أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر هشام الصفّار - سوناتا الغراب: سردية المنفى وتمزقات الهوية














المزيد.....

سوناتا الغراب: سردية المنفى وتمزقات الهوية


عامر هشام الصفّار

الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 18:16
المحور: الادب والفن
    


صدرت رواية سوناتا الغراب للكاتبة العراقية فيحاء السامرائي عام 2022 عن دار نشر لندن في المملكة المتحدة حيث تقيم الكاتبة. ومنذ الصفحات الأولى يجد القارئ نفسه في مواجهة مباشرة مع الموت: شرطة لندن تعثر على جثة متحللة لرجل من أصول عربية داخل شقة في المدينة، فيبدأ التحقيق لكشف هويته وتحديد ما إذا كانت الوفاة ناجمة عن فعل جنائي أم عن أسباب طبيعية. غير أن هذا الأستهلال، على الرغم من طابعه البوليسي، لا يقود إلى رواية جريمة بالمعنى التقليدي، بل يشكّل مدخلًا فنّيًا لأستدراج القارئ إلى تأمل مصير الإنسان في غربته، ووحدته، وتصدّعاته النفسية.
تعالج الرواية موضوعات الأغتراب، والعزلة، والعنف الأسري، والتطرف، والمرض النفسي، عبر بنية سردية تقوم على “قوارير” عُثر بداخلها على أوراق تركها المتوفّى، وهو عراقي عاش سنوات طويلة في لندن. هذه القوارير تصبح مفاتيح لفهم تاريخه الشخصي، كما تكشف طبقات متعددة من الذاكرة المرتبطة بالعراق بوصفه وطنًا أول، وبإنكلترا بوصفها فضاء المنفى القاسي.
ولأن الأحداث تجري في بلد أجنبي، تستعين الشرطة بمترجم لقراءة ما كُتب على جدران الشقة بالعربية، بخط غير واضح أحيانًا، إضافة إلى الرسائل المحفوظة في القوارير. في شقة تقع في منطقة ويستمنستر اللندنية، تتجاور كتابات عربية وإنكليزية مع رسوم لغراب وإشارات إلى العنف والتطرف وأسماء من الماضي. ويحضر الغراب بوصفه رمزًا مركزيًا، مستلهمًا من قصيدة The Raven للشاعر الأمريكي إدغار آلان بو، ليغدو علامة على التشاؤم والموت وذاكرة لا تكفّ عن المطاردة.
تتمحور إحدى أهم الشخصيات حول وحيد فريد نعمان، الشاب المضطرب الذي يعاني التأتأة والكآبة، ويثقل كاهله شعور بالذنب منذ وفاة توأمه بعد ساعات من الولادة. قسوة الأب، المتأثرة بارتدادات الواقع السياسي العراقي في العقود الأخيرة من القرن العشرين، تترك أثرًا عميقًا في نفس الابن؛ فيتخذ الغراب في مخيلته هيئة صوت ينعق كلما أشتد عليه العقاب. إخفاقه الدراسي وهشاشته النفسية يجعلان منه فريسة سهلة للتطرف، فيُدفع إلى “الجبل” ثم إلى بلاد الشام، قبل أن يُطلب منه التوجه إلى “بلاد الإمبريالية” لطلب اللجوء ومواصلة ما قيل له إنه نضال.
في المنفى تتكاثر الشخصيات القلقة الباحثة عن معنى. تكشف أوراق “القارورة الثامنة” عن آلاء، الشابة التي تمرّدت على أسرتها في بغداد، ثم وجدت نفسها في بريطانيا زوجة لرجل متزوج من ثلاث أخريات. تعاني آلاء اضطرابا نفسيا هو متلازمة ثنائي القطب، وتخضع لإشراف طبيب نفسي، وتعترف بأن خوفها من الوحدة وحاجتها العميقة إلى الأحتماء بالآخر قاداها إلى وحيد. أما وحيد نفسه فيُحال إلى طبيب نفسي بعد ظهور أعراض قريبة من الفصام، فيُعالج بأدوية مضادة للاكتئاب والذهان، ثم يُلجأ إلى العلاج بالصدمات الكهربائية، في إشارة إلى هشاشة المنظومة العلاجية وإرباكها.
ولا تخلو الرواية من شخصيات إيجابية مضيئة، مثل الطبيب نبيل بهنام توما، الذي يعمل مترجمًا لوحيد عند وصوله إلى مطار هيثرو. درس نبيل الطب في بغداد قادمًا من قرية بطنايا ذات الكنائس والأديرة، ولا يزال يحنّ إلى جوزها وبلوطها ومياهها الجارية. وفي المقابل تحضر شخصية إنكليزية متعاطفة هي السيدة مونيكا، التي تعرّف عليها وحيد في مظاهرة احتجاج على الحرب أمام البرلمان البريطاني، وتمثل صوتًا إنسانيًا متضامنًا مع العراقيين.
أما المترجم العراقي الذي يفكّ أسرار القوارير، فيتجاوز دوره التقني ليغدو شخصية إشكالية بدوره؛ مثقف يرتاد الأمسيات الموسيقية في قاعة الآثار الآشورية في المتحف البريطاني، ويستعيد قول والده إن وجود الآثار العراقية في لندن يتيح للعالم رؤيتها. غير أن انغماسه في قراءة أوراق وحيد يدفعه إلى اضطراب داخلي، حتى يكاد يتخيله حيًا يتجول في شوارع لندن بهيئة مشرّد.
على مستوى البنية السردية، تعتمد الرواية واقعية سوداوية تميل إلى أجواء ديستوبية، وتستند إلى تعدد الأصوات عبر تقنية القوارير. ورغم حضور راوٍ عليم، فإن السرد يعتمد في معظمه على التبئير الداخلي؛ إذ تُرى الأحداث من داخل وعي الشخصيات، فتتحدد المعرفة بحدود إدراكها وتجربتها، ما يعمّق البعد النفسي ويمنح النص كثافة تأملية.
لغويًا، تسيطر الكاتبة على أدواتها لتجسيد تجارب الهجرة العراقية عبر عقود مختلفة، من ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي إلى ما بعد 2003، دون أن تفقد تماسُك المعنى رغم تشابك الحكايات. وتنتهي الرواية نهاية مفتوحة، حين تضيف خطيبة المترجم رسالة في قارورة جديدة، كأنها تقترح خاتمة متخيّلة، تاركة للقارئ حرية كتابة نهايته الخاصة لـ«سوناتا الغراب» — نهاية قد لا توضع في قارورة قابلة للانكسار، لكنها تظل معلّقة بين الذاكرة والمنفى وصوت الغراب الذي لا يصمت.



#عامر_هشام_الصفّار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أفتتاح مستشفى أورام جديد في الموصل: خطوة تاريخية أم اختبار ح ...
- أول ولادة بعد زراعة رحم من سيدة متوفاة في بريطانيا: قصة أمل ...
- فيلم -هامنت-.. شكسبير في مرآة الفقد
- قراءة قي قصة قصيرة للقاص الأردني جلال برجس..قصة -ناي الأكتع- ...
- الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام ثورة جذرية في خلق الحياة
- عدد جديد من مجلة الشارقة الثقافية
- البيت بوصفه ذاكرة: قراءة في فيلم “قيم عاطفية” (Sentimental V ...
- جائزة فن العمارة لهذا العام لمبنى في لندن يعالج الشعور بالوح ...
- حول مهرجان لندن السينمائي ٢٠٢٥
- الدكتور محمود عبد الهادي البحراني في ذمة الخلود
- جائزة نوبل في الأقتصاد 2025 تمنح لعلماء ثلاثة عملوا على النم ...
- كتاب -رؤى في الحياة والثقافة- يكشف عن سر التوازن بين المتعة ...
- جات جي بي تي مجرد البداية.. !
- رحلة التعلم – العراق تستذكر: عالم الآثار العراقي الراحل الدك ...
- الروائي الهنغاري لازلو كراسناهوركاي يفوز بجائزة نوبل للآداب ...
- جائزة نوبل في الفيزياء 2025 تمنح لثلاثة علماء أميركان ساهموا ...
- مجلة المجمع العلمي العراقي في عيدها الماسي
- الأجسام المضادة التنظيمية المناعية المفيدة في علاج السرطان ت ...
- منتدى ثقافي عربي في لندن يكشف عن إرث نازك الملائكة ورسائلها ...
- قراءة في كتاب -الموروث الشعبي بين حقيقة التراث والبحث فيه: أ ...


المزيد.....




- صدور كتاب -تأثير الإسلاموفوبيا على السياسة الخارجية الأمريكي ...
- 12 رمضان.. ابن طولون يستقل بمصر وجنازة تاريخية لابن الجوزي ف ...
- الذكــاء الاصطنـــاعي والتفكيـــر الناقــد!
- المدرسة كمجتمع صمود إيجابي: من ثقافة الانتظار إلى ثقافة الفع ...
- ضع في حقيبتك حجراً وقلماً ونكافة .. إلى صديقي الشاعر المتوكل ...
- -محمد بن عيسى.. حديث لن يكتمل- فيلم وثائقي عن مسار رجل متعدد ...
- حكاية مسجد.. -المؤيد شيخ- بالقاهرة من سجن إلى بيت لله
- ثقافة العمل في الخليج.. تحديات هيكلية تعيق طموحات ما بعد الن ...
- محمد السيف يناوش المعارك الثقافية في -ضربة مرفق-
- دهيميش.. مقرئ ليبي قضى 90 عاما في خدمة القرآن


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عامر هشام الصفّار - سوناتا الغراب: سردية المنفى وتمزقات الهوية