أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر هشام الصفّار - قراءة قي قصة قصيرة للقاص الأردني جلال برجس..قصة -ناي الأكتع-.. تمثلات الحرب والعوق الرمزي














المزيد.....

قراءة قي قصة قصيرة للقاص الأردني جلال برجس..قصة -ناي الأكتع-.. تمثلات الحرب والعوق الرمزي


عامر هشام الصفّار

الحوار المتمدن-العدد: 8608 - 2026 / 2 / 4 - 02:50
المحور: الادب والفن
    


تقدّم قصة "ناي الأكتع" للكاتب الأردني جلال برجس (المنشورة في العدد الأخير الصادر قبل أيام من مجلة نزوى العمانية) نصًا سرديًا متماسكًا يشتغل على ثيمة الحرب لا بوصفها حدثًا عسكريًا عابرًا، بل بأعتبارها كارثة وجودية تفتك بالإنسان في جوهره قبل أن تصيب جسده. فالقصة لا تنشغل بتفاصيل المعارك أو دوافعها السياسية، بل تنفذ مباشرة إلى الأثر النفسي والرمزي للحرب، ممثّلًا في شخصية جندي يجد نفسه منساقًا إلى حرب لا يعرف كيف اندلعت ولا لماذا قامت، في تجسيد واضح لعبثية الصراع الإنساني ولا معقوليته.
يقدّم برجس بطله رجلًا متزوجًا بلا أسم، عائدًا من الحرب مثقلًا بالحزن والخسارة. كان قبل الحرب عازف ناي، يتخذ من العزف هواية وملاذًا روحيًا، ويجد في الناي امتدادًا لذاته وصوته الداخلي. غير أنّه يعود هذه المرة بلا يدين، وقد سُلِب منه ما يمنحه القدرة على التعبير والحياة. ورغم هذا الفقد الفادح، يطلب من زوجته أن تضع الناي على حافة النافذة، كأنه يريد أن يراه في لحظات يقظته، وأن يتخيل نفسه يعزف أعذب الألحان، منتظرًا الريح بأصابعها كي تعزف معه، فيكتمل اللحن الذي أنقطع قبل الحرب.
هكذا يرسم القاص صورة بطل مأزوم، لا يعيش الحاضر بقدر ما يقيم في ذاكرة ما كان، وفي حلم ما لم يعد ممكنًا. وتغور القصة عميقًا في جرح هذا الجندي الأكتع — كما سمّاه الناس في المدينة — حيث يقوده تفكيره الغريب والمؤلم إلى أن يوصي زوجته بأن تضع الناي على قبره حين يموت، في دلالة على تلاشي الفاصل بين الحياة والموت، وعلى إدراكه أن موته الحقيقي قد حدث بالفعل مع فقدان قدرته على العزف.
تنتهي الحرب كما انتهت حروب كثيرة من قبل، وكما ستنتهي حروب أخرى ما تزال نيرانها مشتعلة، غير أنّ هذه الحرب تترك أثرها الحاسم في وعي البطل، إذ تجعله يكتشف حقائق جديدة عن نفسه والعالم. فيفكر في كتابة رواية عن البحر والناي، ويمليها على زوجته، في محاولة يائسة لأستعادة صوته عبر اللغة بعدما فقده عبر الجسد.
تبدأ الأشياء في مخيلته بالتداخل والأختلاط، فلا يعود قادرًا على المكوث في البيت. يركب حافلة المدينة، ويحدّق صامتًا في الأشياء وهي تركض إلى الخلف، وكأنها تستعيد أمامه حياةً سرقتها الحرب منه. وحين يموت الجندي المثقل بالحزن، ويوضع الناي على قبره، تحطّ حمامة بيضاء عليه، وتهبّ الريح في إحدى الليالي، فتسمع النساء لحنًا غريبًا، كأن روح الجندي قد تجسدت في الطير، وراحت تعزف لحن الخلود.
من الناحية البنيوية، تحافظ القصة على تماسكها من خلال أقتصاد سردي دقيق، حيث تتقدّم الأحداث بهدوء ظاهري يخفي توترًا داخليًا عميقًا. ويبلغ هذا التوتر ذروته في النهاية الدراماتيكية التي لا تعتمد على المفاجأة الحدثية، بل على الأنكشاف الدلالي، إذ يكتمل المعنى الرمزي في لحظة الفقد النهائي.
سيميائيًا، ينهض الناي بوصفه العلامة المركزية في النص. فهو لا يحيل إلى الموسيقى فحسب، بل إلى الروح والذاكرة والأستمرارية الوجودية. الناي هو الأمتداد الصوتي للذات، والوسيلة التي يتنفس بها الجندي إنسانيته وسط عالم متشظٍ. وحين يفقد الجندي ذراعيه، لا يفقد أداة جسدية فقط، بل يفقد صلته بالحياة نفسها، لأن الناي — رمز ديمومة الروح — يغدو بلا معنى في غياب الجسد القادر على منحه الصوت. وهنا تتحقق المفارقة القاسية: الجندي يموت رمزيًا قبل أن يموت فعليًا.
أما الحمامة، فتظهر بوصفها رمزًا أسطوريًا متجذرًا في الذاكرة الإنسانية، دالًا على السلام والبراءة والرجاء. غير أن حضورها في سياق الحرب يمنحها بعدًا إشكاليًا، إذ تتحول من علامة خلاص إلى شاهد صامت على الخراب، أو إلى حلم مستحيل في عالم لم يعد يعترف بالنقاء. وبهذا، لا تغدو الحمامة نقيضًا للحرب، بل فضحًا لعجز الإنسان عن بلوغ السلام.
يتجاوز الجندي الأكتع كونه شخصية فردية ليغدو رمزًا لعوق إنساني شامل؛ فالعوق هنا ليس جسديًا فقط، بل أخلاقي وحضاري، ناتج عن حروب بلا معنى ولا ضرورة.
في المحصلة، تنجح قصة "ناي الأكتع" للقاص جلال برجس في تقديم خطاب ضد الحرب من دون مباشرة أو خطابية، معتمدة على الرمز، والتكثيف، والدلالة المفتوحة. إنها قصة عن الفقد؛ فقد الأطراف، وفقد المعنى، وفقد القدرة على الأستمرار بوصف الإنسان إنسانًا. وبهذا، يرسّخ جلال برجس نصًا إنسانيًا عميقًا يضع القارئ أمام سؤال وجودي موجع: ما الذي يبقى من الإنسان حين تنجو الروح بينما يعجز الجسد عن التعبير عنها؟.



#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام ثورة جذرية في خلق الحياة
- عدد جديد من مجلة الشارقة الثقافية
- البيت بوصفه ذاكرة: قراءة في فيلم “قيم عاطفية” (Sentimental V ...
- جائزة فن العمارة لهذا العام لمبنى في لندن يعالج الشعور بالوح ...
- حول مهرجان لندن السينمائي ٢٠٢٥
- الدكتور محمود عبد الهادي البحراني في ذمة الخلود
- جائزة نوبل في الأقتصاد 2025 تمنح لعلماء ثلاثة عملوا على النم ...
- كتاب -رؤى في الحياة والثقافة- يكشف عن سر التوازن بين المتعة ...
- جات جي بي تي مجرد البداية.. !
- رحلة التعلم – العراق تستذكر: عالم الآثار العراقي الراحل الدك ...
- الروائي الهنغاري لازلو كراسناهوركاي يفوز بجائزة نوبل للآداب ...
- جائزة نوبل في الفيزياء 2025 تمنح لثلاثة علماء أميركان ساهموا ...
- مجلة المجمع العلمي العراقي في عيدها الماسي
- الأجسام المضادة التنظيمية المناعية المفيدة في علاج السرطان ت ...
- منتدى ثقافي عربي في لندن يكشف عن إرث نازك الملائكة ورسائلها ...
- قراءة في كتاب -الموروث الشعبي بين حقيقة التراث والبحث فيه: أ ...
- الروائي المصري الكبير صنع الله ابراهيم..في ذمة الخلود
- من هو الطبيب القدوة؟
- المجلة الطبية البريطانية تكتب عن المجاعة في غزة
- رائدات الطب في العراق


المزيد.....




- وفاة نجم أفلام الحركة والفنون القتالية تشاك نوريس
- ماذا يفعل الأدباء في زمن الحرب؟
- حينما أنهض من موتي
- كسر العظام
- وفاة تشاك نوريس عن 86 عاما.. العالم يودع أيقونة الأكشن والفن ...
- -مسيرة حياة- لعبد الله حمادي.. تتويج لنصف قرن من مقارعة الكل ...
- فنلندا أكثر دول العالم سعادة للعام التاسع.. وإسرائيل والإمار ...
- قصة «يا ليلة العيد».. كيف تحولت أغنية سينمائية إلى نشيد خالد ...
- فيلم لـ-لابوبو- قريبا.. يجمع بين التمثيل الحي والرسوم المتحر ...
- اختيار الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر هشام الصفّار - قراءة قي قصة قصيرة للقاص الأردني جلال برجس..قصة -ناي الأكتع-.. تمثلات الحرب والعوق الرمزي