أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر هشام الصفّار - الموسيقى وصحة الدماغ: حين تتحول الألحان إلى غذاء للعقل














المزيد.....

الموسيقى وصحة الدماغ: حين تتحول الألحان إلى غذاء للعقل


عامر هشام الصفّار

الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 19:13
المحور: الادب والفن
    


ليست الموسيقى مجرد وسيلة للترفيه أو خلفية جميلة للحظات حياتنا، بل هي ظاهرة إنسانية عميقة رافقت البشر منذ عصور سحيقة، ويبدو أن علاقتها بالدماغ أكثر تعقيداً وأهمية مما قد نتصور. فالموسيقى قادرة على تنشيط شبكات متعددة في الدماغ في الوقت نفسه، ترتبط بالحركة والذاكرة والعاطفة والتوقع والمكافأة. ولهذا أصبحت دراستها وسيلة مهمة لفهم طريقة عمل العقل البشري، كما أصبحت الموسيقى نفسها أداة تُستخدم في بعض أشكال العلاج والتأهيل.
ويشير روبرت ستيرابس (Robert Stirrups)، في مقال بعنوان «Music: a key component of brain health»، إلى أن الموسيقى تكاد تكون جانباً عالمياً من التجربة الإنسانية، إذ نجدها بشكل أو بآخر في مختلف الثقافات. وهذه العلاقة قديمة للغاية؛ فقد اكتشف علماء الآثار مزامير يعود تاريخها إلى نحو 45 ألف سنة، في حين يرى بعض الباحثين أن قدرة أسلاف الإنسان على الغناء والرقص ربما تعود إلى نحو 350 ألف سنة. وهذا الامتداد التاريخي يثير سؤالاً مثيراً: هل الموسيقى مجرد نتيجة جانبية لقدرات بشرية أخرى، كاللغة، أم أنها أدّت بنفسها دوراً في تطور الإنسان وفي تطور دماغه؟
هذا السؤال هو أيضاً من الموضوعات التي يناقشها Samuel Markind في كتابه Music Between The Ears، الذي يعرض فيه أهمية الموسيقى وفوائدها بالنسبة إلى الدماغ. والفكرة الأساسية هنا أن علاقتنا بالموسيقى لا تقتصر على الأذن؛ فما نسمعه يتحول داخل الدماغ إلى تجربة عصبية غنية تشترك فيها مناطق وأنظمة متعددة.
فعندما نستمع إلى مقطوعة موسيقية، لا يقوم الدماغ بمعالجة الأصوات فحسب، وإنما يتابع الإيقاع، ويتعرف إلى الأنماط، ويتوقع ما قد يأتي بعد ذلك، ويستدعي الذكريات، ويربط الأصوات بالمشاعر. ولهذا تتيح دراسة الموسيقى للعلماء نافذة فريدة لفهم عمليات مثل الإدراك والانتباه والذاكرة والعاطفة والتوقع. وربما يفسر ذلك أيضاً لماذا تستطيع أغنية سمعناها قبل سنوات طويلة أن تعيد إلينا، خلال ثوانٍ، تفاصيل مرحلة كاملة من حياتنا ومشاعر ارتبطت بها.
ومن الجوانب المهمة أيضاً أن الموسيقى التي يختارها الإنسان بنفسه قد يكون لها تأثير قوي، لأنها تنشّط دوائر في الدماغ مرتبطة بالمكافأة وبالإحساس بالذات والهوية الشخصية. فالإنسان لا يستجيب إلى جميع أنواع الموسيقى بالطريقة نفسها؛ إذ تحمل الأغاني والألحان المفضلة معاني شخصية وذكريات وتجارب خاصة. ومن هنا يمكن فهم القوة العاطفية للموسيقى، وكذلك مكانتها في تكوين الهوية الفردية والثقافية والاجتماعية.
ولا تتوقف أهمية الموسيقى عند تحسين المزاج أو إثارة الذكريات. فقد أصبحت المعالجة بالموسيقى المبنية على الأدلة العلمية مجالاً مهماً يُستفاد منه في التعامل مع بعض الاضطرابات العصبية والنفسية وفي برامج إعادة التأهيل. وتشير الأدلة إلى إمكانية استخدامها للمساعدة في جوانب مثل الكلام والحركة والألم والمزاج، بحسب الحالة وطريقة التدخل العلاجي.
وتكمن إحدى الخصائص المميزة للموسيقى في قدرتها على الربط بين السمع والحركة. فالإيقاع المنتظم يستطيع أن يوفر للدماغ إشارات زمنية تساعد على تنظيم الحركة، وهي ظاهرة تعرف بالمزامنة الإيقاعية. ولهذا يمكن استخدام الإيقاع في بعض برامج التأهيل الحركي، بينما يمكن للغناء والمشاركة الموسيقية النشطة أن يدعما عمليات مرتبطة بالنطق والتواصل. كما يمكن للموسيقى، في سياقات علاجية مناسبة، أن تساعد في تنظيم الانفعال وتخفيف الإحساس بالألم وتحسين الحالة المزاجية.

ومن المهم، مع ذلك، ألا ننظر إلى الموسيقى بوصفها «دواءً سحرياً» أو بديلاً عن العلاج الطبي. فقيمتها العلاجية تكون أكثر وضوحاً عندما تُستخدم بصورة منهجية ومبنية على الأدلة، وبما يناسب احتياجات الشخص وحالته. وهناك فرق بين الاستماع إلى الموسيقى من أجل المتعة والاسترخاء وبين العلاج بالموسيقى الذي يقوم على أهداف علاجية محددة وتقنيات مدروسة.
وربما تكمن روعة الموسيقى في أنها تجمع بين أمرين نادراً ما يجتمعان بهذه القوة: المتعة والتعقيد العصبي. فنحن نستمع إلى أغنية لأننا نحبها، بينما يكون الدماغ في الوقت ذاته منشغلاً بتحليل الإيقاع واللحن، واستدعاء الذاكرة، وتوقع النغمات المقبلة، وتنظيم المشاعر، وأحياناً الاستعداد للحركة معها.
وهكذا، فإن تاريخ الموسيقى الممتد عشرات الآلاف من السنين، وربما أبعد من ذلك بكثير، يوحي بأنها ليست عنصراً هامشياً في التجربة البشرية. وهكذا تتشكل أمامنا صورة للموسيقى باعتبارها جسراً فريداً بين الصوت والذاكرة والحركة والعاطفة والهوية.

فقد نستمع إلى الموسيقى لأن لحناً ما يسعدنا أو أغنية ما تعيد إلينا ذكرى عزيزة، لكن خلف هذه التجربة البسيطة ظاهرياً تحدث عمليات مذهلة داخل الدماغ. ولهذا ربما يكون من الأنسب ألا نسأل فقط: لماذا يحب الإنسان الموسيقى؟ بل أيضاً: كيف أصبحت الموسيقى، عبر تاريخنا الطويل، جزءاً من الطريقة التي يعمل بها دماغ الإنسان ويشعر ويتذكر ويتواصل مع الآخرين؟.



#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماذا يحصل في جامعة كامبريدج الأنكليزية العريقة؟
- إعلان القائمة الطويلة لجائزة البوكر 2026: 13 رواية تتنافس عل ...
- أكبحوا التطور السريع في الذكاء الأصطناعي..!! -الذكاء الفائق- ...
- لماذا نحب الشاعر علي جعفر العلاق؟
- اختراق طبي يعيد الأمل للمكفوفين: موافقة أوروبية على -عين إلك ...
- فيلم «الأوديسة» لكريستوفر نولان… بين ملحمة هوميروس ومرآة الع ...
- بعد خمسة قرون من الغموض… الطب الحديث يكشف السر المحتمل لوفاة ...
- الذكاء الاصطناعي والثروة وحكمة جلال الدين الرومي..
- مرض الكلى المزمن في العراق.. الحاجة الى دراسات وبائية وطنية
- شعرية المرارة المؤجَّلة في ديوان -حلويات- لعمر السراي.. قراء ...
- بابل… سيدة المدن: قراءة في أحدث أعمال لويد لويلين-جونز
- كيف يمكن للذكاء الاصطناعي الفائق أن «يقضي» على البشرية؟ يجيب ...
- الجهل والتجهيل في المجتمعات النامية... عندما يصبح التعليم مش ...
- رحيل رائد علم التشريح في العراق.. الدكتور قيس ابراهيم الدوري ...
- سردية المحنة وتحولات الوعي في قصة «قانون ميرفي» للقاصة وصال ...
- هل أصبحت سياحة الفضاء جاهزة للإقلاع أخيراً؟
- الطب والأدب: حين يلتقي شفاء الجسد بعلاج الروح
- تقرير أوكندين: أكبر فضيحة في خدمات الولادة والأمومة في تاريخ ...
- عشاء عراقي-.. بين سيميائية الجوع ووهم الوليمة: قراءة نقدية ف ...
- كلية الطب في جامعة بغداد.. مائة عام من الريادة العلمية وصناع ...


المزيد.....




- فنان يُدخل معالم الشارقة إلى عالم -باتمان- بالذكاء الاصطناعي ...
- غزة وذاكرة الحرب.. أفلام عالمية في الدورة التاسعة من الجونة ...
- مهرجان -كوروتشي- السينمائي ينطلق في كالينينغراد بطابع دولي ل ...
- -سيبيريا-.. توبولسك تستضيف أول مهرجان للموسيقى التقليدية لشع ...
- لاعب عراقي ينسحب من بطولة العالم للفنون القتالية رفضا لمواجه ...
- -الانتقال المجتمعي المعطّل-.. قراءة في تفكيك البنى العميقة ل ...
- -أثينا- و-أوديسيوس- بين الأسماء غير المألوفة لمواليد موسكو ب ...
- -بوحشية مروعة-.. كيف أنشأ النازيون مفوضية الرايخ في أوكرانيا ...
- انطلاق المنتدى الثقافي الدولي الخامس للأطفال في موسكو بمشارك ...
- أفلام -الفراشة الماسية- الفائزة بالدورة الأولى تعرض في بكين ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر هشام الصفّار - الموسيقى وصحة الدماغ: حين تتحول الألحان إلى غذاء للعقل