أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر هشام الصفّار - فيلم «الأوديسة» لكريستوفر نولان… بين ملحمة هوميروس ومرآة العصر الحديث














المزيد.....

فيلم «الأوديسة» لكريستوفر نولان… بين ملحمة هوميروس ومرآة العصر الحديث


عامر هشام الصفّار

الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 14:04
المحور: الادب والفن
    


حين أعلن المخرج البريطاني كريستوفر نولان عزمه تحويل ملحمة هوميروس الخالدة «الأوديسة» إلى فيلم سينمائي، لم يكن الجدل حول الفيلم قد بدأ بعد عرضه، بل سبق ذلك بأشهر طويلة. فقد انقسم النقاد والجمهور منذ الإعلان عن طاقم الممثلين والتصميمات الفنية، بين من رأى في المشروع مغامرة سينمائية استثنائية، ومن اعتبر أن نولان يغامر بواحد من أعظم النصوص المؤسسة للحضارة الغربية.
وقد خصصت مجلة The Economist مقالاً نقدياً لافتاً بعنوان “An Epic Mistake”، رأت فيه أن الفيلم ليس مجرد اقتباس أدبي، بل وثيقة تكشف عن طريقة تفكير القرن الحادي والعشرين أكثر مما تكشف عن اليونان القديمة.
ليست المشكلة في الدقة التاريخية
منذ صدور الإعلان الدعائي للفيلم، انشغل كثيرون بتفاصيل بدت للبعض هامشية: لون خوذة أوديسيوس، وتصميم الدروع، وهوية الممثلين، وحتى استعمال ابن أوديسيوس لكلمة أمريكية مثل“Dad”.
لكن المجلة ترى أن هذه الاعتراضات ليست جوهر القضية، فالمشكلة الحقيقية تكمن في أن الفيلم يعيد تشكيل البطل الإغريقي وفق القيم الأخلاقية المعاصرة، حتى يكاد يفقد شخصيته الأصلية.
فأوديسيوس عند هوميروس ليس بطلاً مثالياً، بل شخصية معقدة، تجمع بين الذكاء والمكر والقسوة والرحمة، وتخطئ بقدر ما تنجح. أما في نسخة نولان، فقد جرى ـ بحسب المجلة ـ تبسيط هذه الشخصية، بحيث تبدو أخطاؤه مجرد نتائج للصدمة النفسية بعد الحرب أو لعوامل خارجية، وليس تعبيراً عن طبيعة إنسانية مركبة.
هوليوود تقرأ هوميروس بعين القرن الحادي والعشرين
تؤكد المجلة أن كل عصر يعيد كتابة «الأوديسة» بلغته الخاصة. فالأثينيون القدماء حولوها إلى مآسٍ مسرحية، وألكسندر بوب في القرن الثامن عشر أعاد صياغتها بروح عصر التنوير، ثم جاء جيمس جويس في روايته Ulysses ليجعلها رحلة داخل العقل الإنساني.
ومن هذا المنظور، فإن نسخة نولان ليست استثناءً، بل استمرار لهذا التقليد الطويل؛ فهي تنقل أسئلة عصرنا إلى نص عمره ثلاثة آلاف عام. ولذلك يبدو الفيلم معبّراً عن الغرب المعاصر أكثر من تعبيره عن العالم الإغريقي القديم.
الإنسان المعاصر يحل محل البطل الأسطوري
يرى كاتب المقال أن نولان استبدل صورة البطل الأسطوري بصورة الإنسان الحديث المثقل بالصدمات النفسية.
فالرحلة التي كانت في الأصل مواجهة بين الإنسان والآلهة والقدر والوحوش، أصبحت في الفيلم مواجهة مع الاضطرابات النفسية وآثار الحروب.
وبذلك تتحول «الأوديسة» من ملحمة عن البطولة والمصير إلى دراسة نفسية لرجل يحاول النجاة من ماضيه، وهو اتجاه ينسجم مع كثير من أفلام نولان السابقة التي تهتم بالزمن والذاكرة والوعي الإنساني.
عالم جميل… لكنه بعيد عن هوميروس
تنتقد المجلة كذلك الجانب البصري للفيلم. فالمشاهد، على جمالها، تبدو أقرب إلى المنتجعات الفاخرة منها إلى عالم البحر المتوسط القديم. والقصور المصممة بعناية، والدروع الأنيقة، والألوان الهادئة، تجعل البيئة السينمائية أقرب إلى لوحة معاصرة منها إلى عالم المحاربين الإغريق.
كما ترى أن بعض المشاهد الأسطورية، مثل لقاء أوديسيوس بالحورية كاليبسو أو العملاق بوليفيموس، فقدت كثيراً من رهبتها وغموضها، وأصبحت أقل تأثيراً مما عرفه القراء في النص الأصلي.
فيلم أثار انقساماً نقدياً واسعاً
ومن اللافت فأن تقييم الفيلم لم يكن موحداً. فبينما اعتبر The Economist أن الفيلم مثال على إعادة تشكيل التراث وفق حساسيات العصر الحديث، رأى نقاد آخرون أنه إنجاز سينمائي استثنائي، يمتاز بضخامة الإنتاج، وروعة التصوير، والقدرة على تحويل واحدة من أعقد الملاحم الأدبية إلى تجربة بصرية مبهرة.
وفي المقابل، انتقدت مراجعات أخرى غياب الآلهة عن معظم أحداث الفيلم، معتبرة أن هذا الغياب أفقد الملحمة أحد أهم أبعادها الفلسفية والأسطورية، إذ إن تدخل الآلهة في قصيدة هوميروس ليس تفصيلاً ثانوياً، بل جزء من بنية السرد نفسها.
هل يمكن اقتباس هوميروس بأمانة؟
ربما يثير فيلم نولان سؤالاً أعمق من نجاحه الفني أو إخفاقه، وهو: هل يمكن أصلاً نقل نص كُتب قبل نحو ثلاثة آلاف عام إلى شاشة السينما دون أن يخضع لروح العصر؟
يبدو أن الجواب هو: لا. فكل اقتباس أدبي هو إعادة كتابة، وكل مخرج يعيد اكتشاف النص بحسب أسئلته الفكرية والجمالية. ولذلك فإن «الأوديسة» لم تعد ملكاً لهوميروس وحده، بل أصبحت نصاً يتجدد مع كل جيل.
ولهذا تختم مجلة The Economist فكرتها بصورة بليغة: لسنا حين نختلف حول «الأوديسة» نختلف في الحقيقة حول هوميروس، وإنما نختلف حول أنفسنا، وحول الصورة التي يريد كل عصر أن يرى بها بطله.
وهكذا يثبت فيلم كريستوفر نولان، سواء اتفقنا مع رؤيته أم اختلفنا معها، أن الأعمال الكلاسيكية الكبرى لا تموت، بل تستمر في إثارة الأسئلة وإعادة تعريف الإنسان في كل عصر.



#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بعد خمسة قرون من الغموض… الطب الحديث يكشف السر المحتمل لوفاة ...
- الذكاء الاصطناعي والثروة وحكمة جلال الدين الرومي..
- مرض الكلى المزمن في العراق.. الحاجة الى دراسات وبائية وطنية
- شعرية المرارة المؤجَّلة في ديوان -حلويات- لعمر السراي.. قراء ...
- بابل… سيدة المدن: قراءة في أحدث أعمال لويد لويلين-جونز
- كيف يمكن للذكاء الاصطناعي الفائق أن «يقضي» على البشرية؟ يجيب ...
- الجهل والتجهيل في المجتمعات النامية... عندما يصبح التعليم مش ...
- رحيل رائد علم التشريح في العراق.. الدكتور قيس ابراهيم الدوري ...
- سردية المحنة وتحولات الوعي في قصة «قانون ميرفي» للقاصة وصال ...
- هل أصبحت سياحة الفضاء جاهزة للإقلاع أخيراً؟
- الطب والأدب: حين يلتقي شفاء الجسد بعلاج الروح
- تقرير أوكندين: أكبر فضيحة في خدمات الولادة والأمومة في تاريخ ...
- عشاء عراقي-.. بين سيميائية الجوع ووهم الوليمة: قراءة نقدية ف ...
- كلية الطب في جامعة بغداد.. مائة عام من الريادة العلمية وصناع ...
- الأتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق يحتفي بالمترجم والأ ...
- هل توصل الطب اليوم الى علاج مرضى الذئبة الحمراء أو ال LPS … ...
- وفاة الجراح والمعلم البريطاني البارز هارولد إليس عن عمر ناهز ...
- عندما قدّم الذكاء الأصطناعي للمريض ما عجز عنه النظام الصحي
- أقرأ في العدد الجديد من مجلة الشارقة الثقافية:
- صحة المرأة والحوامل.. استثمار في الإنسان والمجتمع والأجيال ا ...


المزيد.....




- بعدما خطفت الأنظار في كأس العالم.. صورة لاعب الرأس الأخضر وح ...
- -الأوديسة- في صالات العرض، ماذا نعرف عن فيلم كريستوفر نولان ...
- شجرة البتولا... الرمز الذي لا تكتمل صورة روسيا من دونه
- مبادرة شبابية في غزة توظف الذكاء الاصطناعي لكسر الحصار الرقم ...
- نزع صور الفنان اللبناني محمد إسكندر في يبرود قبل حفله بوادي ...
- وفاة -سيدة الحمام- الشهيرة
- -مينيونز والوحوش-.. رسالة في حب السينما الصامتة
- -لكل طفل أسرة-.. فعالية لتعميم ثقافة الاحتضان ورعاية أطفال ا ...
- كريستوفر نولان يعيد ملحمة هوميروس إلى الشاشة في -الأوديسة-
- ناشط يطالب النيابة العامة بالتحقيق مع مديرة متحف بوشكين السا ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر هشام الصفّار - فيلم «الأوديسة» لكريستوفر نولان… بين ملحمة هوميروس ومرآة العصر الحديث