرار في المواجهة و امتلاك فرص التفوق, و جبهة الزمن الاقتصادي الذي يحدد قدرة الدولة على تمويل القتال و الحياة العامة للدولة, و جبهة الزمن التفاوضي الذي يحدد اللحظة التي يصبح فيها الاتفاق اقل كلفة من الاستمرار في الحرب. فاذا بدأت هذه الازمن الثلاثة تعمل في أن واحد ضد ايران, ويبدو ان الامر كذلك, فان الامر لا يعود مجرد تراجع في الموقع التفاوضي, بل هو تحول جذري في بنية المواجهة نفسها. لذلك فان اخطر ما يمكن ان تواجهه ايران ربما لا يكون انهيارا عسكريا مفاجئا, وانما شيء اكثر خطورة, وان كان بطيئا, والذي سيصبح الزمن فيه, اشبه الى حد بعيد, بسلك رفيع شديد القوة, ليس لأنه سريع الخنق, وانما لأنه يضيق الخناق ببطء. و هذه ربما هي اخطر صورة يمكن ان تتخذها الحرب بالنسبة الى النظام السياسي في ايران, هو ان لا يكون الانهيار مباشرة, بل ان يكون هامش الخيارات هو الذي يبدأ بالانهيار. فالإقرار بالهزيمة هو هزيمة اخرى , لذلك فالأنظمة عادة لا تقر بهزيمتها, ولكن تعبر عنها بطريقة اخرى عبر خطابات بلاغية و ذات طابع تاريخي مقعر يصعب على عامة الجمهور التقاط شفراته السياسية. وقد تكون هذه اللحظة هي اهم واصعب من الخسارة العسكرية نفسها .
و اخيرا , فان الحبل الذي ارادت ايران ان تخنق به العالم لم ينقط, و يا ليته كان مقطوعا, هذا هو لسان حال ايران اليوم, لأنه لم يعد مشدودا في اتجاه واحد, فمثلما هو مشدود حول عنق العالم , مشدود اليوم حول العنق الايراني, ان لم يكن اشد خنقا وقسوة. فالأمر لم يتوقف عند من يمسك الحبل فقط, وانما من يملك القدرة على الاستمرار في شده عندما يبدأ الحبل نفسه بالضيق؟
#أحمد_الزكروطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟