أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - عامر هشام الصفّار - نوبل الفيزياء 2026.. حين تحوّل جليد القطب الجنوبي إلى عين ترصد أسرار الكون














المزيد.....

نوبل الفيزياء 2026.. حين تحوّل جليد القطب الجنوبي إلى عين ترصد أسرار الكون


عامر هشام الصفّار

الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 16:13
المحور: الطب , والعلوم
    


في واحدة من أكثر الأفكار العلمية جرأة وإثارة، ارتبطت جائزة نوبل في الفيزياء هذا العام 2026 بالعالِم فرانسيس هالزن (Francis Halzen)، صاحب الرؤية التي جعلت من أعماق الجليد في القطب الجنوبي مرصداً فريداً لإلتقاط واحد من أكثر جسيمات الكون مراوغة وغموضاً: النيوترينو.
والقصة هنا ليست مجرد اكتشاف لجسيم جديد، فالنيوترينوات معروفة للفيزيائيين منذ زمن، وإنما هي قصة ابتكار طريقة جديدة تماماً للنظر إلى الكون؛ طريقة لا تعتمد على الضوء أو الموجات الراديوية، بل على جسيمات تكاد تعبر كل شيء من دون أن تترك أثراً.

جسيمات تمر عبر أجسادنا بصمت
النيوترينوات موجودة في كل مكان من حولنا، وتعبر الأرض وأجساد البشر بأستمرار من دون أن نشعر بها، لأنها نادراً جداً ما تتفاعل مع المادة. لكن في تلك اللحظة النادرة التي يصطدم فيها نيوترينو بنواة ذرة، يمكن أن ينشأ أثر ضوئي يستطيع العلماء رصده بأجهزة شديدة الحساسية. ومن هذه الحقيقة الفيزيائية البسيطة انطلقت فكرة هالزن الكبيرة: لماذا لا نستخدم كتلة هائلة من الجليد النقي بوصفها كاشفاً طبيعياً لهذه الجسيمات؟. كانت الفكرة التي طرحها عام 1988 طموحة إلى حد بعيد، لكنها تحولت بمرور السنوات إلى واحد من أعظم المراصد العلمية الحديثة: مرصد آيس كيوب للنيوترينو (IceCube Neutrino Observatory) في القطب الجنوبي.

كيلومتر مكعب من الجليد يتحول إلى تلسكوب
يمتد مكعب الثلج هذا خلال نحو كيلومتر مكعب كامل من جليد القطب الجنوبي، وقد زُوّد بأجهزة استشعار ضوئية موزعة في أعماق الجليد. وعندما يتفاعل نيوترينو نادر مع نواة ذرية في الجليد، تنتج عن التفاعل إشارات ضوئية تستطيع هذه المجسات التقاطها، ومن ثم يستخدم العلماء المعلومات الناتجة لأستنتاج طاقة الجسيم واتجاه وصوله.
وكان أختيار القطب الجنوبي عبقرياً بحد ذاته. فالجليد العميق هناك شديد الصفاء، والبيئة بعيدة عن الكثير من مصادر التشويش التي يمكن أن تعيق القياسات الدقيقة، كما أن المنطقة مستقرة جيولوجياً. وبعد سنوات طويلة من العمل العلمي والهندسي الدولي، اكتمل مكعب الثلج عام 2011، وسرعان ما بدأ يرصد نيوترينوات ذات طاقات هائلة. ثم جاءت الخطوة الأكثر إثارة عندما تمكن الباحثون من إثبات وجود نيوترينوات قادمة من مناطق بعيدة جداً خارج نظامنا الشمسي.

رسائل تصل إلينا من أكثر مناطق الكون عنفاً
تكمن أهمية هذه الجسيمات في أنها تستطيع أن تخبرنا بأشياء يصعب على الضوء وغيره من الإشعاعات أن يخبرنا بها. فالكون يحتوي على ما يشبه مسرّعات جسيمات طبيعية هائلة، تستطيع إنتاج جسيمات بطاقات تفوق بما يصل إلى مليون مرة ما يمكن الوصول إليه في مسرعات الجسيمات على الأرض. لكن كثيراً من أسرار هذه المصادر لا يزال مجهولاً: أين توجد تحديداً؟ وما طبيعتها؟ وما العمليات الفيزيائية الهائلة التي تحدث داخلها؟ هنا يأتي دور النيوترينو. فعلى خلاف كثير من الجسيمات الأخرى، تستطيع النيوترينوات عالية الطاقة أن تنطلق من تلك البيئات الكونية العنيفة وتصل إلينا من دون أن يتغير اتجاهها كثيراً أو تفقد طاقتها بالطريقة التي تتأثر بها جسيمات أخرى. ولذلك يمكن تتبع اتجاه وصولها بحثاً عن مصدرها في أعماق السماء. إنها، بهذا المعنى، أشبه برسائل كونية تصل إلينا من قلب الأحداث الأكثر عنفاً في الكون.

ولادة نوع جديد من علم الفلك
ربما يكون هذا هو البعد الأهم في إنجاز فرانسيس هالزن وفريق IceCube أو مكعب الثلج. فنحن لا نتحدث فقط عن جهاز جديد، وإنما عن فتح نافذة جديدة أمام الإنسان لرؤية الكون. لقد عرف البشر السماء أولاً بأعينهم، ثم بالتلسكوبات البصرية، وبعد ذلك تعلموا مراقبة الكون بالأشعة السينية وأشعة غاما والموجات الراديوية وغيرها. وفي السنوات الأخيرة أضيفت موجات الجاذبية إلى أدواتنا لاستكشاف الفضاء. أما مكعب الثلج فقد ساهم في ترسيخ مجال آخر هو علم فلك النيوترينو، حيث يصبح الجسيم الشبح الذي يكاد لا يتفاعل مع المادة رسولاً يحمل إلينا معلومات من أماكن لا تستطيع وسائل الرصد التقليدية كشف أسرارها بالطريقة نفسها. ولذلك وصف رئيس لجنة نوبل للفيزياء مارك بيرس دور هالزن بأنه قاد فريقاً دولياً من العلماء والمهندسين منح البشرية أداة علمية استثنائية، وأن مثابرته ورؤيته العلمية مهدتا الطريق أمام نوع جديد من علم الفلك.

من فكرة عام 1988 إلى نوبل
لعل أجمل ما في هذه القصة العلمية هو المسافة الطويلة بين الفكرة والإنجاز. فحين طرح هالزن رؤيته عام 1988، لم يكن أمامه مرصد عملاق، بل فكرة تقول إن الجليد القديم المدفون في أقصى جنوب الأرض يمكن أن يتحول إلى عين تنظر إلى أبعد مناطق الكون. وقد احتاج الأمر إلى سنوات من التجارب الأولية، ثم إلى تعاون علماء ومهندسين من دول متعددة، وإلى بناء أجهزة تستطيع العمل في واحدة من أقسى البيئات على كوكبنا، وصولاً إلى اكتمال المرصد عام 2011 وبدء حصاد نتائجه العلمية. وما يزال مكعب الثلج يجمع باستمرار بيانات جديدة عن تفاعلات النيوترينو. وقد تقود هذه البيانات في المستقبل إلى فهم أفضل للظواهر الكونية العنيفة التي تولد الجسيمات فائقة الطاقة، وربما تكشف لنا ظواهر كونية لم نعرف بوجودها حتى الآن.

وهكذا تحمل قصة نوبل الفيزياء لهذا العام معنى يتجاوز الفيزياء نفسها: أن فكرة علمية جريئة، تبدأ أحياناً كسؤال يبدو بعيد المنال، يمكن بعد عقود من المثابرة أن تتحول إلى أداة تغير الطريقة التي يرى بها الإنسان الكون.
ففي صمت القطب الجنوبي، وتحت آلاف الأمتار من الجليد، وُضعت آلاف العيون الإلكترونية في انتظار جسيمات لا تكاد تترك أثراً. وحين تصل واحدة منها من أعماق الكون وتضيء للحظة خاطفة، فإنها قد تحمل معها قصة حدث وقع على مسافة هائلة منا، قبل زمن بعيد.
إنها لحظة يلتقي فيها جليد الأرض بأسرار السماء، وربما لهذا تحديداً تستحق قصة مكعب الثلج مكانها بين القصص الكبرى في تاريخ الفيزياء.



#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نوبل الطب 2026.. الضوء يكشف أسرار الدماغ
- مئوية الروّاد… بغداد تحتفي بالشعراء السيّاب والبيّاتي وبلند ...
- -الجراحة شعراً-… حين تتحول خبرة الجرّاح إلى قصيدة
- الرواية التاريخية في بريطانيا.. حين يستعيد الأدب أسرار الماض ...
- ست روايات تتنافس على جائزة البوكر 2026 لأفضل رواية مكتوبة با ...
- التعاون بين المنصات الثقافية العربية في المهجر
- الذكاء الاصطناعي بين وعود المستقبل ومخاوف الخروج عن السيطرة
- فيلم -سحر الحياة- وصناعة الحنين Practical Magic 2
- حين تتكلم الأشياء: قراءة سيميائية في قصة -مسز كولن- للكاتبة ...
- فرانسيس فوكوياما.. من -نهاية التاريخ- إلى -عالم الإنسان الأخ ...
- حول المؤتمر العلمي الأول للجمعية العلمية العراقية لأمراض الأ ...
- مهرجان البندقية السينمائي في دورته ال83… حين تلتقي السينما ب ...
- هل يمتلك الذكاء الأصطناعي وعياً؟ حين تبدأ الآلة في السؤال عن ...
- إنجاز علمي يغيّر قواعد الأستنساخ: علماء ينجحون في إنتاج إناث ...
- رسالة مفتوحة إلى السيد وزير الصحة العراقي الدكتور عبد الحسين ...
- في رحاب الكلية الملكية للجراحين في إدنبرة زيارة علمية تستحضر ...
- الذكاء الأصطناعي في الحياة اليومية في الصين.. بين المنفعة وا ...
- الموسيقى وصحة الدماغ: حين تتحول الألحان إلى غذاء للعقل
- ماذا يحصل في جامعة كامبريدج الأنكليزية العريقة؟
- إعلان القائمة الطويلة لجائزة البوكر 2026: 13 رواية تتنافس عل ...


المزيد.....




- الصحة العالمية: 959 قتيلا و4207 إصابات جراء التصعيد في اليمن ...
- وزير التعليم: مدارس التكنولوجيا التطبيقية تُسهم في بناء منظو ...
- سحب الزهرة تخبئ مفاجأة مائية عمرها 48 عاما
- جائزة نوبل للفيزياء 2026 تذهب إلى عالم رصد -رسل الكون الشبحي ...
- منح جائزة نوبل للفيزياء 2026 للبلجيكي فرانسيس هالزن لاكتشافا ...
- ما السرّ وراء اهتمام الجميع بطول العمر ومحاربة الشيخوخة؟
- سيراميك لتثبيت الإشعاع.. علماء روس يطورون تقنية جديدة لمعالج ...
- إيليفوزا.. روسيا تسجل دواء موجها لخنق أنواع شرسة من السرطان ...
- أبرز فوائد -الباييّا-.. 5 فوائد يُقدّمها هذا الطبق من الأرز ...
- -شجرة مكافحة الجوع- قد تطعم الملايين.. لماذا يُزرع هذا النبا ...


المزيد.....

- نظرية التغير الكلية / أمين أحمد ثابت
- نظرية الأكمل وإشكالية الشرور / عمار التميمي
- المفاحص / صائن الدين تركه
- مصححات افلاطون / جابر بن حيان الكوفي
- رسالة في علم الصنعة والتدبير / ديمقراطيس
- هل سيتفوق الذكاء الاصطناعي على البشر في يوم ما؟ / جواد بشارة
- المركبة الفضائية العسكرية الأمريكية السرية X-37B / أحزاب اليسار و الشيوعية في الهند
- ‫-;-السيطرة على مرض السكري: يمكنك أن تعيش حياة نشطة وط ... / هيثم الفقى
- بعض الحقائق العلمية الحديثة / جواد بشارة
- هل يمكننا إعادة هيكلة أدمغتنا بشكل أفضل؟ / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - عامر هشام الصفّار - نوبل الفيزياء 2026.. حين تحوّل جليد القطب الجنوبي إلى عين ترصد أسرار الكون