أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر هشام الصفّار - فيلم -أرض الآباء-…رحلة العودة إلى وطنٍ جريح وذاكرةٍ مثقلة بالفقد














المزيد.....

فيلم -أرض الآباء-…رحلة العودة إلى وطنٍ جريح وذاكرةٍ مثقلة بالفقد


عامر هشام الصفّار

الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 09:30
المحور: الادب والفن
    


يواصل المخرج باول باوليكوفسكي في فيلم "أرض الآباء" (Fatherland) مشروعه السينمائي القائم على تفكيك العلاقة المعقدة بين التاريخ والذاكرة والهوية. وفي هذا العمل، الذي قُدّم بلغة بصرية آسرة بالأبيض والأسود ونال عنه مخرجه جائزة أفضل مخرج في مهرجان كان السينمائي، يعود الكاتب الألماني الكبير توماس مان إلى بلاده بعد سنوات طويلة من المنفى الأمريكي، في رحلة تبدو للوهلة الأولى تكريمية، لكنها تتحول تدريجياً إلى مواجهة مؤلمة مع وطنٍ فقد ملامحه القديمة ومع جراح شخصية لا تقل عمقاً عن جراح التاريخ.
تدور أحداث الفيلم عام 1949، بعد أربع سنوات فقط من نهاية الحرب العالمية الثانية. يعود توماس مان، الذي غادر ألمانيا عام 1933 هرباً من النازية، للمشاركة في احتفالات وتكريمات ثقافية في ألمانيا المنقسمة بين شرق وغرب. ويؤدي الفنان القدير هانس زيشلر الشخصية بقدر كبير من الوقار والتحفظ، فيجسد مثقفاً عالمياً يحمل مكانة أخلاقية وأدبية رفيعة، لكنه يبدو عاجزاً عن العثور على موقع واضح له داخل وطن لم يعد يعرفه تماماً.
يرافق مان في رحلته ابنته إريكا مان، التي تؤدي دورها ببراعة استثنائية ساندرا هولر. وقد رأى الناقد بيتر برادشو أن أداء هولر يمنح الشخصية حضوراً حاداً وذكاءً لافتاً، لتصبح في كثير من الأحيان القلب العاطفي الحقيقي للفيلم. لكن الأهمية الكبرى للفيلم لا تكمن في الأحداث السياسية المباشرة، بل في الطريقة التي يجعل بها التاريخ حاضراً عبر الصورة والشخصيات. فمن خلال الرحلة التي يقوم بها الأب وابنته بين المناطق الألمانية المختلفة، يعرض باول باوليكوفسكي مشاهد واسعة للمدن المهدمة والقرى المنهكة والطرق التي تمر وسط آثار الخراب. وتكشف لقطات السيارة المتحركة عبر البلاد عن وطنٍ ما زال يعيش تحت وطأة الكارثة. هنا لا يصبح الدمار مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى شخصية قائمة بذاتها، شاهدة على الانهيار الأخلاقي والمادي الذي أنتجته الحرب.
وقد أشار عدد من النقاد إلى أن الفيلم يسعى إلى تشريح الروح الألمانية بعد الحرب أكثر من اهتمامه بإعادة تمثيل الوقائع التاريخية، حيث تبدو ألمانيا في العمل أمةً تبحث عن تعريف جديد لنفسها وسط انقسام سياسي وميراث ثقيل من الذنب والهزيمة. غير أن براعة الفيلم تتجلى خصوصاً في الربط بين المأساة العامة والمأساة الخاصة. فبينما تعبر الكاميرا فوق أنقاض ألمانيا المدمرة، يظل شبح الابن الغائب، كلاوس مان، حاضراً في كل لحظة تقريباً. الكاتب الموهوب الذي انتهى به الأمر إلى الانتحار بعد معاناة مع الإدمان والاكتئاب يتحول في الفيلم إلى جرح عائلي مفتوح، ترفض الذاكرة أن تغلقه.
ومن خلال هذه الخسارة الشخصية، يبني الفيلم واحداً من أهم مستوياته الدلالية. فالأب الذي فقد ابنه يشبه وطناً فقد أبناءه وأوهامه وتوازنه الأخلاقي. والخراب الذي يراه توماس مان من نافذة السيارة ليس سوى صورة خارجية للخراب الذي يحمله في داخله. وهكذا يقيم الفيلم معادلاً موضوعياً بالغ القوة بين المصاب العائلي والانهيار الوطني؛ بين انتحار الابن وسقوط وطن كامل في هاوية الحرب.
وقد لاحظ بيتر برادشو أن الفيلم يدور في جوهره حول المنفى والخيانة واستحالة العودة الكاملة إلى الوطن، وهي فكرة تتجسد في موقف توماس مان نفسه الذي يبدو عالقاً بين الشرق والغرب، وبين ألمانيا التي هجرها وألمانيا التي عاد إليها، وبين دوره كمثقف عالمي وحاجته الإنسانية إلى الانتماء. وتتضاعف قوة هذه الأفكار بفعل الأسلوب الإخراجي المتقشف الذي يميز أعمال باول باوليكوفسكي. فالتصوير بالأبيض والأسود الذي أنجزه مدير التصوير لوكاش زال يمنح الفيلم طابعاً تأملياً وحزيناً، ويجعل الشخصيات تبدو وكأنها تتحرك داخل ذاكرة جماعية أكثر من تحركها داخل واقع ملموس. وقد وصف النقاد الفيلم بأنه عمل شديد الأناقة والانضباط البصري، يوازن بين الحميمية الشخصية والبعد التاريخي الواسع. شخصياً، وجدت في «أرض الآباء» واحداً من أكثر الأفلام التاريخية عمقاً وتأثيراً في السنوات الأخيرة، لأنه لا يتعامل مع الحرب بوصفها حدثاً انتهى، بل باعتبارها ندبة تستمر في تشكيل حياة الأفراد والأمم. إنه فيلم عن العودة، لكن العودة فيه ليست خلاصاً. وهو فيلم عن الوطن، لكنه يطرح سؤالاً مؤلماً: ماذا يبقى من الوطن عندما تتغير الأرض ويتغير الناس وتبقى الذاكرة وحدها عاجزة عن النسيان؟.
في النهاية، ينجح «أرض الآباء» في أن يكون أكثر من سيرة سياسية أو أدبية لـتوماس مان. إنه تأمل رفيع في الفقدان والهوية والمنفى، وفي العلاقة المأساوية بين الإنسان وتاريخه. ومن خلال لقاء الخراب الشخصي بالخراب الوطني، يقدّم باول باوليكوفسكي عملاً سينمائياً رصيناً ومؤثراً يثبت مرة أخرى أن أعظم الأفلام هي تلك التي تجعل الماضي مرآةً لفهم الإنسان نفسه.



#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدكتور سداد جواد التميمي في ذمة الخلود.. أستشاري الطب النفس ...
- التخصص الدقيق في الطب: ضرورة علمية للأرتقاء بالرعاية الصحية
- رحيل الفنان باتريك ستيوارت… من طفولة الفقر والعنف إلى مجد شك ...
- رسالة للسيد رئيس وزراء العراق..مقترحات لإصلاح الواقع الصحي و ...
- لقاحات ناجحة ضد السرطان…
- مرضى الكلى والسرطان بين أنياب السوق السوداء حين يتحول الدواء ...
- مؤلفات الأستاذ الدكتور عبد الهادي الخليلي… رحلة بين جراحة ال ...
- فحص في يوم واحد يكشف العدوى الخفية ويمنح الأطفال فرصة جديدة ...
- حين يصبح للطالب صوت: التعليم الثانوي في بريطانيا بين الكتابة ...
- قراءة أفكار الإنسان: حين تصبح العقول مكشوفة أمام التكنولوجيا
- نوبل الاقتصاد 2026: روبرت هول ومايكل وودفورد يعيدان بناء سيا ...
- سجل عبد الولي.. من طفلة لاجئة صومالية إلى نائبة في البرلمان ...
- الحائزة على جائزة نوبل في الأدب 2026 الشاعرة الكندية آن كارس ...
- بيانو يعيد اختراع نفسه: حين تلتقي الموسيقى بالهندسة الحديثة
- نوبل الفيزياء 2026.. حين تحوّل جليد القطب الجنوبي إلى عين تر ...
- نوبل الطب 2026.. الضوء يكشف أسرار الدماغ
- مئوية الروّاد… بغداد تحتفي بالشعراء السيّاب والبيّاتي وبلند ...
- -الجراحة شعراً-… حين تتحول خبرة الجرّاح إلى قصيدة
- الرواية التاريخية في بريطانيا.. حين يستعيد الأدب أسرار الماض ...
- ست روايات تتنافس على جائزة البوكر 2026 لأفضل رواية مكتوبة با ...


المزيد.....




- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
- -وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض ...
- سوابق تاريخية في الانتخابات النصفية الأميركية تحولات تاريخي ...
- ما هي قصة فيلم the odyssey: رحلة أوديسيوس في عمل نولان
- مهرجان دهوك السينمائي.. تظاهرة مميزة في إقليم كردستان
- الأديب حامد ياسين يوضح خلفيات مقطع الفيديو المؤثر وتحديات ال ...
- مهرجان تورينو السينمائي يكرم جون ترافولتا بجائزة الإنجاز الف ...
- الكاتب فيليب جاينادا يحصد جائزة غونكور الأدبية لعام 2026 برو ...
- شاهد.. الأديب حامد ياسين يكشف للجزيرة سر دموعه التي أيقظت ال ...
- ذاكرة السينما تعود إلى الشاشة.. 27 فيلما مرمما في مهرجان الق ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر هشام الصفّار - فيلم -أرض الآباء-…رحلة العودة إلى وطنٍ جريح وذاكرةٍ مثقلة بالفقد