أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر هشام الصفّار - حين يصبح النول مرآةً للموت: قراءة في نصّ -جوجو حائك الوجوه-














المزيد.....

حين يصبح النول مرآةً للموت: قراءة في نصّ -جوجو حائك الوجوه-


عامر هشام الصفّار

الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 16:50
المحور: الادب والفن
    


نشر الملحق الثقافي لأحدى الصحف العربية الصادرة قبل عدة أيام قصة قصيرة جديدة للكاتب المغربي أنيس الرافعي، وهو قاص معروف على صعيد الساحة المغربية والعربية. أما القصة فقد جاءت تحت عنوان "جوجو حائك الوجوه" حيث يفتتح النصّ أبوابه على إهداءٍ مأخوذ من أغنية «جوجو» لـ جاك بريل، حيث يمتزج النبيذ والضحك والشقراوات بإحساس ثقيل بقرب الفقد. ومنذ الأسطر الأولى، يبدو واضحًا أن القارئ لا يدخل حكاية عادية، بل عالَمًا تتجاور فيه الموسيقى مع العدم، والرقص مع الفناء، والحرفة اليدويّة مع أسئلة القدر والموت.
يبني القاص الرافعي نصّه على هندسة خماسيّة مستمدّة من أشكال رقصات «أحواش» الأمازيغيّة: المستقيم، القوس، القسمان المتقابلان، المستقيمان المتوازيان، والدائرة المغلقة. غير أنّ هذه البنية لا تؤدّي وظيفة شكليّة فحسب، بل تتحوّل إلى العمود الفقري للسرد ذاته. فالنصّ يتحرّك كما تتحرّك الرقصة الجماعيّة: يبدأ بخطّ واضح ومستقرّ، ثمّ ينحني، وينقسم، ويتقابل، قبل أن يعود في النهاية إلى دائرة مغلقة تُحكم القبض على الشخصية والمصير معًا.
في قلب هذا العالم يقف «جوجو»، واسمه الحقيقي آدم باديس، عامل النسيج المتقاعد الذي تحوّل، بعد المرض والعزلة، إلى ناسج وجوه. ليست الشخصية بطلاً أسطوريًّا ولا ساحرًا خارقًا، بل رجلًا بسيطًا من حيّ شعبي، يحمل تعب السنين وهدوء الخيبة. وهذا ما يمنح النصّ قوّته الحقيقيّة؛ إذ ينبثق الرعب فيه من اليوميّ والعاديّ، لا من الماورائي الصاخب.
لقد نجح القاص هنا في جعل «جوجو» شخصية إنسانيّة قبل أن تكون رمزًا. فكنيته نفسها، الخارجة من تلعثم طفولي في نطق ضمير المتكلّم بالفرنسيّة، تضفي عليه هشاشة مبكرة، كأنّ اللغة تعثّرت فيه منذ البداية، تمامًا كما سيتعثّر لاحقًا في فهم ما يحدث حوله.
غير أنّ التحوّل الأهمّ في النصّ يبدأ حين تتحوّل هواية حياكة الوجوه إلى فعل غامض يجاور اللعنة. فكلّ من نسج «جوجو» ملامحهم أخذوا يرحلون تباعًا في ظروف مبهمة، بين حوادث وانتحارات وميتات مفاجئة بلا دوافع واضحة. هنا يغادر النصّ منطقة الحكاية الواقعيّة إلى تخوم الواقعيّة السحريّة، دون أن يفقد تماسّه بالحياة اليوميّة.
واللافت أنّ القاص لا يقدّم تفسيرًا مباشرًا لما يحدث، بل يترك الاحتمالات مفتوحة: هل تكمن اللعنة في المنسج نفسه؟ أم في موسيقى «أحواش» التي ترافق عمليّة النسج؟ أم في فعل تمثيل الوجه وتحويله إلى صورة ثابتة؟ أم أنّ الأمر كلّه مجرّد هذيان رجل أنهكه المرض والعزلة؟.
هذه المسافة الرماديّة بين الواقع والهلاوس هي ما يمنح النصّ قيمته الأدبيّة. فالغموض هنا ليس نقصًا في التفسير، بل جزء من جماليّة العمل. ولو أختار الكاتب حسم الأمر لصالح تفسير عجائبي مباشر، لفقد النصّ كثيرًا من توهّجه.
ويُحسب للنصّ أيضًا اشتغاله الذكي على رمزيّة النسيج. فالخيوط، والسداة واللحمة، والنول، واستحضار الأخوات «المويراي» في الميثولوجيا الإغريقيّة، كلّها تحيل إلى التصوّر القديم للحياة بوصفها خيطًا يُغزل ثم يُقطع. وهكذا لا يعود «جوجو» مجرّد حرفيّ يصنع صورًا، بل يصبح، من حيث لا يدري، شريكًا في كتابة المصائر.
ومن أجمل صور النصّ وصف المنسج بأنّه «مقبرة دائريّة متحرّكة»، وهي صورة تختزل ببراعة تحوّل الأداة الفنيّة إلى آلة قدرية، يتحوّل فيها الفنّ من فعل خلق أبداعي إلى اقترابٍ خفيّ من الفناء.
كما تؤدّي الموسيقى دورًا مركزيًّا في بناء هذا العالم. فـ«أحواش» ليست مجرّد خلفيّة فولكلوريّة، بل قوّة خفيّة تسري داخل النصّ مثل نبض غامض. ويبلغ التأمّل ذروته حين يتساءل السارد: «أليست كلّ موسيقى تحتمل بين نغماتها ومقاماتها الفتك والنشور في آن معًا؟». عند هذه اللحظة يتجاوز النصّ الحكاية إلى تأمّل فلسفي في طبيعة الفنّ ذاته، بوصفه مساحة يجاور فيها الجمالُ الهلاكَ، والرقصُ الهاويةَ.
أمّا نهاية القصة فجاءت موفّقة في انفتاحها وكتمانها معًا. لا يشرح الكاتب مَنْ الطارق، ولا ماذا سيحدث لجوجو، بل يترك الباب مواربًا بين عالمين. وحين يسمع الرجل اسمه يُنادى بلهجتين مختلفتين، ثم يختار ألّا يفتح الباب، يصبح الأمتناع نفسه فعلًا دالًّا؛ كأنّ الشخصية تؤجّل المصير لا أكثر.
ورغم ما يملكه النصّ من قوّة لغويّة وبنائيّة، فإنّ كثافته البلاغيّة تبدو أحيانًا مفرطة، حيث تتراكم الاستعارات والصور إلى حدّ قد يُثقِل الإيقاع على بعض القرّاء. كما أنّ التأمّل الفلسفي يطغى في بعض المقاطع على التوتّر الحكائي. غير أنّ هذه المبالغة نفسها قد تُقرأ، من جهة أخرى، باعتبارها جزءًا من المزاج الجنائزي والاحتفالي للنصّ.
وفي نهاية الأمر فأن القاص أنيس الرافعي، يقدّم عبر قصته «جوجو حائك الوجوه» نصًّا غنيًّا ومركّبًا، ينجح في المزج بين المحلّي والأسطوري، بين الذاكرة الشعبيّة الأمازيغيّة وأسئلة الإنسان الكونيّة الكبرى. إنّه نصّ عن الفنّ حين يتحوّل إلى مرآة للقدر، وعن الموسيقى حين تصبح رفيقة للحياة والموت معًا، وعن الإنسان الذي يكتشف، متأخرًا، أنّه ربما كان ينسج نهايات الآخرين وهو يظنّ أنّه يحيك وجوههم فقط.



#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحو تأسيس مركز أكاديمي للتراث الشعبي العراقي: حماية للهوية و ...
- سابقة طبية في بريطانيا: جراحة دماغ ناجحة عبر تجويف العين دون ...
- التثقيف الصحي عبر المنصات الثقافية.. وعيٌ مجتمعي وثقةٌ تتجدد ...
- هوامش السرد وأفق المعنى: قراءة في رواية مدن لا تغلب يدي
- اليوم العالمي للكم: من أسرار الذرة إلى ثورة التكنولوجيا الحد ...
- الذكاء الاصطناعي يُحدث ثورة في الكشف المبكر عن سرطان الثدي
- الوجه… تاريخ ثقافي يكشف أسرار الهوية والسلطة
- لطفية الدليمي… سيرة إبداع ودروس في معنى الكتابة والحياة
- الجراحة عن بُعد… إنجاز طبي يقرّب المسافات
- دواء جديد يمنح الأمل للأطفال المصابين بالصرع من نوع متلازمة ...
- سوناتا الغراب: سردية المنفى وتمزقات الهوية
- أفتتاح مستشفى أورام جديد في الموصل: خطوة تاريخية أم اختبار ح ...
- أول ولادة بعد زراعة رحم من سيدة متوفاة في بريطانيا: قصة أمل ...
- فيلم -هامنت-.. شكسبير في مرآة الفقد
- قراءة قي قصة قصيرة للقاص الأردني جلال برجس..قصة -ناي الأكتع- ...
- الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام ثورة جذرية في خلق الحياة
- عدد جديد من مجلة الشارقة الثقافية
- البيت بوصفه ذاكرة: قراءة في فيلم “قيم عاطفية” (Sentimental V ...
- جائزة فن العمارة لهذا العام لمبنى في لندن يعالج الشعور بالوح ...
- حول مهرجان لندن السينمائي ٢٠٢٥


المزيد.....




- السيد مجتبى الخامنئي: على نواب الأمة التعاون مع الحكومة من أ ...
- ليلى سليماني: الأدب سلاحنا الأخير لمواجهة الاستقطاب والتعصب ...
- 7نصوص هايكو(حنين) مترجمة للفرنسية :الشاعرالسيريالى محمدعقدة. ...
- السجن لمساعد الممثل ماثيو بيري بعد حقنه بجرعة كيتامين قاتلة ...
-  فيلم وثائقي: حين يصبح حياد سويسرا مادة للكوميديا الساخرة
- المشتقات النفطية العراقية: محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في ب ...
- إسرائيل بين أسطورة -شعب الله المختار- وانهيار الرواية الصهيو ...
- ربطة عنق تستحضر ذكرى جون كينيدي في حفل توزيع جوائز الموسيقى ...
- مهدي المشاط: علينا تعزيز سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية ...
- المعرفة والذاكرة والمقاومة.. قراءة تحليلية في كتاب -دروس الق ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر هشام الصفّار - حين يصبح النول مرآةً للموت: قراءة في نصّ -جوجو حائك الوجوه-