أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر هشام الصفّار - عشاء عراقي-.. بين سيميائية الجوع ووهم الوليمة: قراءة نقدية في قصة بولص آدم














المزيد.....

عشاء عراقي-.. بين سيميائية الجوع ووهم الوليمة: قراءة نقدية في قصة بولص آدم


عامر هشام الصفّار

الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 16:21
المحور: الادب والفن
    


في قصة "عشاء عراقي" للكاتب العراقي بولص آدم والتي نشرتها جريدة القدس العربي الصادرة في لندن مؤخرا ، لا يقدّم النص حكاية عن أسرة فقيرة فقط، بل يفتح فضاءً سيميائياً واسعاً تتحول فيه الأشياء اليومية إلى علامات دالة على الفقر، والذاكرة، والكرامة، والخيال. فالقصة لا تُبنى على ما هو موجود مادياً، بل على ما يتم استحضاره غيابياً: الطعام بوصفه علامة، والمائدة بوصفها مسرحاً للفراغ، والذاكرة بوصفها مخزناً بديلاً للواقع.
منذ البداية، تتكثف الدلالة السيميائية للفقر عبر تفاصيل دقيقة: الطحين الذي لم يبق منه سوى "طبقة رقيقة من الغبار الأبيض"، وكيس الرز الذي يحتوي "حبات قليلة تتدحرج داخله". هذه ليست مجرد أوصاف واقعية، بل علامات على انكماش الحياة المادية إلى حدها الأدنى. فالفراغ هنا لا يدل على نقص غذائي فقط، بل على بنية اجتماعية مأزومة تُنتج الحرمان كحالة مستمرة.
أبو سعد: مركز إنتاج المعنى في الفراغ
تتمحور القصة حول شخصية أبو سعد بوصفه فاعلاً سيميائياً يحاول إعادة إنتاج المعنى داخل عالم منهك. فهو لا يواجه الجوع مباشرة، بل يعيد ترميزه عبر الخيال. حين يقول لحفيدته: "الليلة عندنا عشاء خاص"، فإنه ينقل العائلة من مستوى الواقع إلى مستوى العلامة البديلة، حيث يصبح الكلام بديلاً عن الطعام، واللغة بديلاً عن المادة.
وهنا تتحول المائدة الفارغة إلى علامة مركزية. فهي في ظاهرها دليل على الفقر، لكنها في سياق اللعب الجماعي تصبح فضاءً تخييلياً تُمارس عليه طقوس الوليمة غير المرئية. إن الفراغ ذاته يتحول إلى “محتوى”، وكأن الغياب قد صار حضوراً رمزياً.
الطعام كذاكرة وهوية
الأطباق التي يستحضرها أبو سعد—التشريب، الدولمة، المسكوف، البامية—ليست مجرد أطعمة، بل علامات ثقافية تحيل إلى هوية عراقية جمعية. إنها ذاكرة مجتمع كامل، تُستدعى في لحظة انكسار لتؤدي وظيفة تعويضية. وهكذا يتحول الطعام من حاجة بيولوجية إلى رمز للأنتماء والدفء العائلي.
كما أن أستدعاء السينما، من تشارلي شابلن إلى الأفلام الإيطالية، يضيف طبقة سيميائية أخرى، حيث يصبح الخيال البصري جزءاً من أدوات مقاومة الواقع. فالذاكرة هنا ليست شخصية فقط، بل ثقافية وإنسانية ممتدة.
التواطؤ الجمعي مع الوهم
غير أن أحد أهم الأبعاد السيميائية في القصة يكمن في استجابة الأسرة كلها لهذا الوهم دون اعتراض أو تمرد. فالجميع ينخرط في اللعبة الرمزية التي أبتكرها أبو سعد: الابن يطلب المزيد من ورق العنب، الزوجة تمدح الرز، الجدة تشتكي من الفلفل، والحفيدة تتفاعل مع حرارة المرق المتخيل.
هذا التفاعل لا يمكن قراءته بوصفه خداعاً بسيطاً، بل هو تواطؤ جمعي إيجابي مع الوهم، هدفه حماية المعنى لا إنكاره. فالأسرة تدرك غياب الطعام، لكنها تختار تعليق هذا الإدراك مؤقتاً لصالح تجربة وجدانية مشتركة تعيد إنتاج الدفء الأسري.
سيميائياً، يتحول الوهم هنا إلى علامة مزدوجة: فهو من جهة يرمز إلى التضامن، ومن جهة أخرى يكشف هشاشة الواقع الذي يحتاج إلى الخيال كي يُحتمل.
بين المقاومة والرضوخ: مفارقة النهاية
غير أن هذا التواطؤ لا يخلو من إشكالية نقدية أعمق. فذهاب الأسرة إلى النوم على بطون خاوية بعد انتهاء “الوليمة” يوحي بأن الخيال، رغم كثافته العاطفية، لم يغيّر شيئاً في البنية المادية للجوع. بل يمكن القول إنه ساهم في تأجيل الألم بدل مواجهته.
هنا تتحول العلامة السيميائية إلى مفارقة: فالوليمة التي امتلأت بالخيال تنتهي بفراغ حقيقي أكثر قسوة، وكأن الخيال أعاد ترتيب الألم دون أن يلغيه. إن الضحك الذي ملأ الغرفة لا يبدد الجوع، بل يغلفه مؤقتاً بطبقة من الدفء الإنساني.
ويأتي فعل أبو سعد الأخير ليعزز هذا التوتر. فعندما يقول: "غداً سيكون عندنا عشاء حقيقي"، لا يبدو القول إعلاناً عن تغيير بقدر ما هو صيغة دعاء أو تمنٍّ هشّ. إنه Hنتقال من الخيال الجماعي إلى الأمل الفردي، ومن الفعل الرمزي إلى الHنتظار.
خيال يداوي ولا يغيّر
يمكن القول إن قصة "عشاء عراقي" تقوم على توتر دائم بين قطبين سيميائيين:
• قطب المقاومة الرمزية عبر الخيال والضحك والذاكرة.
• وقطب الرضوخ الضمني الذي يعيد إنتاج الواقع دون اختراقه.
فالخيال في النص يمنح العزاء، لكنه في الوقت ذاته يكشف حدود هذا العزاء. إنه يخلق عالماً مؤقتاً من الامتلاء داخل فراغ حقيقي مستمر. وهكذا لا تبدو القصة مجرد حكاية عن الجوع، بل عن الطريقة التي يتعلم بها الإنسان العيش داخل الجوع عبر اللغة، والذاكرة، والرمز.
وفي النهاية، تبقى جملة أبو سعد الأخيرة معلقة بين الدعاء والأنتظار، بين الأمل والعجز، لتلخص جوهر التجربة كلها: أن الإنسان قد لا يملك تغيير واقعه فوراً، لكنه قادر دائماً على إعادة تخييله ولو إلى حين.



#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كلية الطب في جامعة بغداد.. مائة عام من الريادة العلمية وصناع ...
- الأتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق يحتفي بالمترجم والأ ...
- هل توصل الطب اليوم الى علاج مرضى الذئبة الحمراء أو ال LPS … ...
- وفاة الجراح والمعلم البريطاني البارز هارولد إليس عن عمر ناهز ...
- عندما قدّم الذكاء الأصطناعي للمريض ما عجز عنه النظام الصحي
- أقرأ في العدد الجديد من مجلة الشارقة الثقافية:
- صحة المرأة والحوامل.. استثمار في الإنسان والمجتمع والأجيال ا ...
- علم الأعصاب في عصر التحول البيولوجي: آفاق جديدة لمواجهة العب ...
- حين يصبح النول مرآةً للموت: قراءة في نصّ -جوجو حائك الوجوه-
- نحو تأسيس مركز أكاديمي للتراث الشعبي العراقي: حماية للهوية و ...
- سابقة طبية في بريطانيا: جراحة دماغ ناجحة عبر تجويف العين دون ...
- التثقيف الصحي عبر المنصات الثقافية.. وعيٌ مجتمعي وثقةٌ تتجدد ...
- هوامش السرد وأفق المعنى: قراءة في رواية مدن لا تغلب يدي
- اليوم العالمي للكم: من أسرار الذرة إلى ثورة التكنولوجيا الحد ...
- الذكاء الاصطناعي يُحدث ثورة في الكشف المبكر عن سرطان الثدي
- الوجه… تاريخ ثقافي يكشف أسرار الهوية والسلطة
- لطفية الدليمي… سيرة إبداع ودروس في معنى الكتابة والحياة
- الجراحة عن بُعد… إنجاز طبي يقرّب المسافات
- دواء جديد يمنح الأمل للأطفال المصابين بالصرع من نوع متلازمة ...
- سوناتا الغراب: سردية المنفى وتمزقات الهوية


المزيد.....




- طهران تعلن اختتام المحادثات الفنية مع واشنطن دون حسم ملف الأ ...
- إيران: المباحثات الفنية مع واشنطن تفضي لاتفاق على تشكيل مجمو ...
- سرقة تهز منزل المخرج محمد عبد العزيز.. وكاميرات المراقبة ترص ...
- وزارة الثقافة الروسية تقرر البدء الفوري في ترميم متحف -الدفا ...
- بدء عملية اختيار الأفلام المرشحة للفوز بجائزة -الفراشة الماس ...
- في ذكرى ميلادها.. آنا أخماتوفا بين مجد الشعر ومآسي القرن الر ...
- معهد موسكو للفنون المسرحية يعرض -كيف يولد الأبطال- لأول مرة ...
- «تيلاي» الإفريقي يتصدر أفلام مهرجان كان بنسخة مرممة
- إيران تعلن اختتام المحادثات الفنية وغموض بشأن أموال طهران ال ...
- اختتام المحادثات الفنية بين طهران وواشنطن في سويسرا وتوافق ع ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر هشام الصفّار - عشاء عراقي-.. بين سيميائية الجوع ووهم الوليمة: قراءة نقدية في قصة بولص آدم