أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد الزكروطي - الامانة الوطنية والمهنية بين الغياب الواقعي والحضور الخطابي















المزيد.....


الامانة الوطنية والمهنية بين الغياب الواقعي والحضور الخطابي


أحمد الزكروطي

الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 11:42
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عندما تنعدم المصداقية حتما ستتوالى سلسلة من التداعيات الخطيرة, على مستوى الدولة و المجتمع, لما لها من اثر جوهري في تآكل الثقة و الرأسمال الاجتماعي, بين اطراف المعادلة كلها, اي بين الدولة و فاعليها من جهة, و بين الدولة والمجتمع من جهة ثانية, وبين افراد و مكونات المجتمع انفسهم من جهة ثالثة. والذي سيحول جميع مفردات العلاقة فيما بينهم جميعا الى اتون من الريبة والشك, والتي ستدفع باللغة الى اجهاد نفسها في اثبات ما عجزت عن اثباته جميع الوقائع السياسية والاجتماعية بشكل تلقائي على مدى ربع قرن تقريبا, بل ما حصل كان على العكس من ذلك تماما, حيث الفجوة بقيت في حالة اتساع مطرد بين الشرعية القانونية لوظيفة الخدمة العامة و الشرعية الاخلاقية لمن هو مكلف فيها. ان الوسيلة التي تحاول ردم هذه الفجوة و تعزيز اليقين حول المسؤولية , قد تتحول, بفعل الافراط في تداولها و التأكيد عليها خطابيا, الى اهم دواعي اثارة الشك و الريبة لدى المُستهدف ( الجمهور). فالبديهية و بحكم طبيعتها, لا تحتاج عادة الى الدفاع المتكرر عن وجودها و تأكيدها, وهو ما ينطبق على الامانة الوطنية والمهنية كذلك, باعتبارها من مقتضيات الوظيفة العامة, و تستمد قوة حضورها من بداهتها, او من رسوخها في الوعي الجمعي. لذلك عندما يتم الاغراق في التأكيد عليها من قبل (المؤكِد) بكسر الكاف, قد ينتقل انتباه المتلقي من فحوى مضمونها الى سبب الاصرار على تأكيدها , فبدلا من ان ينشغل في حقيقتها و صحتها, سينشغل بدواعي الاصرار على تأكيدها خطابيا, الذي هو اصلا في حالة تقاطع حاد مع الخبرة الواقعية للمتلقي .
لذلك فالمتمعن في مضامين القسم الذي اضافه السيد رئيس مجلس الوزراء ( علي الزيدي ) بعد اكتمال كابينته الوزارية, والذي دعا فيه الى اداء هذا القسم الاخلاقي, يكتشف ان هذا القسم ما هو الا طقوس اضافية جاءت للتأكيد على ما هو مؤكد بحكم الدستور والقانون و اللوائح ومقتضيات الوظيفة العامة و الدولة الدستورية. هنا سيدفعنا هذا القسم الى استحضار الاستفهام عن الدوافع التي تكمن وراء شعور السلطة السياسية بالحاجة الى هذا القسم المنطوي على جملة من المحظورات المحرمة, مبدئيا, من الناحية القانونية والأخلاقية, و المرفوضة اجتماعيا و وطنيا, و الذي سيجعلنا هذا الاستفهام امام دلالتين لا ثالث لهما. اما ان يكون هذا القسم الاخلاقي قد جاء كمحاولة لاستعادة الثقة و الاعتبار للقيم الاخلاقية في ممارسة السلطة, و تأكيدا على ان الوظيفة العامة هي تكليف و ليست امتيازا شخصيا او حزبيا او عشائريا, و كذلك قد يكون له وظيفة رمزية مهمة نتيجة ادائه العلني امام الجمهور. او ان هذا القسم قد جاء بمثابة تصريح واقرار على وجود ازمة جوهرية متفشية في جسد الدولة والمجتمع الى حد الاستفحال, ودليلا قاطعا على ان جميع ما جاء به القسم من مخاطر هو حاصل و متحقق بالفعل, تجعل استعادة الثقة و الرأسمال الاجتماعي تحتاج الى هذا التأكيد و الاعلان الطقوسي المتكرر عنه .
و من اجل حسم الامر بين هاتين الدلالتين في تحديد ايهما الاقرب الى الواقع, اذن لا بد من ارجاع هذا القَسم المثير للجدل الى سياقاته السياسية و النفسية و الاجتماعية و الثقافية على مدى ربع قرن تقريبا من الفوضى و الهشاشة و التخبط و الارتباك, التي جعلته يظهر بمظهر الضرورة الملحة بالنسبة للسلطة السياسية على اقل تقدير, والذي شكل مادة غنية تتيح لنا قراءة دلالاته العميقة, والكشف عن حجم الاضطرابات الحاصلة في العلاقة بين الدولة و المجتمع, وبين السلطة والشرعية, وبين القيم المعلنة خطابيا و الممارسات على ارض الواقع .
ان جميع الالتزامات التي انطوى عليها القسَم لم تكن قيما جديدة اصلا, بل هي من مقتضيات الوظيفة العامة و الدولة الدستورية. لذلك فأن مدار الانتباه لم يعد منصبا حول صحة هذه المبادئ من عدمها, وانما حول الشروط التي جعلت السلطة السياسية بأمس الحاجة لتكرار و تأكيد ما تتكفل الزامه المؤسسات الدستورية والقانونية. وعليه يمكن قراءة هذه الحاجة التي جعلت القسم يبدو ضروريا الى هذه الدرجة, عبر ثلاثة ابعاد مترابطة. اولا, حين يعجز القانون عن ضمان امتثال المسؤول, ستضطر السلطة حينها للجوء الى استدعاء الضمير و الاخلاق باعتبارهما رادعا اضافيا. ثانيا, حين تتراجع ثقة المواطن بالمسؤول والمؤسسة, ستصبح الوعود الاخلاقية مجرد محاولة لاستعادة المصداقية التي تهشمت تحت مطرقة الخبرة اليومية للمجتمع و الذاكرة المكتنزة بجميع ما يتعلق بالسياق التاريخي لمشهد التجربة السياسية. ثالثا, حين يفقد المنصب العام معناه باعتباره تكليفا عاما لخدمة الدولة والمجتمع, سيصبح اعادة تعريف ذلك المنصب خطابيا باعتباره مسؤولية لا امتيازا. لكن السياق التاريخي لمشهد التجربة السياسية في العراق منذ 2003 ولحد الآن, هو عبارة عن تراكمات ثقيلة جدا من التناقضات بين الخطاب والممارسة, و هذا ما يدعم الدلالة الثانية, التي نؤكد على ان هذا القسم جاء كاستجابة رمزية لأزمة جوهرية في المصداقية والثقة, التي جعلت الالتزامات الدستورية والقانونية المعطلة اصلا, غير كافية لضمان السلوك الوظيفي المتوقع, لذلك وجدت السلطة نفسها بانها في امس الحاجة الى التزامات اخلاقية رديفة في انفاذ القانون و فرض هيبة الدولة .
لذلك لا يمكن فهم القسم بمعزل عن التحولات الكبرى التي اعادت هندسة العلاقة بين الدولة و المجتمع. فالانتقال السياسي الذي شهدته مرحلة ما بعد 2003 لم يقتصر على تغير النظام وحسب, وانما اعاد تنظيم السلطة على اسس توافقية بين قوى المشهد السياسي, و بمرور الزمن بدأ هذا التنظيم يتداخل شيئا فشيئا مع شبكات المصالح الحزبية و المحاصصة و الولاءات الفرعية, حتى اسهم تدريجا في تمكين قوى سياسية و فاعلين سياسيين ودينيين و اجتماعيين من الاستحواذ و الهيمنة على مؤسسات الدولة, مقابل اضعاف المسائلة و الدور الرقابي, مما شكل عبر تقادم العملية السياسية الهشة و المضطربة, تحديا خطيرا امام استقرار وبناء دولة مدنية ديمقراطية حقيقية. من هنا يمكن تحد-يد ثلاثة اشكاليات بنيوية .
الاشكالية الاولى :هو تحوّل المنصب العام من مسؤولية وطنية الى مورد للتنازع السياسي. اي عندما تتداخل الوظيفة العامة مع المصالح الحزبية و شبكات المحسوبية, لم يعد الامر متعلقا بنزاهة الفرد وحدها, بل سيمتد الى طبيعة النظام الذي يختار هذا المسؤول او ذاك, و يحدد له مسارات حركته الوظيفية, و يحاسبه او يحميه. نعم قد يؤدي هذا المسؤول القسم بروح مخلصة, وقد يكون وصوله الى موقع المسؤولية جاء وفق الاجراءات الدستورية, لكنه قد يجد نفسه داخل منظومة سياسية لا تعنيها الالتزامات الدستورية والقانونية, بل تكافئ الولاء السياسي, او تخضعه الى مساومات تتعارض مع مقتضيات الوظيفة العامة. ولهذا فان ما جاء به القسم من تحذير و نبذ للولاءات الحزبية والطائفية والعشائرية, قد تتجاوز في دلالاتها المتوقعة, مثل اعادة الاعتبار للقيم الاخلاقية في ممارسة السلطة, او تهذيب لسلوك الوزير عبر وظيفة رمزية, بل تذهب ايضا الى المس بالعلاقة ما بين شرعية التنصيب و شرعية الاداء, بمعنى هل جاء المسؤول بناء على مؤهلاته الذاتية التي من الممكن ان يخدم بها الدولة والمجتمع, ام لأنه يمثل حصة قوة سياسية ما ضمن آليات المحاصة و تقاسم السلطة.
الاشكالية الثانية: هو الاتساع المطرد للفجوة الحاصلة بين النص القانوني والسلوك السياسي. لا تتأسس الثقة المؤسساتية على التعهدات الاخلاقية وحدها, بل على استقرار التوقعات السياقية المتعلقة بسلوك الافراد و المؤسسات, حيث المواطن يثق بالدولة عندما يصبح احترام القانون و حماية المال العام واداء الواجب, امورا متوقعة بحكم انتظام المؤسسة واستقرارها, وليس افعالا استثنائية تحتاج الى تعهدات اخلاقية في كل مرة. فعندما يتراجع نسق هذه التوقعات, حتما ستنشأ فجوة بين الشرعية القانونية للمنصب و الشرعية الاخلاقية للممارسة هذا المنصب. و عليه فالدولة لا تقاس بما تدونه من قوانين او ما يعلنه خطابها من مبادئ فقط, وانما بتحويل تلك المبادئ الى قواعد فعلية للسلوك السياسي و الوظيفي. فان كان القانون يمنع الفساد, لكن في نفس الوقت هناك امكانية الافلات من العقاب لا زالت قائمة, فهذا يعني ان المشكلة تكمن في اختلال منظومة انفاذه. لذلك فان القسم الاخلاقي لا يكتسب قيمته من التأكيد والتكرار على القواعد القانونية, بل تأتي من قدرته على احالتها الى منظومة رقابة و محاسبة لا تستثني احدا, مهما كانت صفته او عنوانه او انتماءه, و إلا ستتحول الاخلاق الى مجرد تعويض خطابي عن خلل مؤسساتي قد عجزت المنظومة الدستورية والقانونية عن معالجته .
الاشكالية الثالثة : عندما يفقد المواطن ثقته بالمسؤول, لا تتوقف الخسارة في حدود الشك بقدرته على تقديم الخدمات, بل تمتد الى الشك في امكانية الدولة على تَمثِلهِ اصلا, و بقدرة القانون على حمايته بصورة متساوة مع غيره. لذلك فان ازمة الثقة هي ازمة بالمعنى اكثر منها ازمة في الخدمات, وهو ما جعل عبارة ( التخلي عن الولاءات الفرعية) تكتسب دلالات ثقافية وسياسية مهمة, كونها تستدعي تصورا للمواطنة يجعل الانتماء الوطني اطارا مشتركا لإدارة الاختلاف, و ليس مطالبة بالغاء التنوع الطائفي او القومي او العشائري. فالمشكلة ليس في تعدد الانتماءات الاجتماعية, بل في تحويلها الى ادوات لتوزيع السلطة و الامتيازات على حساب مبدأ المواطنة و المساوات امام القانون .
ان تكرار التأكيد على قيمة اخلاقية ما, والتي يفترض انها مستقرة و راسخة, قد يشير الى وجود فجوة بين حضورها المعياري و حضورها الوقعي. لذلك فان الافراط في التأكيد على القيم, اذا لم يكن دالا على خلل في الواقع, فهو, على اقل تقدير, سيكون باعثا للشك, ليس بالضرورة بما تم التأكيد عليه ( المؤكَد) بفتح الكاف, خاصة بما انطوى عليه القسم من مبادئ , بل قد يدور الشك حول السلطة (المؤكِد) بكسر الكاف, التي اطلقت هذا القسم, لكن يبقى الحسم حول مدار الشك والشبه متوقف على الواقع الذي استدعى كل هذا التأكيد, اي البيئة السياسية و الاجتماعية التي جعلت هذه المبادئ بحاجة الى الاعادة والاعلان, التي سيُختبر التغير فيها من خلال النتائج التي تتعلق بحياة المواطنين و طبيعة علاقتهم بمؤسسات الدولة. وعليه فان القسم لا يقدم صك ثقة نهائية على صاحبه, ولكن سيضع السلطة امام اختبار اضافي, لذلك فكلما ارتفع منسوب التعهد الاخلاقي, ازدادت اهمية وحساسية المقارنة بين العهود الخطابية و واقع الممارسة .

بعد ان قرئنا القسم في سياقه السياسي, و لاستكمال مشهد القراءة, اذن لا بد من قراءته في سياقاته السيكولوجية و السسيولوجية والثقافية, مع التوقف في خاتمة مقالنا هذا عند الجملة الاخيرة التي ذيلت القسم (الموضوع قد رُفع من محكمة الارض الى محكمة السماء) .
سيكولوجيا : ان جميع ما انطوى عليه القسم من التزامات هي ليست مطالب اخلاقية استثنائية, بل هي الحد الادنى المفترض توفرها في شخصية اي متول لمسؤولية عامة, مما حوًل هذا النهي الاضافي و التأكيد المفرط عليه الى اعلان مبطن عن احتمال ارتكابه من الناحية النفسية. حين تبالغ السلطة ( المؤكِد) بكسر الكاف, في تأكيد صدقيتها او امانتها, او لمحاولة اقناع ذاتها و الاخرين بصفة لم تعد تحظى بالتصديق التلقائي, هنا يصبح التأكيد عبارة عن فعل دفاعي, لا مجرد اخبار عن حقيقة مستقرة, لان كمية المحظورات التي تضمنها القسم, ترفع من منسوب الشك حول امكانية رسوخ هذه المحظورات في الضمير السياسي, وهو ما يرجح من احتمالية الخلل في ( المؤكِد) . فبالرغم من ان هذا القسم هو اصلا اداة وقائية و معيارية, وليس تقريرا نفسيا عن حال من اداه, الا ان الدلالة الاهم تظهر بوضوح اكثر عندما يوضع هذا القسم في سياقه الاجتماعي والسياسي الذي تكررت فيه الاتهامات بالمحاصصة والفساد و تغليب المصلحة الخاصة على العامة. هنا سيكون الانتباه ليس مشدودا فقط حول صدق نية المسؤول, بل يمتد الى البيئة التي تجعل هذه التعهدات ضرورية و مطلوبة بهذا الالحاح والصراحة. وهنا يجب التمييز بين ثلاثة انماط من الاستجابات. الاول هو ان يمتنع المسؤول عن ممارسة الفساد كونه يراه فعلا غير مشروع حتى في غياب الرقابة, وهذا هو الامتثال وفق الضمير الاخلاقي. الثاني هو ان يمتنع المسؤول عن ممارسة الفساد لأنه يعلم ان مخالفة القانون حتما سترتب عليه عواقب, وهذا هو الامثال القانوني. والثالث هو ان يؤدي المسؤول القسم امام الجمهور, بينما لا ينعكس مضمونه بالضرورة على سلوكه اللاحق, وهذا هو الامتثال الاستعراضي الشكلي, الذي لا يمكن اثباته بمجرد مشاهدة القسم, لكنه يصبح احتمالا مفتوحا يستحق الفحص الدائم. و هنا تكمن المفارقة النفسية والسياسية, اي قد يكون القسم تعبيرا عن التزام حقيقي, وقد يتحول الى مجرد وسيلة لانتاج صورة اخلاقية عن صاحبه, فيما لا تتوفر الضمانات الكافية لمطابقة الصورة مع الواقع, كما هو حاصل اليوم في ظل المال السياسي, و القرار الموازي لقرارات لدولة, و السلاح الموازي لسلاح الدولة, والتخادم بين القوى السياسية فيما بينهم من جهة , وبين فواعل دينية واجتماعية و اعلامية, بل وحتى قضائية, من جهة اخرى. و هو ما يسهل من عملية تحول القسم الى بديل عن الثقة و عن الرقابة المؤسساتية, وان يعامل على انه دليلا على النزاهة قبل ان تُختبر النزاهة في الممارسة الفعلية. وهنا نكون امام خلل خطير, اي محاولة تعويض ضعف الضمانات الدستورية والقانونية بتكثيف التعهدات الشخصية والخطابية التي لا تفضي الى اي نتيجة على ارض الواقع, سوى التسويف والمماطلة وترحيل الازمات.
سسيولوجيا : اذا انتقلنا بالقراءة من الفرد الى المجتمع فإننا سنكتشف ان كثافة هذه المحظورات التي تضمنها القسم لا تتعلق فقط بأخلاق المسؤول وحده, وانما تكشف عن حزمة من التوترات التي تحكم العلاقة بين الدولة و الفاعلين الاجتماعين و السياسيين, فلو اخذنا المحور الاول من القسم ( ان لا اعمل لحزب او طائفة او قومية او عشيرة على حساب العراق) هذا التعهد يشي بوجود تنافس, بل تدافع خطير, بين دوائر انتمائية متعددة, الانتماء الحزبي , والانتماء الطائفي, و الانتماء القومي , والانتماء العشائري, وكلها مجتمعة تزاحم الانتماء الوطني. لكن المشكلة لا تكمن في وجود هذه الانتماءات, بل المشكلة تبدأ عندما تتحول احدى هذه الدوائر الانتمائية الى مرجعية لتوزيع موارد الدولة و شغل مؤسساتها و تحديد من يستحق الحماية و الامتياز. بمعنى ادق , القسم لا يطلب من الوزير التخلي عن انتماءاته الاجتماعية, وانما ان يمنعها من ان تتحول الى معايير لتوزيع الحقوق العامة بطريقة تميزية. وهذه هي الدلالة السسيولوجية البالغة الاهمية و الخطورة التي نحاول التقاطها. حيث حين تحتاج الدولة الى مطالبة المسؤول صراحة بألا يقدم ولاءاته الفرعية على الوطن, فهو اعلان صريح عن ان هناك توتر بين الولاء العام و الولاءات الضيقة قد وصل الى مستوى المشكلة البنيوية التي يُستدعي ضبطها. اما المحوران المتعلقان بالمال العام و استغلال المنصب اللذان تضمنهما القسم , فانهما شكلا دلالة صريحة عن وجود تزاحم بين الوظيفة العامة على انها امانة اجتماعية, والوظيفة العامة كمورد مُسخر للمصالح الحزبية والشخصية. لكن من حيث المبدأ فان الدول التي تكون فيها قواعد المواطنة و المسائلة القانونية مستقرة و راسخة في بنية الدولة و ضمير المجتمع, يُفترض ان تكون الوظيفة العامة محكومة بقواعد وضوابط واضحة وصريحة, بحيث لا يحتاج المجتمع الى استحضار النزاهة الاخلاقية في كل مناسبة يثار الجدل فيها حول المال العام و مدى صيانة الدولة و فاعليها له. اما حين يصبح التطاول على المال العام علانية و من دون اي تردد او خوف, و تصبح المحابات الطائفية و الحزبية والعائلية هي المتحكم في هذه الموارد و هذا المال, فهذا يعني ان الانحراف قد تجاوزت مدياته المعنى الفردي و الشخصي. لذلك فالشبهة والشك حتما ستدور حول طبيعة هذه المؤسسات التي سمحت لهذا الانحراف الوطني و المهني و الاخلاقي في موضوعة تعاطي المال العام ان يبلغ هذا المستوى الخطير و المشين, وان تقف الدولة عاجزة عن ردعه او حتى ايقاف توسعه و تناميه. و هذا المستوى من الانحراف هو ما جعل السؤال ينتقل من حدود العيب الاخلاقي الفردي :لماذا يفسد المسؤول ؟ الى فضاء الظاهرة الاجتماعية المؤسساتية , اي: ما البنية السياسية و الاجتماعية التي جعلت من الفساد امرا ممكن و قليل التكلفة, بل و محميا, و قادرا على اعادة انتاج نفسه بكل انسيابية؟ وفي سياق التجربة السياسية العراقية منذ 2003ولحد اداء هذا القسم, ستكون الاجابة على هذه الاسئلة وغيرها لا تستدعي كثيرا من الجهد و العناء, لان الوظيفة اصبحت جزء لا يتجزأ من منظومة المكافآت السياسية و الطائفية و الاجتماعية. لذلك فان شرط الاصلاح في العراق مرهون بإعادة النظر بالبنية السياسية والاجتماعية جملة و تفصيلا .
ثقافيا : ان قراءة القسم من زاوية ثقافيه, نجده متخما بالدلالات الصريحة على ان ما هو سائد ومهيمن على المشهد السياسي و الاجتماعي منذ 2003 ولحد اليوم , هو ثقافة الولاءات الجماعاتية والجهوية والشخصية, التي تمنح الانتماءات الطائفية و والقومية الحزبية و العشائرية, وزنا واعتبارا يتقدم على القاعدة العامة, حتى تحولت تدريجيا الى شبكات مرنة و متشعبة يصعب الامساك بها, تتحكم في جميع تفاصيل الدولة و مواردها و تقاسم النفوذ السياسي والاداري و الامتيازات. مقابل التراجع الخطير لثقافة المواطنة التي تنظر الى الدولة على انها الاطار العام الذي تتساوى في فضائه جميع الحقوق والواجبات, و تكون السلطة مجرد ممارسة وظيفية مؤقتة و مقيدة بالدستور والقانون. ومن هنا فان الازمة الثقافية الاخطر و الاعمق, لا تتعلق بوجود عدد من الافراد الفاسدين, بل بوصول ظاهرة الفساد الى مستوى التطبع و الاعتياد, ليس فقط في الطبقة السياسية, بل في المجتمع, بحيث تتحول كل هذه الانحرافات الى حق متوقع و استحقاقات مكتسبة و امتيازات يضمنها الموقع السياسي. وهنا لا يعود الفساد مجرد خرق للقانون, بل يصبح تدافعا شرسا بين تصورين للدولة, احدهما دولة المواطن الذي يمتلك حقا متساويا في مواردها و خدماتها, و دولة الجماعة التي ترى في وصولها الى السلطة هو بمثابة فرصة تاريخية لتأمين حصتها من تلك الموارد. وهذا ما جعل القسم دلالة على اتجاه بوصلة الثقافة في البنية الاجتماعية و السياسية. حيث كلما تعاظم حضور القيمة الاخلاقية في الخطاب, تراجع حضورها في الممارسة الواعية, حتى يصبح ( المؤكِد) بكسر الكاف, و (المؤكًد عليه ) بفتح الكاف, كلاهما في موضع الشك والشبهة, بحكم الواقع و مكتنزات ذاكرة العقل الجمعي المتعلقة بالمشهد السياسي منذ 2003 ولحد اليوم .
اما مفتاح مفاتح قراءة هذا القسم, فيكمن في هاتين الجملتين الاخيرتين اللتين ذَيلتا القسم . الاولى ( فان خنت هذا العهد فالله خصمي , والشعب و القانون حكمي ) اما الثانية فنصها (الموضوع قد رُفع من محكمة الارض الى محكمة السماء), كونهما نقلتا الموضوع من مستوى التعهدات الى مستوى المرجعية صاحبة الشأن والصلاحية في المراقبة والمحاسبة, وهذا ما يشكل دالة اكثر عمق من مجرد رفع الموضوع من محكمة الارض الى محكمةالسماء, اضافة الى انهما جمعتا بين ثلاثة مرجعيات مختلفة, المرجعية الدينية, و المرجعية الاجتماعية, والمرجعية القانونية. فالقانون هو المرجعية التي لا تقوم على النية وحدها, وانما على الوقائع والادلة و المسؤولية القانونية. اما الشعب, فهو المرجعية السياسية والاجتماعية, حيث الشعب هنا ليس مجرد جمهور متفرج, بل هو مصدر الشرعية السياسية وصاحب المصلحة في نزاهة السلطة, اي انه طرف مساءلة و يمتلك حقها السياسي والاخلاقي عبر الرأي العام و الانتخابات و الاحتجاجات ضمن الاطر المشروعة. اما الله, فهو المرجعية الاخلاقية المتعالية التي تضع المسؤول امام معيار يتجاوز قدرته على الافلات من رقابة المؤسسات او تضليل الرأي العام. ففي التصور الديني, المسؤولية لا تنتهي عند حدود ما تستطيع الدولة اثباته او ما يستطيع المجتمع كشفه, بل يمتد الى الضمير والنية وما يعتقد الانسان انه مسؤول عنه امام الله. لكن الملاحظة الاكثر حساسية تكمن في العلاقة ما بين هذه المرجعيات الثلاث. فحين يقسم المسؤول (فان خنت القسم فالله خصمي), يمكن قراءته على انه استدعاء لأعلى درجات الردع الاخلاقي, و اقرارا بأن المسؤولية لا تنتهي عند حدود العقوبة القانونية. الا ان العبارة تنطوي على مفارقة واضحة مفادها : اذا كانت الدولة تمتلك قضاء مستقلا, وشعب يمتلك وسائل المساءلة, اذن لماذا يحتاج القسم الى مرجعية اخروية؟ فقراءة العبارة داخل سياق تاريخي وسياسي و اجتماعي تكون فيه الثقة بالدولة و مؤسساتها و فاعليها في حالة تراجع متنامي و مطرد, فانها ستكتسب دلالة اضافية, اي ان المرجعية السماوية ستصبح ملاذا رمزيا,حيث يكون المجتمع في حالة شك واتهام لكافة المرجعيات الارضية, او حين يكون المجتمع متأكدا من ان المسؤول يستطيع الافلات من العقاب. و هو ما يثبت انهيار محكمة الارض , ويكشف عن انهيار الثقة بقدرتها على تحقيق العدالة. والاكثر خطورة هو ان الامر لا يتعلق بالعبارة وحدها, بل بما يحدث لها بعد انتهاء مراسيم القسم, هو ان يتحول القسم الديني الى غطاء رمزي يكتسب المسؤول من خلاله صورة النزاهة السابقة للدليل العملي عليها. ان المشهد مهما كانت قوته الوجدانية, لا يمكن ان يغني عن الادلة الوقائعية و الرقابة العملية. وهنا تظهر المسافة بين القداسة باعتبارها التزاما اخلاقيا, والقداسة بوصفها رأسمالا رمزيا يستثمر في انتاج و اعادة انتاج الثقة السياسية. لذلك لا يجوز ان تحل المسائلة السماوية المتصورة اعتقاديا محل المسائلة الارضية الفعلية , فالمال العام لا يمكن ان يحمى بالحساب الإخروي المؤجل, و هو ما يفرح به و يسترخي اليه جميع الفاسدين والسراق و خائني الامانة الوطنية .
و اخيرا, فالقسم الاخلاقي المضاف خطابيا, جاء تأكيدا على ان كل ما ورد فيه هو حاصل بالفعل, وان لم يكن بالمعنى الاحصائي عن مشهد سياسي و اجتماعي دام ربع قرن تقريبا, الا ان المستوى البنيوي والرمزي يكشف عن حجم المخاطر التي تنامت عبر سياق تاريخي لتجربة سياسية كانت غاية في الهشاشة و الفوضى والارتباك و عدم الشعور بالمسؤولية الوطنية .



#أحمد_الزكروطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إران و ثلاثية الازمن ـ الزمن العسكري, الزمن الاقتصادي, الزمن ...
- معرض بغداد الدولي للكتاب و إنهيار الحساسية الأخلاقية
- العقل الإيراني و احتكار الجغرافية الأستراتيجية / و التحول في ...
- العراق والدولة الوطنية - مابين انحسار مشروع الهيمنة الإيراني ...
- حين تفقد الكتلة لغتها : قراءة نقدية في النُصب التذكاريةالعرا ...
- العراق بين الدولة الفاسد وفساد في الدولة
- القبور بوصفها خطابا
- مطب مثالية العقل العربي في محاكمة معيارية العقل الغربي
- العراق والاستقرار السلبي : دولة عالقة بين الهشاشة والفشل
- إيران وخطاب اللحظات الأخيرة : بين الانتحار والاستسلام
- العراق بين الدولة المؤجلة والانفعال الطائفي
- هل نحن أمام نهاية إيران الثيوقراطية ؟
- الحاكمية الشيعية بين النفي والحضور


المزيد.....




- يحبّها المسافرون وتكرهها شركات الطيران: طائرة على وشك الاختف ...
- -فشل كامل في التنفيذ-.. هبة قصاص تتحدث عن وقف إطلاق النار في ...
- مستشار بارز سابق بالبيت الأبيض يعلق على -حلف مكة- وما ينطوي ...
- بوتين يؤكد: لا يجوز نسيان معاناة فلسطين ولا بديل عن حل الدول ...
- آيزنكوت: نتنياهو وشركاؤه يقودون عملية تأثير بهدف التشكيك بشر ...
- الدفاع الروسية: تدمير 1425 مسيرة وتحييد 1155 جنديا أوكرانيا ...
- بوتين يستذكر موقفا للرئيس المصري الراحل مبارك فاجأه في الكرم ...
- -روساتوم- تكشف طبيعة أعمال التخريب لمشروع الضبعة النووي في م ...
- بوتين يشيد بمساهمة ميلانيا ترامب في تنظيم المهمة الإنسانية ب ...
- الاتحاد الأوروبي يتراجع عن منح كندا صفة -عضو منتسب-


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد الزكروطي - الامانة الوطنية والمهنية بين الغياب الواقعي والحضور الخطابي